• الموقع الرسمي للدكتور طه حبيشي

أرشيف : مقالات

مسئولية قتل الجنين وكفارته

صورة افتراضية

.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مسئولية قتل الجنين وكفارته[1]

إن من الأشياء التي تميز الإسلام بها عقيدة وشريعة منح الكائن الحي حقوقا ومن أعلاها حق الحياة.

 ولقد ظهرت هذه الميزة أول ما ظهرت على ألسنة الباحثين حين درسوا مقاصد الشريعة فكان من أهم ما ذكروه من مقاصد الشريعة العامة هو أن الشريعة قد جاءت للحفاظ على النفس.

وهذا المقصد من مقاصد الشريعة قد ترآى للباحثين بغاية الوضوح في نصوص الكتاب والسنة.

 ومن أهم نصوص الكتاب ما ذكره الله تعقيبا على قتل أحد ابني آدم لأخيه، حيث قال الله بعد عرض القصة : " من أجل ذلك كتبنا على بنى إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد فى الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك فى الأرض لمسرفون " سورة المائدة : 32  ، وهذا النص يؤكد أن الاعتداء على المبدأ يعرض صاحبه للعقاب الصارم في الدنيا، وغضب الله وعقابه في الدنيا والآخرة، وبالمقابل فإن رعاية المبدأ والحفاظ عليه يجعل الإنسان في رضا من ربه ومحبة من الناس.

والناس في الغرب يتحدثون عن حياة الإنسان حديثا مشوقا، وإن كانت أفعالهم تخالف أقوالهم.

والحياة عندهم تبدأ من البويضة إذا ما خصبت وصارت بالتخصيب خلية، كاملة فلا حياة عندهم للحيوان المنوي أو البويضة إذا انفرد أحدهما عن الآخر.

وهم يجرمون بطريقتهم الاعتداء على البويضة المخصبة (الزيجوت) أو تعريضها للأذى.

أما فقهاء الإسلام فقد قسموا الحياة إلى قسمين طبقا لنصوصهم الشرعية.

وأحد هذين القسمين يقال له حياة الخلية، أو حياة ما قبل نفخ الروح في الجنين.

وثاني هاتين الحياتين هي حياة ما بعد نفخ الروح في الجنين.

ورأي الجمهور: أن الحياة الأولى تستغرق الأشهر الأول والثاني والثالث والرابع.

والجميع متفقون على أن الجنين فيما بعد الأشهر الأربعة يكون إنسانا كاملا له حرمة الإنسان الكامل من كل وجه.

وهنا يتساءل الفقهاء متى يكون الاعتداء على الجنين جناية تحاسب الشريعة عليها؟

وإجابة الفقهاء على هذا التساؤل مرتبطة بنوعي حياة الجنين.

فالكثير من العلماء يرى أن الجنين حياته محترمة قبل نفخ الروح فيه وبعدها على السواء.

غير أن بعض العلماء قد رأى الاعتداء على الجنين لا يكون جناية بحيث يستأهل هذا الوصف إلا إذا نفخت الروح فيه، وعندهم أن نفخ الروح في الجنين لا تكون إلا بعد الأشهر الأربعة الأولى، إذ أن بعد هذه الأشهر يكون الجنين قد استكمل هيأته، وتدارك خلقته، فيأتي الملَك الموكل بالأرحام وينفخ على ما ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وإذا ما تم توصيف الجناية على الجنين، واستكمال أركانها من غير مبرر لوقوعها، وجب في الشريعة الإسلامية معاقبة الجاني، حتى ولو كان الجاني هو الأب أو الأم.

والعقوبة المفروضة في الشريعة هي: وجوب دفع الدية، والدية محددة في الشريعة بأنها غرة، والغرة عبد أو أمة أو ما قيمته كذلك.

وقد ذكر بعض العلماء أن قيمة الغرة أنها نصف عشر دية القتيل من غير الأجنة، فإذا قلنا مثلا: إن دية القتيل مائة ألف دينار، فإن الغرة الواجبة في قتل الجنين تساوي خمسة آلاف دينار.

وهذه الدية تتحملها العاقلة أي عشيرة الجاني، وتسمح الشريعة بتقسيطها على مدار سنة.

وهذه الدية المدفوعة يستحقها ورثة الجنين، وليس للجاني حق الإرث فيه، فإن كانت الأم هي القاتلة أو الأب، أو كلاهما يجب استبعادهما من الإرث فيما يستحقه الجنين من الأموال مقابل الجناية عليه، وكذا لا يرثه الجاني فيما تعلقت ذمته به من أموال أخرى، إذ القتل يمنع التوارث على هذا النحو.

وهنا يأتي سؤال آخر مُفاده: هل يجب على قاتل الجنين الكفارة بعد الدية، - والكفارة عتق رقبة لمن وجدها، أو صيام شهرين متتابعين لمن لم يجدها، أو وجدها وعجز عن ثمنها أم لا؟

والرأي الراجح عندنا: أن الكفارة تجب كذلك على الجاني، ولا يملك أحد إسقاطها عنه، لأنها حق الله قد فرضها على كل جاني يقتل من عاداه إذا كان القتل بغير حق.

و خلاصة القول هنا: أن من اعتدى على الجنين بالقتل وجب عليه دفع ديته، كما يجب عليه مع دفع الدية الكفارة، وإن كان الجاني من ورثة الجنين فهو لا يستحق أن يرثه.

ومن رحمة الشريعة بنا أنها جعلت العائلة أو الأهل يتحملون الدية، تدفع على أقساط لمدة ستة معاونة للجاني، وسمتها الشريعة الإسلامية: العاقلة.لأن الشأن في القرابة أنها تمنع الأفراد إذا طلبوا للثأر أو العقوبة، فإذا كانت القرابة عاقلة أي مانعة، فهي بهذا الوصف تتحمل مع الجاني الدية التي وجبت عليه، لمنعه من مطاردة القانون، ومطاردة أصحاب الحقوق في الدنيا والآخرة.

ولنا أن نقول أخيرا: أيها الناس: إن حق الحياة مقدس في عين الواجب، وهو يحتل الدرجة الأولى في قائمة الحقوق وموقعه من الشريعة الإسلامية موقع اللحمة بين العين والأنف.

ونقول للمعتدي حسبنا الله ونعم الوكيل .

                       

 



[1] - من مطلوبات جريدة المساء أ/ محمد عمر  14 ربيع آخر 1428 ه‍ - ا مايو 2007 م.