• الموقع الرسمي للدكتور طه حبيشي

أرشيف : مقالات

خواطر رمضانية " أهل السنة والجماعة.. الحقيقة والادعاء"

صورة افتراضية

أهل السنة والجماعة من المصطلحات التي يتصور البعض خطأ أنها تطلق علي مذهب معين ابتدعته جماعة من الجماعات وادعت انها وحدها تمثل أهل السنة والجماعة والحقيقة أنه لا يعبر عن جماعة وانما يعبر عن سلامة في الاعتقاد والسلوك والخلق وهو ابعد ما يكون عن المذهبية والطائفية أهل السنة والجماعة الحقيقة والادعاء ونحن إذا أردنا أن نفهم حقيقة اللفظ يجب أن نعود إلي عصر المبعث وما قبله. فإذا ما تأملنا فيما قبل عصر المبعث مباشرة وجدنا مجتمعات لارابط بين أفرادها إلا أن تكون العصبية للقبيلة فلما جاء نبينا محمد صلي الله عليه وسلم علمت هذه الجماعة وهي قريبة العهد بالجاهلية أن النظام الذي جاء به رسول الله ليس من وضع البشر. وإنما هو وحي إلهي من كلام الله نفسه المتمثل في القرآن. أو هو وحي بالمعني عبر عنه رسول الله صلي الله عليه وسلم. ومن أراد أن يتعرف علي هذه الجماعات التي تمثل المدلول الحقيقي لأهل السنة والجماعة. فما عليه إلا أن يتمثلها من خلال الإيمان بالوحي الذي نزل علي رسول الله صلي الله عليه وسلم والعمل بمقتضاه. سواء كان وحيا متلواً وهو القرآن أو كان وحيا لا نتعبد بالألفاظ الدالة عليه وهو السنة. وهذا أمر يحملنا علي أن نتحدث عن خواص هذه الجماعة من ناحية. وعن علاقتهم بغيرهم مسلمين وغير المسلمين من ناحية أخري. أما خواص أهل السنة والجماعة علي ما علمت حقيقة مدلولها فأنت تراها تتمثل أول ما تتمثل في مبدأ الأخوة الإسلامية وهو مبدأ خاطب القرآن الكريم جماعة المسلمين وهو يخلع عليهم هذا اللقب المنتزع من هذا المبدأ كما في هذه الآيات وأشباهما: البقرة/ 178 "فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف" الحجرات 10. 12 "إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم" "أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه" آل عمران / 103 "فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا" الحشر/ 10 "ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان". ومهما تعددت هذه الصفات السلوكية فإن جميعها يرتبط بتحقيق العبودية لله. وتسليم الوجه له علي نحو ما قال الله: "تراهم ركعاً سجدا يبتغون فضلاً من الله ورضوانا" هذه هي أخص صفات أهل السنة والجماعة. وهي صفات تبعث علي تقديرهم واحترامهم وخفض الرؤوس بين يدي أعمالهم. ونحن حين نتأمل المتصفين بأهل السنة والجماعة وهم يتعاملون مع الآخرين. سنجدنا أمام خواص مبهرة تدهش العقول وتأخذ بالألباب. ومن أوائل هذه الخواص أنهم يأخذون أنفسهم بالعدل حين يتعاملون مع غيرهم من الناس والعدل لا يكاد يفهم إلا علي خلفية الاستقامة دون غيرها. أما المبدأ الثاني فهو السلم علي نحو ما قال الله في سورة البقرة: "يا أيها الذين آمنو ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين". وهذا المبدأ الذي هو مبدأ السلم له جذوره يضرب بها في الأرض. وله فروعه الممتدة في جهة السماء. ليهيئ البيئة الطبيعية والحيوية والاجتماعية جميعاً لتستقبل مبدأ العدالة وتفعله بغير معوقات. أو مكررات. أو منغصات وقد وضحت سيرة النبي أن تكليف الجماعة بمبدأ السلم يصطنعونه في تعاملهم قد جاء بعبارة لم تسمح لها الشريعة الاسلامية أن يقال: إنها تحتمل مفهوم المخالفة. إذ المخاطب هنا هم المسلمون باعتبارهم طرفاً في كل سلوك أو معاهدة سيسألهم الله عزوجل عن تحقيق العدل منها. وهو لا يتحقق إلا إذا دخلوا مع غيرهم في السلم كافة وردوا علي الشياطين نزغاتهم. والمبدأ الثالث الذي يتعامل المسلمون علي أساس منه في علاقاتهم مع الغير مسلمين أو غير مسلمين هو: سلامة الأداء. والوقوف عند آداب الخطاب فلا يجوز مثلاً أن نجابه الكفار بكفرهم وإن كانوا كفارا. كما لا يجوز أن نرمي بالكفر بريئا. هكذا علمنا القرآن. وهكذا علمتنا السنة. ودونك هذا المثل في الأمة وفي عصر المبعث وله في التاريخ نظائر وأشباه. وهو مثل يتصل بالصحابي الجليل حاطب بن أبي بلتعة وهو رجل قليل الظهير في مكه. وقد علم أن النبي قد عزم علي فتحها. فكتب كتاباً إلي وجهاء مكه يخبرهم بما كان النبي قد عزم عليه. وهو يعلم علم اليقين أن النبي قد أصدر تعليماته إلي سكان المدينة أن يبقي الأمر في طي الكتمان حتي يفاجأ به أهل مكة. فيأخذهم علي غرة حتي لا تقع مصادمات يترتب عليها إراقة الدماء. وعلم النبي بصنيع حاطب. فأرسل في طلب الكتاب فلما استقر بين يديه استدعي حاطبا وعرفه بخطئة وهي جريمة تصنف في زماننا تحت بند الخيانة العظمي. ومارماه النبي بالكفر. ولا حتي بمصانعة الأعداء. وقصاري ما قاله له: ما الذي دفعك إلي ما قمت به يا حاطب؟ فقال له: يا رسول الله لا تعجل علي فو الله ما كفرت منذ أسلمت. وقص عليه خبره ودوافعه. ونزلت الآية الكريمة: "يا أيها الذين آمنو لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء" وهي آية اعتبرها حاطب شهادة تشهد له بحسن السير والسلوك. وفرح بمطلعها فرحاً شديدا. إذ إن رب العباد لم يقتلع من سويداء فؤاده أعز ما يملكه وهو الإيمان إنها خواص وآداب ميزت هذه الجماعة في علاقاتها بالآخرين. وإنها حقيقة أشارت إليها الألفاظ بظواهر وإنها طائفة تظهر في كل مجتمع تعبر عن هيكل الإسلام وصورته. وياليت قومي يعلمون بقلم/د:طه حبيشي