• الموقع الرسمي للدكتور طه حبيشي

أرشيف : مقالات

إن هذه أمتكم أمة واحدة

صورة افتراضية

.

 

 

 

 

 

 

أ0د/ طه حبيشي

إن هذه أمتكم أمة واحدة (1)

ـ

          أتى شهر رمضان في هذا العام ليشهد ما يراد بهذه الأمة من التشرذم والتشويه على الفكر وتعكير صفو أفئدة الجماعات والأفراد .

          ومن يقرأ التاريخ لا يرى هذا العام فريد نوعه، بل يراه مشابها للأعوام الأخرى التي مضت في التاريخ تضرب فيه إلى آماد وأبعاد.

          ولقد أريد لهذه الأمة في هذا العام والذي قبله أن يكون لها انتماءات متعددة، وأن يعمل أفرادها تحت لافتات شتى، بعضها قد نجد له مقابل، والبعض الآخر لا نعرف مقابله، فهذا أشعري وذاك معتزلي، وهذا شيعي وذاك سني، وهذا خارجي لا نعرف له مقابل إلا أن تكون الأمة بأسرها وبجميع طوائفها . . . . أنواع وأنواع ولافتات بعدها لافتات.

          والذي ينظر إلى هذه الأمة يجدها من دون العالمين قد ضلت هدفها المنشود، أو أُريد لها أن تضل هدفها المنشود في مجتمع عالمي يحاول أن يتكتل ويتجمع، ويحاول أن يتشرنق بعضه حول بعض في نسيج واحد تتضح فيه اللُحمة والسُدى ، ويتعاون فيه لحمته وسُداه .

          وهذا التجمع العالمي حول الهدف الواحد هدف لم يَعدْ له بديل، ولم يعد عنه مناص لكل أمة تريد أن تحتل مكاناً في هذا المجتمع الفسيح.

          وهذا الهدف نفسه هو الذي وضعه القرآن لأمة الإسلام منذ أوائل عصر المبعث، فربنا هو القائل: { إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون }.

          ومع وضوح هذا الهدف القرآني الذي أمر الله عز وجل به لكي تلتزم به الأمة في مظهريه وحدة اجتماعية من جهة، وتوحيد ديني لرب يستحق العبادة من جهة أخرى، نجد الأمة الإسلامية لا تحرص على شئ قدر حرصها على هذا التشرذم البغيض، ولا يتوزعها شئ قدر ما يتوزعها هذا الفصام النكد.

          ونحن نتساءل: لماذا هذا التوجه نحو الهاوية؟ ولماذا هذا الوقوف على شفا جرف هارٍ لا يتماسك في نفسه، ولا يحفظ توازن من يقف عليه؟

          والذي يتأمل في كل ذلك الوضع، لا يجد إلا مجموعة من المقومات التي تبعث على الوحدة، وتقيم بين العالمين أمة مرهوبة الجانب، قوية البنيان.

          وعلينا أن نتأمل في هذا كله بمنهج قرآني موضوعي، يحفظ عليه الخُلق الديني هيبته، ويحيطه التاريخ بصادق مظلته ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حي عن بينة.

          ومع إشراقة غد جديد لنا لقاء.

* * *


أ0د/ طه حبيشي

إن هذه أمتكم أمة واحدة (2)

ـ

          يتلفت الفرد العادي حوله فيجد على الساحة المسلمة جماعة من الجماعات تسمى نفسها أو يسميها الناس بالسنة .

          ويسأل الفرد العادي نفسه ما المقابل الحقيقي لجماعة السنة؟ فيجد بعض الإجابات الهزيلة التي لا تقنعه فيضرب عنها صفحًا، لأنها لا تدل إلا على شئ لا يجد له في ذهنه معنىً ماثلاً يلتف حوله، ولكنه يجد صوتًا عالياً تقرع الطبول يقول له: إن المقابل الحقيقي لمجتمع السنة هو المجتمع الشيعي.

          والمتأمل العادي من الناس يدرك بأوليات النظر معنى التقابل، ويحصره في أمرين: تقابل حاد : أفراده لا يلتقيان وأقسامه لا يجتمعان، ولا تخلو عن أحدهما ساحة من الساحات، وتقابل نسبي : يسمح للأفراد أن تلتقي في بعض النقاط ويكون بينها الخلاف في بعض النقاط الأخرى.

          والرجل العادي حتى بعد هذا الصوت العالي لا تكاد الأمور تتضح أمامه، إذ من حقه أن يتساءل كثيرًا عن طبيعة التقابل بين الشيعة والسنة إن كان بين الشيعة والسنة تقابل.

          أما أنا فأقول للرجل العادي ولغير العادي إنك لن تستطيع أن تفهم هذه الطبيعة التي تبحث عنها إلا إذا سرت في أحد طريقين على كل واحد منهما داعٍ يدعوك إليه، وأنت معك عقلك، وعليك أن تميز بين طبيعة هذين النداءين وبين الصارخين بهما.

          أما الطريق الأول: فعليه داعٍ يدعو إلى جهنم في الآخرة، والضلال في الدنيا.

          وأما الثاني فعليه داعٍ يقول: هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعَنِ.

          ولقد وجدت على الطريق الأول من يذكر تبريرات آثمة إلى موضوع في غاية الوضوح.

          فأنت إذا سألت ذلك الداعي إلى جهنم عن طبيعة التقابل بين أهل السنة والشيعة، أجابك بأن التقابل بينهما هو التقابل بين النقيضين وما ذاك إلا لأن الشيعة صَنْيعة اليهود، قد ولِدت في حجرها، وهُدهدت بين ذراعي اليهودية السياسية التي لا تُكِنْ لأحد خيرا.

          وهذا المنادي على هذا الطريق إنما يتحدث بلسان فيه لَكْنَه لأنه من المستشرقين أصحاب الأهداف المعروفة.

          وما كان لنا بوصفنا مسلمين أن نستجيب لمثل هذا الداعي، وما كان لنا أن نصغى لصوته.

          وعلينا إذًا أن ننصرف إلى الطريق الثاني لنجد عليه هذا الصوت الصداح الذي يصدح بقوله: هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنِ .

          وهذا الصادح بهذا الصوت الرخيم يقول: هل تريدون أن تفهموا على وجه اليقين تلك الطبيعة التي تمثل التقابل بين أهل السنة والشيعة ؟

          إن كنتم تريدون ذلك فنحن معكم على موعد.

          فمع إشراقة غد جديد لنا لقاء.

* * *


أ0د/ طه حبيشي

إن هذه أمتكم أمة واحدة ( 3 )

ـ

          إن كل مسلم من المسلمين تداعب أذنه ألفاظ السنة والشيعة، لابد أن يتصور أمورًا معينة ومبادئ وخواص قد استقرت عنده في الشعور بعضها في بؤرته، وبعضها على المحيط في هامشه .

          وقد لا يستريح لما يجده في البؤرة، وقد لا يستريح لما يجده في هامش الشعور، وتظل الأمور أمامه غامضة مختلطة يريد أن يعرف عنها شيئًا يجعله يستقر على قرار ويقف على أرض ثابتة.

          وأول ما يريد أن يعرفه من ذلك هي الطبيعة الخاصة لكل من الشعبين، الشعب الذي يعمل تحت لافتة الشيعة، والجماعة التي تعمل تحت لافتة السنة.

          وأنا أقول لمن يريد ذلك: إنك لن تستطيع أن تقف على هذه الطبيعة أو تلك دون أن تحسم أمرين: أحدهما : طبيعة النظام العمراني لكل من الفريقين وما يحكم كلاً منهما من عوائد وأدبيات، وثانيهما: تصنيف أحدث الفريقين بعد تكوين الفرقة الأولى وفرض وجودها على الساحة.

          وسأبدؤك بالموضوع الأول من هذين الموضوعين فأحدثك حديثًا  مقتضبًا، أرجو أن لا يكون فيه إخلال بالمعنى المقصود.

          وهذا الموضوع الأول الذي أقصد إليه: هو الطبيعة العمرانية بما لها من عوائد وأدبيات والتي تحكم كلاً من هاتين الطائفتين، وسيكون الحديث معك على القمة بحيث يتناول بالدرجة الأولى ما يشبه أن يكون المعقل الرئيسي لكل من الطائفتين.

          وأنت خبير ولا شك أن المعقل الرئيسي للشيعة الإمامية هو بلاد فارس، وأن المعقل الرئيسي للمجتمع السني (على نحو ما يتصوره الشيعة) هو جزيرة العرب.

          وأنت إذا تأملت طبيعة العمران في كل من هذين المعقلين، وجدت أن مجتمع شبه جزيرة العرب لا يضفي شيئًا من التقديس على نظرية الإمامة، ولا يعتقد في شئ من العصمة إلا للنبي وحده، والعالِم عندهم لا يحترم بالوراثة، وإنما بقدر ما يحرزه من العلم. . . إلى غير ذلك من هذه الطباع وتلك العوائد.

          أما المجتمع الفارسي منذ أقدم السنين فلقد كان على النقيض من ذلك كله، فرياسة الدولة قائمة على مبادئ لها صلة بالعقيدة، والحاكم في القديم عند الفارسيين لا تقوم العلاقة بينه وبين شعبه على أساس من العقد الاجتماعي أو التقدير الفكري والسياسي،وإنما يزيد تقديره ويرتفع فوق هذا المستوى لتحيط به درجة من القداسة ترفعه عن أقرانه في المجتمعات الأخرى درجات.

          ودخل المجتمعان في الإسلام من غير أن يخلع واحد منهما رأسه من فوق كتفيه، وإنما بقيت هذه الطباع تبحث لها عن ظلال.

          وكل مجتمع كيّف طباعه بما يناسب مظلة الإسلام التي تظله.

          هذا هو الحديث عن القضية الأولى فماذا عسى أن يكون الحديث عن القضية الثانية ؟

          ومع إشراقة غد جديد لنا لقاء.

* * *


أ0د/ طه جبيشي

إن هذه أمتكم أمة واحدة ( 4 )

ـ

          لقد تحدثنا فيما مضى حديثا مقتضبًا عن الطبيعة العمرانية والعوائد الاجتماعية لتلك البيئة التي تعتبر اليوم هي المعقل الأسمى للشيعة.

          وكان لابد أن نتحدث عن هذه العوائد ونحن نقترب رويدًا رويدًا من دلالة مفهومي الشيعة والسنة ونشأة هذين المصطلحين.

          ومع ضرورة الحديث عن طبيعة العمران في كل من البيئتين فإن هذه الضرورة وتلبية احتياجاتها لا تكفينا فيما نحن بصدده، وإنما لابد معها أن نتحدث عن الشيعة حديثًا يصنفها تصنيفًا واضحًا .

          وأنت إذا أردت أن تصنف الشيعة بوصفه مصطلحًا له دلالته، فإنك تحار حيرة عجيبة بين أن تعتبر مدلول كلمة الشيعة معنىً قائماً ليدل على مبادئ ونظام فرقة من الفرق الدينية، وأن تعتبر مدلول كلمة الشيعة معنىً قائماً ليدل على مبادئ ونظام وبرنامج حزب سياسي.

          والفرق بين الحزب السياسي والفرقة الدينية فرق شاسع، ربما يماثل المعنيين المتقابلين، وربما يماثل معنيين أحدهما أخص، والآخر أعم.

          وعلى كل حال فإنه ليس بين هذين المعنيين ترادف يسمح لنا أن نقول: إن الحزب الساسي هو نفسه الفرقة الدينية.

          وإذا كانت بعض المؤسسات الدينية المتحمسة لهذا المصطلح أو المتحفظة عليه تصنف الشيعة على أنها فرقة دينية، وتُدَرِّسها في مؤسساتها على أنها كذلك، فإن هذا التصنيف لا يقطع الخلاف، وإنما يبقى المرء من حقه أن يتساءل عن مدلول هذا المصطلح، هل يدل على فرقة دينية أم يدل على حزب سياسي ؟

          أما أنا فلا أرى إلا أن يكون هذا المصطلح دالاً على حزب سياسي، خاصة في أول نشأته، تمامًا كما كانت كلمة الخوارج في أول نشأتها لها دلالة صريحة على مشروع الحزب السياسي، وعلى أناس يتحمسون لهذا المشروع.

          لقد كانت كلمة الشيعة إذًا في أول نشأتها على الأقل دالة على حزب سياسي حديثة بالدرجة الأولى عن الإمامة والإمام، وتحمسه بالدرجة الأولى لرياسة الدولة وكيفية الوصول إليها.

          ويشهد لذلك كله نشأة هذا المصطلح وطبيعة هذه النشأة.

          فأنت إذا قرأت في كتب التاريخ حتى التي كتبها مؤرخون من الشيعة، لا يفوتك أن تجد أن استعمال كلمة الشيعة إلى عصور متأخرة إنما كانت تعني الجماعة التي تشايع رئيس الدولة وتقف إلى جواره، سواء كان رئيس الدولة له صفة قانونية واعتبار تشريعي أو لم يكن كذلك.

          ومن هنا تجد عليّاً وأتباعه يستعملون كلمة الشيعة كما تجد معاوية ومريديه كانوا يستعملونها.

          والأمر يزداد أمامَك وضوحًا إذا تأملت كلمة الشيعة حين أُستعملت في أول عصر المبعث استعمالا لغويا فجًا، وحين أُستعملت فيما بعد مصطلحًا لفئة من الناس لهم مبادؤهم وأفكارهم واتجاهاتهم.

          ومع إشراقة غد جديد لنا لقاء.

* * *


أ0د/ طه حبيشي

إن هذه أمتكم أمة واحدة ( 5 )

ـ

          قال لي صاحبي: إنك فيما أسلفت من أحاديث قد ظهر من بين ثنايا كلامك، ومن بين السطور التي سُطر بها هذا الكلام أنك ميال إلى أن مصطلح الشيعة قد ظهر ظهورًا متأخرًا على ساحة المجتمع الإسلامي.

          ولم يكن المصطلح قد ظهر وحده ـ باعتباره لفظًا ـ ظهورًا متأخرًا على هذا النحو، وإنما يبدو لي ( وما زال الكلام لصاحبي ) أنك تعتقد اعتقادًا جازمًا بأن مفهوم المصطلح هو الآخر قد ظهر متأخرًا ومواكبًا لتأخر المصطلح نفسه .

          فهل ما فهمته عنك صحيح ؟

          قلت لصاحبي: إن ما فهمته عني صحيح بل وفي غاية الكمال من الصحة، ذلك لأني قائل مع القائلين بتأخر ظهور مصطلح الشيعة باعتباره لفظًا، وبتأخر المعنى الذي يدل عليه هذا اللفظ .

          ومع أن هناك كثيرون من الذين ذهبوا إلى ما ذهبت إليه، إلا أن كبار علماء الشيعة الذين نقدرهم ونحترم فكرهم من نحو السيد محمد باقر الصدر ربما لا يوافقوننا في كل ما ذهبنا إليه .

          والرجل لأنه واقعي الفكرة لم يشأ أن يُسلِّم بما ادعاه غيره من أن مصطلح (الشيعة) قد ظهر مع ظهور الإسلام.

          وأقول : إن الرجل لم يشأ أن يوافق على دعوى مواكبة مصطلح الشيعة لأوائل عصر المبعث، لأن الواقع التاريخي لا يؤيد هذا الادعاء لا – ولا في عشر معشاره، إذ لم يعرف المسلمون في العصر الأول للإسلام الذي يشمل عصر المبعث وعصر الراشدين مصطلح الشيعة باعتبار هذه الدلالة الاصطلاحية التي نعرفها اليوم.

          والدلالة الاصطلاحية شئ والدلالة اللغوية شئ آخر.

          وإذا كنا ننفي معرفة المسلمين الأوائل بهذا المدلول الاصطلاحي لكلمة (الشيعة) فإن ذلك لا يعني بأي وجه من الوجوه أننا ننفي معرفة المسلمين بالدلالة اللغوية لهذا اللفظ، لأن مثل هذا الادعاء بأن المسلمين الأوائل، أو حتى العرب من سكان الجزيرة قبل المبعث كانوا يجهلون الدلالة اللغوية لكلمة (الشيعة) يعد مجازفة علمية يعرّض بها صاحب هذا الادعاء مكانته المعرفية للقيل والقال.

          فالوضع اللغوي قد وضع كلمة الشيعة بإزاء معنىً مفهوم وهو أتباع الرجل وناصروه وعشيرته، وأخص منها كلمة (شاعة) وهم يعرفونها كذلك، ويعرفون أن لها مدلولاً بعينه له خصوصيته، حيث وردت كلمة (شاعة) بمعنى الزوجة في الأثر المنسوب في التاريخ للعباس عم النبي صلى الله عليه وسلم وابن عبد المطلب، حيث قال: نقلاً عن أبيه أنه عندما كان بأرض اليمن في وقت مبكر من عمره قابله أحد اليهود وسأله قائلاً : أتسمح لي أن أنظر في بعضك وسمح له عبد المطلب فلما علم اليهودي أنه من بني هاشم سأله: ألك شاعة ؟ ( ويعني زوجة) قال: لا، قال: إن عدت فتزوج من بني زهرة . . . إلى آخر هذا الأثر.

          من هنا نعلم أن استعمال كلمة (شيعة) كان موجودًا منذ عصر المبعث وقبله بمدلوله اللغوي، وهو لم يكن له من وجود لا في عصر المبعث ولا في عصر الراشدين بمدلوله الاصطلاحي.

          وهذا ما وافق عليه المفكر الشيعي السيد محمد باقر الصدر، ومع ذلك فله تحفظ على ما بعد هذه الخطوة .

          ومع إشراقة غد جديد لنا لقاء .

* * *


أ0د/ طه حبيشي

إن هذه أمتكم أمة واحدة ( 6 )

ـ

          إن لنا أن نتابع الحديث في هذه المرة مع المفكر الشيعي العظيم السيد محمد باقر الصدر.

          وأنت خبير يا صاحبي بأن السيد محمد لم يكن ليوافق على أن مصطلح (شيعة) بمدلوله الاصطلاحي كان موجودًا منذ عصر المبعث.

          ولكن الرجل في نفس الوقت لم يوافق على أن ظهور الروابط الشيعية قد ظهرت ظهورًا متأخرًا يواكب ظهور المصطلح.

          والرجل معذور فيما ذهب إليه لأننا لو سلمنا (معاشر الشيعة) بتأخر ظهور المبادئ والروابط الشيعية لكنا بهذا التسليم نفسه قد رفعنا جانبا مهما من القداسة التي يفقدها مصطلح (شيعة) ومدلوله لتأخرهما عن عصر المبعث، وهي قداسة لا يمكن لشيعي أن يفرط فيها وهو باقِ على الشيعة.

          وتبقى هذه المعضلة باقية أمام المفكر العظيم وهي متمثلة في تأخر المصطلح في الظهور التاريخي على نحو ما تفرضه قواعد العلم، والرغبة في تحصيل شئ من القداسة غير يسير يجب إضفائه على هذا المفهوم الذي يدل عليه المصطلح.

          ولم يكن أمام المفكر الكبير إلا أن يرتب القضية على هذا النحو الذي يتكون من خطوتين:

          الأولى: تأخر المصطلح تاريخيا على مقتضى العلم تأخرًا حتميا لا يقبل لجاجة حوله أيا كان مستوى هذه اللجاجة.

          والثانية: تقدم مفهوم هذا المصطلح على اللفظ الدال عليه تقدمًا يَعْمُق في التاريخ إلى أن يشمل عصر المبعث.

          ودلل المفكر الكبير على رأيه بدليلين : عقلي، وتاريخي.

          أما العقلي: فقد ذكر فيه الشيخ قاعدة تقول: إن المصطلح لفظ دال على معناه، وإن اللفظ متأخر في الظهور عن المعنى حتمًا.

          وهذه القاعدة التي ذكرها الشيخ قد بنى عليها كل حديثه الذي يحاول من خلاله أن يحل به المعضلة السالفة الذكر.

          وأما النقلي التاريخي: فهو أن الشيخ قد استند إلى بعض الروايات التي تذكر (فيما يرى) أن عليِّا كان له أتباع يشايعونه، وأنه مع أتباعه كانوا على مبادئ الشيعة التي نعرفها الآن.

          وأنا لا أتعجب من شئ إلى حد الانفعال الذي يبعدني عن قراءة الواقع، أو الذي يبعدني عن ترتيب الأفكار في العقليات.

          أما الشيخ فقد انطلق حيث انطلق من هاتين القاعدتين يعالج معضلته التي صورناها سلفًا باذلاً كل الجهد والإخلاص في أدائه لهذه المعالجة، مستعملاً كل خبرته (وهي خبرة معهودة) في سبيل الوصول إلى هدفه.

          تُرى هل هناك من تعقيب ؟

          ومع إشراقة غد جديد لنا لقاء .

* * *


أ0د/ طه حبيشي

إن هذه أمتكم أمة واحدة ( 7 )

ـ

          لقد كان للمسلمين الأوائل شعار معروف يمثل قاعدة منطلقهم العلمي وهذا الشعار هو: (إن كنت ناقلاً فالصحة وإن كنت مدعيًا فالدليل).

          ولما كان هذا الشعار عامًا في جميع أماكن تواجد المسلمين مما يدل على أنهم مجمعون عليه، صح أن نتخذه نحن الآن أساسًا لنا ونحن نفهم عن المفكر الشيعي الكبير ما يريد قوله لحل المعضلة الكبرى الناجمة من تغير مصطلح (شيعة) ، والرغبة في إضفاء القداسة على نوع معين من التصور الذي يُفهم من هذا المصطلح المتأخر .

          والشيخ لم يرَ حلاً لهذه المعضلة إلا في دعوى أن مفهوم مصطلح (شيعة) قد ظهر في عصر المبعث وإن كان اللفظ الدال عليه قد تأخر عنه.

          وهذه الدعوى تحتاج إلى إعادة نظر، لأن ما قاله الإمام الشيعي يصدق بغاية الدقة على الوضع اللغوي، فالواضع اللغوي يعمد إلى معنىً أو شئ موجودين بالفعل فيختار لهذا المعنى أو ذلك الشئ الاسم الدال عليه، ويظل يلح على الأذهان بالاسم والمسمى جميعًا حتى تربط الأذهان بينهما على طريقة الارتباط الشرطي الذي استوعبه "بافلف".

          ومن المصادفات التي تثلج الصدر أن هذا الربط الذي لاحظناه الآن في عملية الوضع اللغوي، وما يستلزمه من تقدم المعنى على اللفظ، قد لاحظه السيد محمد في بعض حلقاته العلمية المكتوبة حول أصول الفقه.

          والشئ الذي لم يكن ليفوت الشيخ هو أن الربط بين المصطلح ومدلوله لا يخضع لهذا النظام الصارم أو الفج الذي يخضع له الوضع اللغوي.

          فالوضع الاصطلاحي منشأه : أن جماعة من الناس أو واحد من العلماء يريدون أن يتصدوْا إلى بحث علم من العلوم، أو إنشاء جماعة من الجماعات لها مبادئ وسمات خاصة، فيجلس أعضاء هذه الجماعة مع أنفسهم، أو يجلس هذا الفرد العالِم المستقر خلف مكتبه، ويحدد كل واحد منهم هذه الألفاظ التي سيستعملها بمدلولاتها المرادة منها.

          ونحن نوافقهم إن كانوا جماعة، كما نوافق العالِم المنفرد على ما يحدده من ألفاظ، وما يحدده لتلك الألفاظ من معانٍ، لا لشئ إلا لأنه لا مشاحة ولا منازعة في الاصطلاح، ولكن بشرط واحد هو أن تلتزم الجماعة باستعمال اللفظ المصطلح عليه في المعنى المختار له بطريقة مطردة، وعلى العالم الذي يعمل بمفرده مثل ذلك لا يُستَثْنَى منه شئ.

          وإذا اتضح هذا الأمر على هذا النحو، كان من الممكن أن نقول للشيخ: إن دعوى تَقَدُّم المعنى على المصطلح الموضوع لهذا المعنى يصعب استيعابها فضلاً عن التسليم بها.

          وتبقى المعضلة على نحوها بحيث يصعب على هذا الدليل العقلي أن يحسمها.

          فهل ما يزال في قوس التاريخ منزع أو في صدره متسع لحل هذه المعضلة ؟

          ومع إشراقة غد جديد لنا لقاء.

* * *
أ0د/ طه حبيشي

إن هذه أمتكم أمة واحدة ( 8 )

ـ

          لقد بقى لنا من تطبيق شعار المسلمين المرفوع هنا نصفه القائل: (إذا كنت ناقلاً فالصحة) بعد أن تحدثنا عن نصفه الآخر (إن كنت مدعيًا فالدليل ).

          وأنت خبير ولا شك أن الكثيرين من علماء الشيعة ومنهم الإمام الصدر يحاولون ما وسعتهم المحاولة بل الحيلة أحيانًا أن يثبتوا أن الشيعة تكونت مع مطلع الرسالة وترعرت في أحضانها، ونودي بها منذ نادى الرسول بكلمة التوحيد، وحين صاح الوحي في الرسول { وأنذر عشيرتك الأقربين } ، وأنذرهم، فما استجاب له في قوة وفداء سوى على أولاً ، والعترة الطيبة المؤمنة من آله، ومجموعة من رجال قريش ثانيا، والتف حول على منهم " شيعة على الحكماء العلماء الذُبُل الشفاة الأخيار الذين يعرفون بالرهابنة من أثر العبادة " هؤلاء هم عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان وأبو ذر الغفاري والمقداد بن الأسود وسلمان في المدينة فيما بعد .

          ولو قد صح ما يقول هؤلاء العلماء من الشيعة من ظهور المبادئ الشيعية منذ عصر المبعث لوجدنا رجالاً يلتفتون حول علي ويتخذون منه إمامًا ويكونون هم شيعته.

          ولو قد صح ما يقوله علماء الشيعة لرأينا رجالاً ونساءًا اتخذوا من النبي صلى الله عليه وسلم إمامًا والتفوا حوله وسموا أنفسهم بالسنة.

          ولكننا في واقع الأمر لم نر في هذا العصر إلا إمامًا واحدًا هو النبي صلى الله عليه وسلم يلتف الناس حوله بما فيهم علي، ويدافعون عنه يتمنى كل واحد منهم أن يقع شهيدًا بين يديه وهو يشيع فيهم مبادئ واحدة لها إطار عام يمثله قوله تعالى: {إن الدين عند الله الإسلام }.

          وموقف النبي على هذا النحو إنما يؤكد للناس أجمعين أنه قد جاءهم بإسلام بلا مذاهب، ودين بغير فِرَق، وتوجه واحد لا تتعدد فيه اللافتات.

          ولو قد صح ما يقوله علماء الشيعة لما وجدنا هذا الالتفاف العجيب من طلحة والزبير وعثمان وغيرهم حول علي بن أبي طالب وأهل بيته وهم على قواعد علماء الشيعة ليسوا من شيعته، بل هم قد اختلفوا معه في الرأي والفقه أيام أن صارت الخلافة لعلي بن أبي طالب.

          ولو قد صح ما يقوله علماء الشيعة لما وجدنا عليا بن أبي طالب يسارع بعد أيام من صيرورة الخلافة للصديق فيشهد له ويبايعه.

          ولو قد صح ما يقوله هؤلاء لرأينا الذين عدوهم من شيعة علي في عصر المبعث هم الذين امتنعوا من بيعة الصديق، غير أن الذي حدث كان على خلاف ذلك، حيث امتنع عن بيعة الصديق مثل الزبير بن العوام وهو الذي كان على خلاف مع علي حين صارت الخلافة لعلي.

          ولو قد صح ما يقوله هؤلاء لما بايع على من بعد أبي بكر لعمر وعثمان وكان مستشارهم الثقافي، ومفتيهم الأول في مسائل الفقه وقضايا الشريعة.

 

          ولو قد صح ما يقوله هؤلاء لرأينا عثمان يُقتل بيد الشيعة أحباء علي وأصفيائه، لكن الذي حدث أن وجدنا عليا يكلف أبناءه بالدفاع عن عثمان، وعثمان يقتل بيد أناس لا علاقة لهم بعلي، وما ذكرناه من تحفظات موجود في كتب تاريخ كتابها من الشيعة كاليعقوبي والمسعودي وغير ذلك، وماذا بعد؟ .

          ومع إشراقة غد جديد لنا لقاء .

* * *