• الموقع الرسمي للدكتور طه حبيشي

أرشيف : مقالات

خواطر رمضانية غياب العدالة والمساواة.. وراء ارتباك الأمن

ان العبودية لله والالتزام بها هي أساس حركة الأمة الاسلامية في الدنيا وهي نفسها التي تنقلب الامة بها الي ربها يوم القيامة وهو أمر يسجله كتابها واصل شريعتها وهو: "القرآن الكريم" ففيه نحو قول الله "أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا اطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا.. كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا ونرثه ما يقول ويأتينا فردا.. الي ان قال : "ان كل من في السموات والارض الا اتي الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا "مريم 77 وما بعدها". وهذا الاساس الواحد كما تري ينبثق عنه أمران اصلهما ثابت وهو العبودية لله وفروعهما في السماء. واحد هذين الفرعين أو الامرين عقيدة في القلب تورث صاحبها الامان الداخلي وتزيح عنه اثر كل خوف يمكن ان يتسلل الي العقل او الفؤاد في داخل الانسان من نحو التشرذم او التشتت ومن نحو الحيرة التي تنتاب الانسان حين لايجد سبيله الي وحدة الانتماء. ان الامان الداخلي اساسه وحدة التوجه وصدق الحماسة له وتوجه الامة الاسلامية كما رأيت انما هو في اقامة الوجه لمن خلقها وتحرير العبودية له من كل شرك او مخالط. والفرع الثاني من هذين الفرعين مظهره الامان الخارجي. والامان الخارجي مرتبط ارتباطا وثيقا بفكرتي العدل والمساواة وهما فكرتان اساسهما في الشريعة ومسيرتهما في المجتمع كله بجميع أنظمته ومؤسساته. والامة اذا حققت لنفسها العدل والمساواة ارتفعت فوق الامراض الاجتماعية. وعاشت عزيزة بين الامم. أرأيت الي هذه الامة الاسلامية وقد وضعت يدك علي مالها من مميز ذاتي تحيا برعايته. وتموت باهماله والتفريط فيه الي حد الضياع. ولو أنك تصفحت التاريخ لوجدت الامة الاسلامية قد مرت بمرحلة كانت فيها عزيزة بين الامم تهابها الدول الكبري وتحسب لها كل حساب وتتعامل معها بندية لا لشئ الا لان جميع رعايا الامة قد ارتبطوا بهويتها ومميزاتها الذاتية فارتفع وعيهم بالتوحيد الذي حقق لهم الامن الداخلي واقاموا حياتهم الاجتماعية علي اساس من المساواة والعدل فتحقق امنهم الخارجي وهما امران كما رأيت يرتبطان بهذا المميز الذاتي للامة وهو عبوديتهم لله فهوية الانسان المسلم في مملوكيته لمن ابدعه وكونه هوية الانسان عبوديته لمن هو ملك له لمن يأخذ بناحيته ويفعل به مايشاء. وعاشت الامة الاسلامية عصورها الاولي قد تعرفت علي أصولها الذاتية وشقتها بماء الحياة فرعتها حق رعايتها فعاشت هكذا عزيزة بين الامم. وسأضرب لك مثالا واحدا سجله التاريخ بكل فخر واعتزاز. وله في تاريخ هذه الامة نظائر واشباه بحيث كان هو ونظائره واشباهه أمورا تشكل مسيرة هذه الامة. وهي مسيرة انطبعت بهدي نظامها انطباعا لايقبل استثناء والمثال الذي أريد ان اسوقه الان بين يديك اختاره من مصر وكان واليها عمرو بن العاص الذي اصطحب اسرته معه الي مصر وقد حدث ان ابنه الشاب اختلف مع احد شباب مصر في شأن حصان نفيس وقد استغل ابن الوالي سلطة ابيه واوجع المصري ضربا بسوط كان معه وقد ارتحل المصري الي المدينة حيث أمير المؤمنين عمر ليقدم اليه شكواه.. واستقدم امير المؤمنين الوالي وولده.. يقول انس بن مالك رضي الله عنه كنت عند عمر واذا ب عمرو بن العاص وابنه يدخلان عليه وما ان رآهما عمر حتي قال: علي بالمصري فلما ثبت لديه ان ابن عمرو بن العاص ضرب المصري دفع أمير المؤمنين بالدره الي المصري. وقال له: اضرب ابن الاكرمين وهي كلمة تأنيب ثم قال له: وطف بالدرة علي صلعة عمرو بن العاص فهو الوالي الذي تقوي به ولده. ثم التف الي عمرو مغضبا ليقول له: متي استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم احرارا. امة تقدمت وقد كتب التاريخ احداثها وهو جاث علي ركبتيه لا لشئ الا لأنها حرصت علي رفع الوعي بالتوحيد وعلي العدالة والمساواة ثبتهما في ارض العبودية لله. وهي أرض روتها الامة بماء الايمان ينبع من العقل. وماء الحب ينبع من القلب. آآآآآه.... وقد صاعت الأيام التي تفاخرنا بها كثيرا ومازلنا نتفاخر بها.. ضاعت الأيام ونحن نتساءل عن حال الأمة الاسلامية وما وصلت اليه فلا نجد الا امة قد نقص وعيها بالتوحيد عند البعض وغاص ماؤه في نفوس الاخرين الي حد العدم أو الجفاف. ثم جرفت تربة العدالة واطاح الظالمون بمبدأ المساواة فاصبح تحقيق العدل في الامة امنية من الأماني. واصبح تحقيق المساواة بين الناس يتقدم في الترتيب البحث عن الغول والعنقاء والخل الوفي فإذا سألت العقلاء أو المصلحين عن العدالة. وهل تتحقق في المجتمع جاشت بهم نفوسهم وهم يقولون لك: انها امنية. فاذا سألتهم عن المساواة وجدتهم ينغصون اليك رءوسهم ويقولون متي هي. ومتي زمانها ان تحقيقها من رابع المستحيلات علي ماهو دراج علي ألسنة الناس. آآآآآآه........ لقد غاب الوحي بالتوحيد فارتبك معه الامن الداخلي. وغابت العدالة والمساواة فارتبك معه الأمن الخارجي. وأصبحت أمة الاسلام "وياأسفاه" مطموع فيها ممن يحيطون بها من الأمم وهو طمع لايبرره قوة الأمم المحيطة ولكن ما يسببه انما هو الامة الاسلامية لتجفيف وتجريف عناصرها الذاتية التي تكون هويتها. بقلم/د. طه حبيشي