• الموقع الرسمي للدكتور طه حبيشي

أرشيف : مقالات

خواطر رمضانية" يثرب....والاعجاز الحضاري"

نحن اليوم نلفت النظر إلي معجزة من هذا النوع من الإعجاز لا ترتبط بالتحليل العقلي والتركيب الفكري ولا تعقد الآمال في ثبوتها علي وجهة نظر تخالفها وجهات نظر أخري. انما هي تعتمد علي مشاهدة الواقع بالعين المجردة حيث انه ليس بعد العين أين. وهذه المعجزة التي نشير اليها هي هذه الحضارة التي استعلنت من المدينة المنورة وعمت الدنيا كلها فابتلعت منها كل حضارة مدعاة. كان مشرق النور من المدينة المنورة بعد أن هاجر إليها من مكة أم القري ووجه اعجاز هذه الحضارة الناشئة لا يظهر لنا بغاية الوضوح إلا إذا نظرنا إليه ورأيناه رأي العين. فإذا ما نظرنا إلي هذه الحضارة الناشئة ورأيناها رأي العين أفصحت عن وجه الاعجاز المرتبط بها. وفي المجال البصري تقع يثرب مشرق نور الحضارة وهي بقعة من الأرض ليست بغريبة علي فؤاد ولا مستعصية علي ادراك عقل. واقتصاد المدينة لا يكاد يغني سكانها. فقصاراه أن يملك الواحد من سكانها عددا قليلا أو كثيرا من النخيل أو أشجار العنب. يضاف إلي ذلك غنيمات وآحاد من الإبل يشربون ألبانها ويأكلون لحومها ويستعملون الإبل بالإضافة إلي ذلك في الأسفار ونقل الأمتعة. هذه هي المدينة بها عادات العرب وهي عادات عجيبة ظاهرها المكرمات وفي باطنها ضلال في السلوك فهم يشعلون الحرب فيما بينهم لأتفه الأسباب. وعلي جانب آخر نجد العربي يعمد إلي أصوله الاقتصادية من إبل أو غنم فيهلكها إكراما لضيف أو إطعاما لغريب انقطع به السبيل.. هكذا جزيرة العرب من حول المدينة. والشيء العجيب ان هذه البداوة لم تحل بين سكان يثرب وبين أن تكون لهم حضارة متفردة ولدت في بيئتهم وأنضجتها عزيمتهم ولم تمض عشر سنوات حتي قررت المدينة المنورة أن تشع علي من حولها وما حولها بإشعاع مضيء ومدمر. انه اشعاع يضييء العقول ويرسخ كل فضيلة في السلوك ويحول الجماعات غير المنضبطة إلي جماعات ترتقي بالأفراد إلي ما يليق بالإنسان من مكانة في هذا الكون. واشعاع المدينة مدمر في نفس الوقت بحيث يقضي علي كل شارد يضر بالمجتمعات أو البيئة ويرسخ لنظام هو إلي الفساد والانحطاط أقرب وأصبح أثر المدينة فيما حولها لا يقبل المراء أو الجدال. وأصبحت المدينة هي النموذج المثالي لكل حضارة بعد أن صارت مطلع النور. صحيح ان يثرب قبل أن تتشرف بمقدم النبي قد ظهرت فيها أديان استمر بعضها إلي أن هاجر إليها رسول الله صلي الله عليه وسلم وهي من بين الأديان التبريرية. إلا ان الله عز وجل لم يشأ لهذه الأديان أن تؤثر في يثرب خاصة عرب الأوس والخزرج فبقيت المدينة علي نقائها إلي أن جاء رسول الله صلي الله عليه وسلم بدينه الثوري أو النقدي ومن أجل هذا تمكنت المدينة من أن يستقبل هذه المعجزة الحضارية وتكون هي مصدر اشعاع فاختص الله مجتمع المدينة بميزته الكبري ليبني نظاما اقتصاديا واجتماعيا وتربويا وينظم العلاقات الفردية والاجتماعية والفئوية والطبقية والعرقية وكذلك العلاقات بين الأقلية والأغلبية علي أساس دين "الله والناس". وكان أول ما تصدي له النبي في المدينة بدينه النقدي والثوري هذه القوة الغاشمة التي كانت تستند إليها قريش وتتعالي به علي الناس خاصة النبي وأتباعه وهذا المبدأ البغيض الذي اعتمدت عليه قريش في مكة واعتمد عليه اليهود في المدينة وهو مبدأ الاستعلاء وادعاء التميز الذي وجده النبي في مكة والذي وجده النبي بعد الهجرة في المدينة وهو مبدأ يترتب عليه اقصاء الطبقة المتخلفة وإبعاد الجماعة التي لا تدين بهذا الدين التبريري سواء كان هذا الدين التبريري قد أصبح له معتنقون علي أرض مكة أو أصبح له أتباع علي أرض المدينة. استضاءت يثرب علي كل حال بهذا الدين النقدي الجديد وأصبحت روح الثورة فيه قادرة علي التغيير والتبديل وما هي إلا هذه الأعوام العشر حتي أصبح كل من في المدينة حشو إيهابهم هذه الحضارة التي نفحت بالخير علي سلوكهم وظهرت آثارها في مهدها وظهرت آثارها في هذه الأوطان التي هاجرت إليها والأمثلة من واقع التاريخ كثيرة ومتعددة. بقلم/د.طه حبيشي