• الموقع الرسمي للدكتور طه حبيشي

أرشيف : مقالات

الحكم في إعطاء حق الغير للغير وموقف الإسلام من ذلك

صورة افتراضية

 

.

 

 

 

 

الحكم في إعطاء حق الغير للغير وموقف الإسلام من ذلك[1]

إننا نعيش في هذه الأيام في بحر متلاطم من الفتن كلها يترك الحليم حيرانا ومن أهم هذه الفتن أن يأتي شعب من الشعوب الشأن فيه أنه قد توزعته أقطار وتقاسمته دول، وأخذت كل أمة منه بنصيبها عبر التاريخ إلى مكان من الأرض مزدحم بالسكان، ثم يحاول طرد ساكنيها وإقصائهم عن أرضهم ليستعمرها هو، ويجلب إليها أبناء جنسه ليحدث خللا في النظام السكاني.

وهذا النوع من السلوك إن حدث والناس ينظرون كان مدهشا أشد الدهشة وأقواها.

وأكثر من هذا إثارة للدهشة أن يقوم أقرباء السكان الأصليين بإقناع ذويهم لمغادرة مساكنهم وتمكين العدو من بيوتهم وأراضيهم وممتلكاتهم.

والحزام يجاوز الطيبين حين يقول أقرباء أصحاب الأرض لهم إننا سنفتح لكم بيوتنا ونستضيفكم فيها، وإن أردتم تعويضا دفعنا لكم من أموالنا ما تريدون من عوض.

وقد يظن بعض الناس أننا نعترض هذا الأمر افتراضا، أو أن الخيال قد أخذنا في رحلة من الإغراق في بحوره المتلاطمة، ونحن لا نملك لنا من ذلك فكاكا.

وأنا مع الذين يظنون بنا هذا الظن، فقد يكون الواقع أكثر إغرابا من الخيال.

والقصة الواقعية نحن نعيشها منذ سنة 48 من القرن الماضي حين مُكِّن لليهود من أرض فلسطين فذبحوا بعض ساكنيها ووضعوهم في حفر جماعية، وأجبروا البعض على الفرار، ففروا وسكنوا بعض البلاد العربية ضيوفا عليها.

ومن يومئذ وهم يطالبون بحق العودة إلى بلادهم في المحافل الدولية.

وقد ترامى إلى أسماعنا أن هناك حلولا قريبة لإحداث نوع من الوفاق بين المستعمر الغريب ودول الجوار، يكون بعض بنود هذا الوفاق أن يقوم سكان الأرض الأصليين بالتنازل عن حقهم في المطالبة بالعودة، وأن دول الجوار ستقوم بتوطينهم وتعويضهم دون أن يتكلف المستعمر شيئا من ذلك، لا. ولا قلامة ظفر.

فقلت في نفسي: هل لهذا الشيء المقترح نظير في الإسلام، أو في واقع المسلمين التاريخي، أم أن هذا الأمر مستحدث؟

ولو كان هذا الأمر مستحدثا لم يعرفه الإسلام ولا واقع المسلمين فهل هو من قبيل المصالح المرسلة التي نلجأ إليها حين لا نجد الدليل الشرعي لواقعة من الوقائع؟

إلى غير ذلك من التساؤلات المغلفة بالمرارة، والتي تصيب الحلوق والأفواه بالأذى.

أما الإسلام: فإن شريعته قد جاءت لتحافظ على أمور خمسة: منها الحفاظ على النفس، والحفاظ على العرض، والحفاظ على المال، ولم يأذن الإسلام من خلال شريعته أن يفرِّط مسئولوه في شيء من ذلك بعوض أو بغير عوض، بل إنه قد دفع المسلمين دفعا إلى الحفاظ على هذه الأشياء مهما كانت التكاليف، فمن قتل دون نفسه فهو شهيد، ومن قتل دون عرضه فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد.

وواقع المسلمين يؤكد أنه حين وجود الاستعمار على أرض مسلمة لا يكون إقصاء  أهل الأرض من المسلمين عنها موضوعا للتفاوض، كما لا يجوز إكراه النصوص الإسلامية أو توظيفها لخدمة هذا الإقصاء.

صحيح هناك في الإسلام نصوص من نحو قوله تعالى: (وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)

 [الأنفال:61] ومثل هذا النص لا يحمل المسلمين على تسليم أرضهم مقابل هذا السلام المزعوم، ففي حالات التفاوض المشروعة يكون السلام مقابل السلام، أما أن يكون السلام مقابل الأرض أو العرض فهذا أمر فيما يبدو لي لا يعرفه الإسلام، ولا يعرفه واقعه المسلمين.

وإذا كان الأمر على ما نقول: فإنا نرفع الأكف إلى الله أولا نسأله أن يبرم لهذه الأمة إبرام رشد، وأن يحفظ ثوابت الأمة من أن تكون محلا للتفاوض بين أصحاب الأرض الأصليين وبين الغزاة المستعمرين.

ثم إننا لا نستطيع أن نصنف هذا النوع من إنفاق المال الذي يدفع باسم تعويض سكان الأرض الأصليين مقابل أن يوقعوا على إسقاط حقوقهم في المطالبة بالعودة إلى ديارهم.


 



[1] - من مطلوبات جريدة تشرين السورية

ا/ أسامة عبد الحق

26 ربيع ثاني 1428ه‍ - 13 مايو 2007م