• الموقع الرسمي للدكتور طه حبيشي

أرشيف : مقالات

"خواطر رمضانية" بناء الملكات الأخلاقية.. ونموذج الرجل الكامل

صورة افتراضية

ان المنطقة التي تعد محضنًا تنشأ فيه ملكات القيم إنما هي منطقة الوجدان.. ولا تنشأ الملكة فيها إلا إذا قامت الإرادة بحمل صاحبها علي سلوك معين يكرره المرة بعد المرة ويلتزم بممارسته ولو علي كره منه. وهو بتكرار هذا السلوك يجد نفسه وقد خف عليها أداؤه شيئا فشيئاً إلي حد يجد نفسه فيه وقد يناديه مناد من داخله. كلما وجدت داعية السلوك أن يخف لممارسته وأدائه.. هنا نستطيع أن نقول: إن السلوك الذي كان يمارسه الإنسان في أول الأمر قد استطاع أن يؤسس لهذا الملكة في الداخل وأن يربيها في محضن الوجدان وأن يمدها بالغذاء يوما بعد يوم. نقول: إن القوة المفكرة وإن كانت تمثل منطقة في النفس غير منطقة الوجدان التي فيها تتكون ملكات القيم. إلا أن هذه القوة المفكرة لها حق الاشراف علي جميع قوي النفس. ولها حق الحكم علي جميعها وهي وظيفة لا يستهان بها. لكنها في نفس الوقت لا تشكل منطلقا للخلق وإن كانت حاكمة عليه. ويبقي منطلق الخلق الذي يشع علي ملكاته بالدفء في تكونها. وفي أدائها لوظائفها. إنما هو: الحب. أما القوة المفكرة: فهي تصلح منطلقا وأصلا للاعتقاد. والإيمان. وهي صلاحية تمنح الإنسان جناحا آخر غير الجناح الذي منحته له قوة الوجدان حتي يصبح للإنسان جناحان يطير بهما إلي عالم الخلود هما: الحب منطلق للأخلاق. والإيمان منطلق للاعتقاد. لكن هنا من توفرت له الأخلاق في نفسه فانطبعت علي سلوكه فلم يأخدها عن الناس وانما عن الله سبحانه وتعالي والمثل الكامل في هذا الأمر هو: سيدنا رسول الله - صلي الله عليه وسلم - الذي اقتدي به كل إنسان شاء الله له أن يقتدي به بعد أن رأي تكامل الاخلاق فيه الذي اقتدي به كل إنسان شاء الله أن يقتدي به بعد أن رأي تكامل الاخلاق فيه. أما تكامل اخلاق في سيدنا رسول الله فقد أغنانا عن اقول في ذلك تزكية الله له. حيث قال: "وإنك لعلي خلق عظيم" "القلم/4" وحيث قال: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" وحيث قال "ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك" "آل عمران/159" كما أغنانا عن القول في ذلك هذه المصنفات الكثيرة التي خلقها لنا العلماء والمحدثون في مجال التزكية ورواية السنة. ويبقي لنا أن نسوق أمثلة تبين لنا كيف تأثر بأخلاق النبي أناس كان من طبعهم أنهم غلاظ الأكباد. وجفاة الطباع. فحين تعرضوا لدفء الأخلاق النبوية سالت بتدفقات الإيمان وديان النفس حتي امتلأت بذلك حناياها. وإياك أن تظن في مثال من الأمثلة التي سنسوقها بين يديك أن الدافع إلي الاقبال علي النبي دليل عقلي. قد ترتبت مقدماته حتي أثمرت نتائجه - إياك أن تظن ذلك أو تعتقده لأن ظاهرة الأمر وباطنه ناطقان بأن جذبة الجميع إلي النبي كان وراءها حب جارف قد شع علي الجميع من أخلاقه - صلي الله عليه وسلم. فهذا هو النبي وأصحابه عائدون من غزوة ذات الرقاع. وقد نزل الجيش وقائده للاستراحة. ونام الكل. ونام النبي بعد أن علق سيفه في فرع شجرة. وماهي إلا لحظات حتي أقبل أعرابي والتقط السيف. واستيقظ النبي فرآه قابضا علي سيفه وهو يقول له ما الذي يمنعك مني؟ فقال النبي: الله. فارتعدت فرائس الرجل وسقط السيف من يده. فأخذه النبي وهو يقول: ما الذي يمنعك مني يا أعرابي؟ فقال: حلمك. فأجلسه النبي وأكرمه. وأخبر بالحادث أصحابه فلما عاد الرجل إلي قومه. قال لهم: لقد جئتكم من عند خير الناس. إن الساحة كما تري إنما هي ساحة المشاعر والعواطف والوجدانات وليست ساحة تفكير تحكمه النتائج قد استندت إلي مقدمات. وهذا مثل آخر بعد المثل الأول الذي رواه البخاري. وهو مثل: أخرج قصته الإمام أحمد والبغوي وهو عند ابن إسحاق ومثاله: أن عدي بن حاتم كان امرءاً شريف في قومه كان يربع فيهم. أي يأخذ ربع أموالهم ضريبة يفرضها عليهم. وقد سمع برسول الله - صلي الله عليه وسلم - وعلم أن المستقبل له. فغر بنفسه خوفا علي مكانته. فيما بلاد الشام في الشمال. وما طالبت له الحياة هناك. فعاد إلي المدينة قاصدا النبي. فلما التقاه في مسجده. قال النبي له: من الرجل؟ فقال: عدي بن حاتم. ثم أكمل عدي قصته فقال: فاصطحبني رسول الله إلي بيته. فاستوقفته امرأة عجوز تعرض حاجتها وأطالت به الوقوف فما تركها. فقلت: هذا والله ليس بخلق ملك. ودخلنا بيته فدفع إلي وسادة أجلس عليها وجلس علي الأرض. وحدثني عن الإسلام ومستقبله. فاستل بخلقه عظائم نفس وكبرياء فؤادي فأسلمت معه لله رب العالمين. وهذه غزوة حنين. توزع الغنائم فيها. فاختص النبي أناسا من قريش بأموال يتألفهم بها. فقال شباب الأنصار. يغفر الله لرسول الله. هذه سيوفنا تقطر من دم القوم وفي توزيع الغنائم يعطون مالا تعطي؟.. وبلغت هذه المقالة رسول الله. فطلب من سعد بن عبادة أن يجمع إليه الأنصار. ولا يدخل معهم أحد من غيرهم. ثم جلس إليهم يحدثهم حديث الخلق الرشيد. وقد سألهم قبل حديثه. هل معكم أحد من غيركم؟ فأجابو: ليس إلا أبناء ارحامنا. فأجازهم ثم حدث الجميع. بادئا حديثه بهذا السؤال. ما مقاله بلغتني عنكم؟! ثم قال: أجيبوني أيها الأنصار. أما لو شئتم لقلتم وصدقتم وصدقتم - لو شئتم لقلتم: أتيتنا مكذبا فصدقناك. ومخذولا فنصرناك. وطريدا فأويناك. وعائلا فواسيناك.. يقول النبي قوله هذا. والقوم أوشكت قلوبهم أن تنخلع وهم يصيحون ويبكون: المنة لله ولرسوله. فالله ورسوله أعز وأمن ولاحظ النبي تأثر القوم فأراد أن يحتضن قلوبهم بعطفه. ويهدهد أفئدتهم بذراعي رقته فقال: لكن استطيع أن أقول: ألم آتكم ضلالا فهداكم الله بي ومتفرقين فألفكم الله بي. وعالة فأغناكم الله بي.. يقول النبي ذلك. وهم يقولون المنة له ولرسوله. فلما خف ثقل الموقف علي الأنصار. جاء وقت العتاب في مقارنة رشيقة: أتجدون في أنفسكم أيها الأنصار أن فاتتكم لعاعة من الدنيا تألفت بها أناسا إسلامهم جاء متأخرا ووكلتكم لإيمانكم؟! وبعد العتاب تأتي البشري. أيها الأنصار: أما يرضيكم أن تعود الناس بالشاء والبعير. وتعودون برسول الله صلي الله عليه وسلم والذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار: المحيا محياكم والممات مماتكم. اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار. قال الجميع: رضينا بالله ورسوله قسما. فقولوا لي بالله عليكم: أهذا حديث العقل تعلوه حكمته. أما هذا حديث الأخلاق والوجدان يطير به في أعلي عليين الاعجاب بخلق النبي ومحبته.