• الموقع الرسمي للدكتور طه حبيشي

أرشيف : مقالات

خواطر رمضانية "العدالة والقضاء .. في الإسلام"

صورة افتراضية

لفظة "العدالة" من الألفاظ التي انتشرت في هذا الزمان. انتشاراً عجيباً. وهي محملة بما ذكرته لك. ولم نجد أحداً من الناس قد التفت إلي هذه المعاني المختلطة. بل والمتناقضة أحياناً. التي حُمِّلت بها هذه الكلمة» ذلك لأن الناس والمتخصصون منهم علي وجه الخصوص قد أصابهم الفتور. وقعد بهم تراجع الإرادة. فأخلدوا إلي الأرض. وأسلموها هممهم. ومددوا أجسامهم علي سطحها لا يخفُّون إلي شيء. ولا يلتفتون إلي مهم. ونحن إذا تأملنا في سُنَّة النبي "£" وما أثر عنه. وله صلة بما نحن فيه. لوجدناه يبين أن البحث عن الحقوق أمر صعب. والحصول علي الحق وتمييزه أمر في غاية الصعوبة. ومن أجل ذلك فقد نبه المسلمين في كل عصر إلي أن المتخاصمين قد يكون أحدهما ألحن بحجته من الآخر. فيُقْطِعه القاضي شيئاً ليس له. وهو أمر يحذر منه رسول الله. ويقول في حزم حاسم: إن الحكم القضائي مسألةى حرفيةى. لا يحل حراماً. ولا يحرم حلالاً. وإنما هو إلحاق ظاهر البيِّنة بموضوعها. إنها ألفاظ إذاً مختلفة. فليس القانون هو العدل. ولا هو الطريق الآمنة الموصلة إليه.. وليس الحق هو العدل. وليس الحكم الصادق في موضوعه. أما العدل والعدالة فقد تضخمت دلالتها علي معناها. وائتلف المعني الذي تدل عليه كلمة العدالة من أخلاط وأمشاج. وأنا سأضع بين يديك معاني ثلاث قد اشتهرت في هذا الزمان اشتهاراً عجيباً. وأصبح لكل منها بريق يخيل إليك أنه يفوق بريق الذهب وهو ليس منه. ولكي تعرف هذه المعاني. وتتضح بين يديك. أحب أن أوقفك علي سؤال. سأله الإمام الغزالي وأجاب عليه.. وهو يدور حول: الميدان الذي تتداول فيه هذه الكلمة. أعني كلمة "العدالة". والإمام الغزالي يري أن كلمة "العدل" أو "العدالة" مجالها هو ميدان الأفعال. وهو أمر ظاهر. وإذا أردت المزيد من كلام الغزالي هنا. فعليك أن تطلع علي ما كتبه في أسماء الله الحسني. متصلاً باسم الله "العدل". والعدالة علي كل حال تطلق ويراد منها واحدة من ثلاثة معاني: ¼ أولها. وأضيقها: هذا المعني الذي نجده في ساحات القضاء. وهو: رجوع كل حق لصاحبه.. وقلنا إن دلالة "العدل" هنا وبهذا المعني. تمثل دائرة ضيقة في مجال شرح معني "العدل" هذا فضلاً عن أن هذه الدلالة عاجزة عن أن تبين ارتباط لفظ "العدالة" بإحقاق الحق. ورد الأشياء إلي أصحابها. فلنترك هذا المعني ونتحدث عن المعني الثاني ل"العدالة". وهذا هو المعني الذي يتحدث عن الجانب الاجتماعي من مدلول كلمة "العدالة" وهو معني تختلف مظاهره من نظام إلي نظام. إنها مظاهر تختلف من النظام الديمقراطي إلي النظام الاشتراكي. لكنها في جميع الأحوال لا ترادف كلمة "المساواة" بل هما مفردتان. مختلفتان في الدلالة غاية الاختلاف. والأساس الذي تعتمد عليه الدلالة الاجتماعية لكلمة "العدالة" هو: "المهارة. والجدارة".. وقد يتجرأ بعضهم ويقول: إن الأساس للعدالة الاجتماعية إنما هو القدرة والاقتدار.. ونحن نريد أن نخفف من غلواء هذا الغلو الذي ذهب إليه القائلون بأن أصل "العدالة الاجتماعية". والذي تدور عليه. هو القدرة والاقتدار. لأن قصاري الذاهبين إلي هذا الرأي سيُلقون بنا إلي أقصي اليسار. أن نعبر عن العدالة في منطق الاشتراكيين» إذ "العدالة" في منطق الاشتراكيين إنما تقوم علي قدرة المسئول عن تطبيق النظام. علي أن يحمل الناس علي التنازل عن بعض حقوقهم الفردية لصالح الجماعة. وهو أمر يخالف غاية المخالفة ما ورد في النظم الديمقراطية التي تحترم الفرد. وتقدس تصرفاته. وما بين النظامين الاشتراكي والديمقراطي في قمتيهما مسافات يتغير فيها مدلول.. العدالة الاجتماعية. شيئاً فشيئاً. ليميل إلي هذا القطب أو ذلك. ومع ذلك كله فإن "العدالة الاجتماعية" في هذا الزمان. شعار ينادي به كل نظام علي اختلاف الأنظمة. وعلي تباين توجه كل نظام. إلي هنا نكون قد تحدثنا بسرعة ألجأتنا إلي الإيجاز حول معنيين من معاني "العدل" فلننقلك إلي الحديث عن المعني الثالث من معاني "العدالة". والمعني الثالث من معاني "العدالة" هو هذا المعني الذي يدور علي محور النظرة فيه لا يدفع إليها إيصال الحقوق إلي أصحابها. ولا يدفع إليها شيء من الجدارة أو شيء من المهارة. وإنما الأساس هذه المرة إنما هو قائم علي "حق الإنسان في الحياة" مهما كانت مهارته. ومهما كانت جدارته. وأنت تري هذا المعني تحققه الجماعة حين تضع الحد الأدني للأجور. مبدأ تأخذ به نفسها أمام أفراد الجماعة. فكل فرد من الأفراد قد رسمت له الإنسانية حقوقاً. منها: حق المعيشة أو حق الحياة. وعلي أساس منه يجب علي صُناع القرار أن يفرضوا له في ميزانية الدولة ما يكفيه لكي يعيش. ثم بعد ذلك تطرأ الزيادة شيئاً فشيئاً. علي ما فُرض له. وأنت تستطيع أن تنظر في الأفراد. وفي النظام الذي يرعاهم. تجد أن الأفراد يحتاجون إلي سكن أو مأوي. وهو سكن متوفر وموجود عند ذوي اليسار. حيئذي تجد "العدالة" بمفهومها الثالث قد فرضت علي أهل اليسار أن يتيحوا الفرصة من خلال ممتلكاتهم. لأولئك الذين لا يجدون المأوي أن يسكنوا. وأن يأووا في هذه المساكن في مُلك غيرهم. رضي هذا الغير أو أبي. وأنت تري هذا المعني الثالث من أنواع دلالة كلمة "العدالة" علي معانيها يتناقض تناقضاً صريحاً مع المعني الأول. هذه هي المعاني الثلاثة التي تدل عليها كلمة "العدالة". وأنت تراها في المعني الأول منها تسير علي غير هدي. وترمي في هدف مظنون غير متيقن. كأنه رميى في عماية. أو كأنه رميى بيد رامي قد عصبت منه العينان. أما المعني الثاني والثالث. فلئن كانت "العدالة" فيهما. وهي تدل علي معناها. قد سارت في طريقها مفتوحة العينين. إلا أنها في حالتيها لا تخلو من التضارب عند التطبيق كما نراه في المعني الثاني. وهي لا تخلو من التناقض مع المعني الأول كما نراه في القسم الثالث. هذه معاني نظرية ذكرناها بين يديك لتكون دليلاً لك. وأنت تحاول أن تستخلص حقوقك من أيدي تري أنها قد بطشت بهذه الحقوق وأهملتها. أو رمت بها بعيداً. إني أريد أن أحملك حملاً علي ألا تستهلك طاقتك في أن تردد شعارات قد اختلط بعضها» لأن كل ما أرجوه لك هو أن تحدد الهدف. وأن تسدد الرمية. وأن تستدفئ بالحق يأخذ بيدك إلي حيث يريد الله لك من الطرق أن تسلكه رفعة لوطنك. وإكراماً لمواطنيك. بقلم: د. طه حبيشي