• الموقع الرسمي للدكتور طه حبيشي

أرشيف : مقالات

خواطر رمضانية " الدين النقدي.. والدين التبريري في أرض الجزيرة"

صورة افتراضية

في عصور الظلام إذا أردنا الإيجاز الموجز مصادرة للحريات الأربع. التي هي: الحرية الاقتصادية. والحرية السياسية. والحرية الفكرية. والحرية السلوكية. وهذا النوع من التحكم في هذه الحريات يمثل ظلماً ثقيلاً تنوء بحمله كواهل الأفراد والجماعات ولاشك أن الظلم لا يمكن رفعه عن الكواهل إلا إذا توفرت لرفع الظلم دواعيه. ودواعي رفع الظلم تتمثل أولا في الإحساس به. ولم يكن الإحساس به كافيا في وقت من الأوقات لرفعه إذا كان وحده. وثانياً: لابد من الإحساس بالظلم أن تتحرك الرغبة عند الافراد لرفع هذا الظلم والتخلص منه. وليست الرغبة في التخلص من الظلم بكافية وحدها ولا بانضمامها إلي الشعور بالظلم لرفعه. وثالثاً: لابد للمظلوم أن يمتلك القوة المكافئة لما في أيدي الظالمين حتي يرد الظلم عن نفسه. وإلا صارت مقاومة الظلم انتحاراً. والظالمون في عصور الظلام يدركون أنهم ظالمون. وأن للظلم يوماً لابد أن ينقضي فيه. كما أن لظلمة الليل وقتاً تتبدد فيه إذا ما انفجر الفجر ولمع نوره. ومن أجل ذلك كان لابد للظالمين في عصور الظلام أن يبحثوا لهم عن مخرج. وكان المخرج الذي عثروا عليه هو ما نسميه الآن باسم الدين التبريري والدين التبريري هو هذه العصا السحرية في يد الظالمين. أو هو الأفيون المخدر في يد الآثمين يجابهون به كل مظلوم بإحداث شلل في أعصابه. أو فتور في مراكز إحساسه حتي لا يشعر بالظلم فإن فاتتهم هذه المرحلة أدركوه في المرحلة الثانية. وهي إن أحس بالظلم استلبوا منه الرغبة في تغييره. فإن فاتتهم هذه المرحلة ضربوا حول المظلوم بسور محكم البنيان. بحيث لا يتمكن من تقوية نفسه لمجابهة الظلم الواقع علي كاهله. هذه هي وظيفة الدين التبريري في كل عصر أن يكون عصا في يد كل ظالم مثلما كان في عصور الظلام في أوروبا حين خرجت الكنيسة تبرر للظلم الواقع علي كاهل المظلومين. وكان التبرير في أن مصادرة الحريات الأربع ليست من عمل البشر. وإنما هي من عمل الرب. فهو الذي كلف وأمر. وليس لهذه النخبة من دور إلا أنها تكون مسئولة عن تنفيذ إرادة الرب بحكم أنها النخبة. وأنها هي الطبقة الممتازة الذين هيأهم الرب لهذا الامتياز. هكذا يبرر الدين في عصور الظلام للظلم الواقع علي كاهل كل مظلوم. ولم يكن الشرق بأحسن حالاً من الغرب في هذا المجال. فدولة الفرس وهي القطب الثاني في العالم قبيل بعثة النبي صلي الله عليه وسلم كانت قد أوقعت بشعوبها من المظالم ما يساوي الذي ذكرناه لك في عصور الظلام إن لم يزد عنه. وكان لابد من تدخل الدين التبريري لكي يحمل المظلومين علي الانصراف عن المطالبة بحقوقهم وإصلاح ما فسد من عوامل الاجتماع. ولكن في المجتمع الشرقي وفي الدولة الفارسية علي العموم منظومة مختلفة عن المنظومة الكائئة في الغرب المتمثلة في الكنيسة. إن هنا إله الظلام وإله النور. وفوق الاثنين إله قد حكمهما وسيطر عليهما. والدين التبريري يؤكد للمظلومين أن الحاكم الظالم وبطانته ما هم إلا ظل لله علي الأرض فيما يعرف اصطلاحاً بالنظام الثيوقراطي. وهو في الحقيقية دين تبريري يبرر للظلم ويساعد علي تجرعه دون الإحساس بمرارته. هذه أمور أذكرك بها ليتضح بين يديك الدين التبريري حقيقته ووظيفته. والأثر الكوني الذي ترتب علي هذا الذي رأيناه. وهو أثر من آثار الدين التبريري الذي احتضن الظلم وحرص علي غياب أمرين عظيمين يجمعهما وصف واحد هو الأمن ولقد غاب الأمن الداخلي حين أربك الدين التبريري العقيدة. وقد غاب الأمن الخارجي حين أخل الدين التبريري بالعدالة الاجتماعية. أمران عظيمان جمعهما إطار واحد هو غياب الأمن علي العموم. وكان الأمر في جزيرة العرب يعبر عن الاضطراب في الأمن الداخلي والخارجي علي السواء. وإن كانت قبضة الظلم في جزيرة العرب أقل عنفا. والكون يرفع الأكف إلي رب العالمين كي يرفع الظلم عنه. وحين أراد الله أن يستجيب لضراعة الكون. كان سيدنا محمد هو الجواب. حيث جاء بدينه الجديد. وهو دين نقدي. إن شئت أن تصفه بذلك. وهو دين ثوري. إذا ما طاب لك هذا الوصف ودعني أحدثك عما أريده بالدين النقدي لأدعك بعد ذلك تتأمل هذين الدينين علي أرض الواقع وجها لوجه. إن الدين النقدي هو دين يغذي أتباعه ومعتنقيه برؤية نقدية حيال كل ما يحيط بهم من بيئة مادية أو معنوية. ويكسبهم شعورا بالمسئولية تجاه الوضع القائم يجعلهم يفكرون بتغييره ويسعون لذلك فيما لم يكن مناسبا. ويحرص رعاته علي وحدة أفراده. وتوحيد أهدافهم. وعدم السماح بانتشار السلبيات داخل جماعاتهم وتجمعاتهم. وحين بعث رسول الله صلي الله عليه وسلم. بعث بدين هدفه رفع الوعي بالتوحيد. وهدفه نشر العدالة الاجتماعية. وهدفه بعث الأخلاق من جديد ليحقق مجتمعاً ثابت الأركان. تختفي فيه جميع صور العدوان. وهذا الدين الثوري الجديد قد واجه أديان الشرك في جزيرة العرب. وهي أديان من نوع الدين التبريري الذي يهدهد الرذيلة والفساد. ونجح الدين الجديد. وفي سنوات قليلة اختفي الدين التبريري والمصلحي واستطاع النبي صلي الله عليه وسلم أن يؤسس للدولة ويقضي علي غطرسة القوة. وأن يسيطر علي آثار مبدأ الاقصاء والإبعاد الذي يشق المجتمعات ويشرذمها. وفي العالم الحادي عشر للهجرة سلم النبي جزيرة العرب وقد سيطر عليها دينه الثوري. ونظامه النقدي. واستلمه منه أبوبكر الصديق يقود أمة فيها رجال لا يستهويهم النفعية. فبدأ النور يشع من مطلعه ومشرقه علي الدنيا كلها. وفي العصور المتأخرة رأينا الدين النقدي أو الثوري يمثله في كل مجتمع مسلم جماعات تهيأت لها جماعات أخري تمثل توجهات ترعي الفساد باسم الدين. وظهر للجميع أن الدين النقدي أو الثوري قد بدا هزيلاً ضعيفا لضعف من يحملونه. ولمساندة قوي الشر لأولئك النفر الذين يساندون الدين التبريري. وما يظهر أمام الأعيان صحيح. لكن هناك حقيقة أخري لا ينبغي أن نغفلها. فهي منضبطة بقانون سماوي. وهي أن الله عز وجل قد وعد ومن خلال قيود أن يقذف بالحق علي الباطل فيدمغه. وفي التاريخ شواهد تؤكد ذلك ومنها: أنها في قصة الصراع بين الدين النقدي والدين التبريري توجد جولات كثيرة تكون الغلبة فيها لهذا الدين التبريري والقائمين عليه وتساندهم بعض القوي السياسية وتشد من أزرهم هذه الثروات الضخمة المتعددة في الأصناف والأنواع. غير أنه في جميع الأحوال نجد أنصار الدين التبريري وقد انكشفت سوءتهم أمام التاريخ والناس. وبان أن آحادهم ومجموعهم يبيعون دينهم بدنيا غيرهم ويعرف الجميع أنهم دعاة علي أبواب جهنم. بقلم:د. طه حبيشي