• الموقع الرسمي للدكتور طه حبيشي

أرشيف : مقالات

خواطر رمضانية الصلاة الحقيقية علي النبي.. قاعدة تغيير الأمة

تاريخ الأمة الإسلامية يشتمل علي رجفات ثورية تقوم بها الأمة من حين إلي آخر رغبة في الإصلاح كما ان في تاريخ الأمة رجفات أخري ابتليت بها الأمة فاستكملت خصائص الانقلاب وما نريده الآن هو أن نتحدث عن الطريق الذي رسمه النظام الإسلامي لنا لكي نتعرف من خلاله علي هذه الرجفات أو الثورات التي تستكمل اسباب ومظاهر الثورة والتي هي طريق للإصلاح ولنبدأ أولي خطواتنا من عصر المبعث ففي عصر المبعث كان الناس يشتكون من أمور كثيرة كلها تحتاج إلي تغيير. تغيير يعرف خصائص التغيير الثوري من حيث الزمن والمحور والهدف. والقرآن الكريم والسنة النبوية وواقع التاريخ يتحدثون عن الإسلام باعتباره نظاما يحق الحق ويبطل الباطل فهو عندما أراد أن يحدد لنا محور الإصلاح ركزه في سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم واعتبره هو الإنسان الكامل الذي يجب علي كل ثائر ان يحاكيه والذي يجب علي كل واحد من آحاد الأمة أن يقتدي به ومن العجب العجاب ان الله عز وجل قد بني لنا هذه الشخصية علي أساس يناسب وظيفتها في الأمة فمنحه العظمة ومنحه التفوق والوجاهة ومنحه علو الكعب في الأخلاق ثم عبر عن ذلك كله بعبارة موجزة حملت الخير إلينا وهي ان الله عز وجل قد صلي علي نبيه وليس من الممكن أن نتصور صلاة الله علي النبي علي أن لها مدلولاً شرعياً وهو الأقوال والأفعال التي بدايتها تكبيرة الإحرام ونهايتها السلام. كما انه ليس من الممكن أن نتصور صلاة الله علي النبي علي انها لها مدلول لغوي وهو الدعاء والاستغفار وليس من الممكن أن نتصور صلاة الله علي النبي علي انها بمعني الرحمة. إذ ان هذا التصور لا يعطي النبي ميزة علي سائر الخلائق فالله عز وجل قد قال للمؤمنين: "هو الذي يصلي عليكم" فيبقي أن يكون التصور المحتمل والوحيد أن يكون الله صلي علي النبي بمعني: انه قد بني له شخصيته بنمط متميز من العظمة وعلو القدر بحيث يصلح ان يكون قدوة يقتدي به الأفراد فيغيرون من أحوالهم وتقتدي به الجماعة فترتقي بالسلوك إلي أحسن ما تريد. لقد أنعم الله علي النبي بذلك وأمر ملائكته أن يرعوا له حاله ففعلوا وما يزالون يفعلون "إن الله وملائكته يصلون علي النبي" والإمام الآلوسي وغيره من المفسرين يلتفتون إلي هذا المعني حيث قال الآلوسي في روح المعاني ضمن كلام طويل: واختلفوا في معني الصلاة من الله تعالي وملائكته عليهم السلام علي نبيه صلي الله عليه وسلم علي أقوال فقيل: هي منه عز وجل ثناؤه عليه عند ملائكته وتعظيمه وروراه البخاري عن أبي العالية وغيره عن الربيع بن أنس وجري عليه الحليمي في شعب الإيمان وتعظيمه تعالي إياه في الدنيا بإعلاء ذكره واظهار دينه وابقاء العمل بشريعته. الآن وقد فهمنا صلاة الله وسلامه علي النبي فلننتقل إلي الجملة الثانية وهي جملة تكليفية يحمل النص الكريم المؤمنين علي أن يستجيبوا لما فيها من تكليف خاصة وان له بالجملة الأولي صلة في المعني واللفظ: "يا أيها الذين أمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما". فالشيخ شهاب الدين الآلوسي له فهم رائق يشاركه غيره فيه فهو القائل: "يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه" أي عظموا شأنه عاطفين عليه فإنكم أولي بذلك وظاهر سوق الآية انه الايجاب اقتدائنا به تعالي فيناسب اتحاد المعني مع اتحاد اللفظ. ويرتبط تسليم الأمة علي النبي بالصلاة عليه كي يضيف التسليم إلي ما ذكرناه زيادة في المعني المراد أن ترسخه الآية في صدورنا فقد يكون المراد من التسليم: السلامة من النقائص والآفات المعنوية والحسية.. وقد يكون المراد من التسليم الاشارة إلي اسم الله - السلام - وفيه الاخبار بأن السلام مداوم علي الحفاظ لعيه وتعلية شأنك وقد يكون المراد من التسليم: الانقياد إليك والسير علي طريقتك واتباع منهجك وسنتك وفي جميع الأحوال فإن المسلمين مطالبون بالصلاة والسلام علي النبي علي هذه الطريقة العملية لتأتي الآية منسجمة أولها مع آخرها ولتأتي الآية منسجمة في سياقها مع سباقها ولحاقها. الآن وقد وصلنا إلي هذه المرحلة التي تمكننا من ان ننظر في حال الأمة لنجد فيها هذا العجاب العاجب حيث وجدنا الأمة خاصتها ودهماءها لا يفهمون من الصلاة والسلام علي النبي إلا مجرد هذه الكلمات تتردد علي الألسنة وتعد علي المسبحة أو الأصابع وهذا أمر فقد الأمة خاصية من أهم خواصها العملية فوظيفة الصلاة والسلام علي النبي أن تقال علي الألسنة لفظا وأن يعي الفؤاد معناها. ومعناها في الحقيقة هو أن تكون شخصية النبي هي محور كل تغيير إلي الأحسن دائما لتحقق بيننا وبينه معني القدوة ولما كانت شخصية النبي علي هذا المستوي من العظمة وهذا القدر من الاستقامة صلحت لأن تكون أساسا تتمحور الأمة حوله في كل وقت. أما أن تنتكس الأمة فلا تلتفت الأمة إلا إلي اللفظ وحده فإن هذه الانتكاسة تجعلها تفقد أهم ما تميزت به وهو علو القامة علي ميزان التقدير حين ننظر إلي حركات الأمم في ساحات التغيير. كنت قد أردت من أول الأمر أن ألفت النظر إلي حقيقة الصلاة والسلام علي سيدنا رسول الله وإلي وظيفتها في المجتمع فوقع في خاطري ان كثيرين لا يستوعبون هذه الحقيقة العملية المرتبطة بأمر الله للمكلفين أن يصلوا ويسلموا علي النبي صلي الله عليه وسلم مع انها حقيقة مرتبطة في القرآن هي من نظائر هذا القول وأشباهه من نحو قوله تعالي: "يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فأثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون" فمن يتأمل في هذه الآية يجد ان فيها فئة معادية تواجه المسلمين وتهدد مصالحهم ومعايشهم بل وحياتهم ووجودهم وأنت تجد الله عز وجل يأمر المسلمين بأن يثبتوا ويأمرهم بأن أن يذكروا الله كثيرا ونحن ماذا نفهم من قوله تعالي: "واذكروا الله كثيرا" انه لا يجوز لنا أن نفهم فقط مجرد أن نردد لفظ الجلالة وأن نعده عدا علي المسبحة وإنما علينا أن نستحضر عظمة الله المتصلة بالألوهية وما تستوجبه من استحقاقه للعبادة والمتصلة بالربوبية وما تستتبعه من اسباغ النعم هذه هي حقيقة الصلاة علي النبي وهذه هي وظيفتها وهي لا يغني عنها هذه المؤتمرات التي وظيفتها الاشادة بالفكر وهذه المقالات التي وظيفها الاشادة بالمفكرين. بقلم:د. طه حبيشي