• الموقع الرسمي للدكتور طه حبيشي

أرشيف : مقالات

من مطلوبات جريدة المساء : أ./ محمد عمر ، للنشر فى رمضان 1429هـ

صورة افتراضية

.

 

 

 

 

 

من مطلوبات جريدة المساء :  أ./ محمد عمر  ، للنشر فى رمضان 1429هـ

 

تَأَمُّلٌ

    سئل الإمام أحمد بن حنبل عن أحد المحدثين طلب إليه أن يقيمه على ميزان الرجال فى الحديث، فقال الإمام أحمد: أو ليس هو الرجل الذى يهتم بطيب الطعام؟ فقيل له: نعم، فشهد له وزكاه.

    ولقد أخذتنى هذه الكلمة التى وردت فى سؤال الإمام أحمد أخذًا شديدًا، فأخذت أتأملها وأقلبها، أتأملها من حيث هى، وأتأملها من حيث إنها صارت عند الإمام أساسًا لتقييم الرجال، فما طيب الطعام؟

    إن طيب الطعام هو الذى يكتسبه الإنسان من حله، وليس هو المتبادر من اللفظ، حيث قد يفهم البعض أن طيب الطعام هو اللذيذ منه الذى يملأ العيون، ويُرضى الرغبات، والذى يفهمه الناس من طيب الطعام على هذا النحو، لا يصلح معيارًا للتقييم فى أى عصر، أما فهمنا لطيب الطعام على أنه هذا الذى يكتسبه الإنسان من حله، فإنه وحده هو الجدير الذى يصلح معيارًا لتقييم الرجال، ومن المعلوم بداهة أن الطعام ينبت اللحم، وينشز العظم، فإذا كان هذا الطعام من حرام فإن النبى صلى الله عليه وسلم يخبر أن النار أولى به، والطعام الذى يكتسبه الإنسان من حله يخالف تمام المخالفة بعض الأطعمة التى يكتسبها الناس ويظنون أنهم بطريقتهم فى اكتسابها استطاعوا أن يغلبوا الناس على أمرهم، وأن يطوعوا الظروف لخدمتهم، فالإنسان الذى تسير إليه مقادير الناس يمتنعوا عن تأديتها إلا إذا أخذ جُعلاً اتفقوا عليه أو لم يتفقوا، وينسى أنه بذلك يسمى مرتشيًا، والذى يقبض على أزمة نشر العلم وتعليمه لأبناء المسلمين لا يقوم بواجبه إلا إذا أخذ قدرًا من المال يحدده هو سلفا، وقد لا يكون من أرباب المهنة فيزور على الناس ويوحى إليهم بأنه يربى أبناءهم، والصور فى المجتمع كثيرة، ولن تتقدم الأمة إلا إذا حققت لمثل الإمام أحمد معيار تقييمه.

 

أ.د./ طـه حبيشى

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة- بكلية أصول الدين - جامعة الأزهر

 

 

 

 

 

 

 

من مطلوبات جريدة المساء :  أ./ محمد عمر  ، للنشر فى رمضان 1429هـ

تَأَمُّلٌ - السَّلاَمُ النَّفْسِىُّ

    كل إنسان مسلم مهما كانت مشاغله له ورد من القرآن الكريم يقرأه من المصحف، أو يقرأه عن ظهر قلبه.

    وبينما أنا أقرأ من القرآن إذا ببصرى وبصيرتى يتوقفان عند قوله تعالى: ﴿وَفِى أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: 21] وتساءلت مع نفس لماذا هذا السؤال الإنكارى، وهل الذات الإنسانية تحتاج إلى التأمل فيها؟

    وبدأت أولاً بنفسى لأسأل ما هى المكونات الحقيقية التى تتكون منها ذاتى؟ وإذا بى أرى أن الله قد خلقنى من شيئين قبضة من طين الأرض ونفخة من روح الله، فرأيتنى من عالمين لا يجمعهما جنس واحد ولا نوع بعينه، إنه قبضة من طين الأرض ونفخة من روح الله، ولا بد أن يقع بينهما التآلف مع تلك الهوة التى تفصل بينهما.

    ثم تأملت هذه القبضة من طين الأرض فوجدتها مجموعة من العناصر بنسب منضبطة، لو حدث لواحد منها اختلال فى الكم أو الكيف اضطرب الإنسان فى داخله وخارجه.

    ثم نظرت إلى هذه النفخة من روح الله فوجدتها شيئًا واحدًا، ولكنه ليس إلا ظلال وآثار متباينة، ولكل ظل من هذه الظلال أو مجموعة من هذه الآثار اسم يدل عليها، فهى القلب، وهى الروح، وهى النفس، وهى العقل.

    وهذه الظلال ليست على وتيرة واحدة، ولكل وتيرة منها ميول ورغبات تشكل فى الإنسان درجات تعلوها درجات، أما « سيجموند فرويد » فقد رتبها من اﻠ «هُوَ» واﻠ «أَنَا» واﻠ «أَنَا الأَعْلَى» أما الإسلام فقد رتبها فى درجة يعلوها درجتان، الأمارة بالسوء، واللوامة، والمطمئنة، فقلت فى نفسى: أيها الإنسان ما أشقاك إن لم يتداركك ربك بفضل منه ورحمة، والناس يبحثون عن السعادة ولن يجدوها فى ذاتهم إلا إذا اصطلحت هذه القوى المتضاربة جميعا، فإذا اصطلحت تحصّل لها السلام الذاتى، وهو جزء مهم من أجزاء السعادة العامة ﴿أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28].

أ.د./ طـه حبيشى

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة- بكلية أصول الدين - جامعة الأزهر

 

 

 

 

 

 

من مطلوبات جريدة المساء :  أ./ محمد عمر  ، للنشر فى رمضان 1429هـ

دَوْرُ الْمَسْجِدِ فِى تَوْحِيدِ الأُمَّةِ

    للإسلام محاوره التى يعمل عليها فى صياغة الأمة الإسلامية أفرادًا وجماعات، ومن أهم محاوره تلك المحاور الثلاثة التى هى: العقيدة والشريعة والشعيرة، ولسنا الآن نريد الحديث عن العقيدة والشريعة، وإنما الذى نريد الحديث عنه الآن هو الشعيرة، والشعيرة كل عمل ظاهر يشترك فيه أو يراه عدد كبير من الناس، فَيُشيع فى نفوسهم معنًى من المعانى التى يريدها الإسلام، ومن بين هذه الشعائر هذه المساجد التى هى بيوت الله فى الأرض وما يرتبط بها من عبادات، وما يقع فيها من ممارسات، والله حين أمر ببناء المساجد وعمارتها، لم يقصد من ورائها أن تكون بناءً مشيدًا يسر الناظرين من الخارج، ويكون معطلاً ممنوع الوظائف من الداخل، وإنما أراد الله عز وجل من المساجد أن تشارك فى توحيد الأمة وجمعها على كلمة واحدة فى السلم وفى الحرب على السواء، ومن يتصفح التاريخ فى عصر المبعث وبعد عصر المبعث يجد الأمة قد فهمت عن ربها، وقد لَقِنت الدرس الإسلامى ووعته وعيًا تامًا، فلقد لجأ النبى e إلى المسجد عندما أراد أن يزيل مشاكل الأمة وعوامل فُرقتها فى المدينة، فالأوس والخزرج صاروا فى المسجد بمشورة النبى e وتعليماته على رءوس الأشهاد أنصار الله ورسوله، والمهاجرون الذين لم يكن لهم بالمدينة وطن ولا تاريخ ولا رحم آخى بينهم النبى e وبين الأنصار، وصار مسلك النبى e على هذا النحو مضرب الأمثال، وموضع زهو التاريخ، وحين اجتمعت على المصريين ثلاثة أمم تريد إطفاء شعلة تحررها من خلال حرب ساحقة فى خمسينات القرن الماضى رأى زعيم مصر وقتها أن يجمع الأمة على هدف واحد، فكانت خطبته الشهيرة من فوق منبر الأزهر الشريف، وفى مرحلة لاحقة بعد ذلك شهدت الأمة المصرية التى هى جزء من الأمة الإسلامية ظروفًا صعبة فقام وزير الأوقاف وقتها رحمه الله، وخاطب الناس خطابا جامعًا من فوق منبر الأزهر، مبينًا أن المنبر الذى يقف عليه بدأ شيعيا وانتهى سنيا، فصار رمزًا لتوحيد كلمة الأمة الإسلامية، حين تريد الأمة الإسلامية أن تتوحد.

    والشىء العجيب أن الأمم غير الإسلامية اليوم قد فقهت رسالة المسجد الحقيقية، وعلمت أن المسجد من الشعائر التى توحد كلمة الأمة، فتوجهت بدافع من داخلها إلى المساجد فى بعض البلاد الإسلامية سيئة الحظ بنزول المحتلين إليها، فضربت المساجد من خارجها بغير هوادة، وقُتل فيها الركع السجود، وأزهقت الأرواح وهى تسبح ربها العظيم، وتقدس ربها الأعلى.

    ونحن على علم أكيد أن السلوك عند المرء يدل على ما بداخله، فحجم العداء المستحكم ضد المساجد فى العراق، أو فى فلسطين، أو فى أفغانستان، أو فى غيرها من البلدان الإسلامية، إنما يدل على مقدار العداء الكائن فى صدور هؤلاء، وهو عداء سيستمر أثره على هذا النحو إلى أن يجلو كل مستعمر أو محتل عن الأرض الإسلامية التى يحتلها أو يستعمرها، وهو أثر سوف يستمر إلى أن تتوحد كلمة الأمة الإسلامية، وكلمة الطوائف المختلفة داخل حدود الوطن الواحد حول هدف بعينه، وحول أناس اتصفوا بالرشد والإخلاص لأمتهم ولدينهم بعد إخلاصهم لربهم وخالقهم.

    هذا هو المخرج الوحيد: أن يجلو المحتل، وأن تتوحد كلمة المسلمين ومقاصدهم حول هدف واحد، ولا بد أن ينطلق هذا كله من المسجد بوصفه شعيرة إسلامية لا ينبغى أن تكون عليها إلا لافتة واحدة تقول: (هذا هو بيت الله).

    ويرحم الله أمة أبصرت مواقع أقدامها، واتخذت قراراتها الموحدة من بيت الله فى الأرض الذى هو المسجد.

أ.د./ طـه حبيشى

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة- بكلية أصول الدين - جامعة الأزهر

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

من مطلوبات جريدة المساء :  أ./ محمد عمر  ، للنشر فى رمضان 1429هـ

فُتُورُ الْعِلاَقَاتِ الزَّوْجِيَّةِ أَسْبَابٌ وَعِلاَجَاتٌ

    من الظواهر التى عمت فى المجتمعات ويحاول الناس أن يقفوا على أسبابها وطرائق علاجها فتور العلاقات الزوجية داخل هذه الأسر المعاصرة.

    ولا يشك إنسان عاقل فى أن فتور العلاقة الزوجية هو بداية مشوار طويل إلى الخَلْف، أو قل هو جرثومة مع أنها غاية فى الضعف والهزال إلا أنها قادرة لو نشطت على إحداث شىء من الأشياء السلبية فى الأسرة لا يحبها الزوج ولا تبتغيها الزوجة.

    ومن المسائل التى تشبه الإعجاز فى مجال التشريع هذه اللفتات التى نبه إليها رسول الله e، وهى لفتات تشتمل على دوائر متعددة، وكل دائرة منها تتسع لتضم فى داخلها دوائر مختلفة تتفق كلها فى المركز وإن اختلفت فى المحيط.

    ولما كان النبى e قد أوتى جوامع الكلم فإن الله قد منّ عليه بالقدرة على الإيجاز الذى ليس له من معنًى إلا أن تكون الكلمات القليلة قد ضمت فى دلالتها معانى كثيرة يتأملها الباحثون والدارسون ويستفيد منها المكلَفون.

    وكأنى برسول الله e قد تأمل مرض الفتور الذى ربما يعرض للأسرة فى عصر من العصور، وحدد له أسلوبًا من الوقاية التى هى خير من العلاج، فرسم للأسرة خطين لا يجوز للزوج ولا للزوجة مهما بلغت بينهما الخلافات أن يتجاوزوهما.

    وهذان الخطان: أحدهما مسئولية الزوج، والثانى مسئولية الزوجة.

    وقبل أن ندخل فى تفاصيل هذين الخطين نحب أن ننبه أن الخطين كلاهما يتصل بالعوامل النفسية، وبالآثار الوجدانية التى هر حجر الزاوية فى بناء صرح الأسرة.

    أما الزوج فمسئوليته مهما تردت العلاقات بينه وبين زوجته أن يحافظ على مشاعرها لا ينال منها لا فى غضب ولا فى رضى.

    وقد أوجز النبى e هذا التكليف فى عبارة واحدة، حيث كلف كل رجل زوج بأنه لا يجوز له أن يحقر من زوجته شيئًا.

    ولك أن تتأمل هذه الكلمة (لا يحقر منها شيئًا) وسوف تجد بعد تأملك لها أنها جامعة مانعة، إنه لا يجوز له أن يحقر منها شيئا فى ذاتها، أيا كان هذا الشىء المتصل بالذات، فهو لا يجوز له أن يحقر شيئًا منها يتصل بسلوكها قولاً كان هذا السلوك أو فعلاً، وهو لا يجوز له أن يحقر شيئًا منها يتصل بنسبها أو بمركزها الاجتماعى أو ما شابه ذلك.

    إنه على الجملة لا يجوز أن يحقر منها شيئًا.

    والفرق شاسع بين التحقير والتوجيه، فالتوجيه تعليم وإرشاد إلى ما هو أفضل، والتحقير إهانة وإذلال وهو قبيح بكل معانى القبح.

    أما الزوجة فقد توجه إليها النبى e بهذا الخط الذى لا يجوز لها أن تتعداه مهما كانت الخلافات، وهذا الخط هو طاعتها للزوج فى كل شىء لا يغضب الله ولا رسوله.

    وطاعة المرأة للزوج يشبه أن يكون هذا الخاتم السحرى الذى يمتص غضب الرجال، ويجعل الزوج والزوجة أقرب ما يكون إلى مائدة المفاوضات وطاولة الحوار والنقاش، والحوار والنقاش فى جو من الهدوء والود هما أقرب وسيلة لتجنب الجفوة ومعاداة الفتور.

    وأنت خبير أن تعدى هذين الخطين أمر مشكل، وأن الالتزام بهما تأسيس لبناء الأسرة على قواعد معينة يرقى بعدها البناء فى طوابقه الشامخة: السكن والمودة والرحمة، ﴿وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ" أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًا لِّتَسْكُنُو+اْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لآيَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: 21].

    وهذه الطوابق الثلاثة التى وضعتها هذه الآية لبناء الأسرة الشامخ انحصرت فى: السكن بجميع أبعاده، السكن النفسى، والسكن المادى، والسكن الاجتماعى، والسكن الاقتصادى ... إنه السكن بكل ما تدل عليه كلمة السكن.

    وما من أسرة تستظل بمظلة السكن إلا وقد نالت سعادة الدنيا، وتَأْمُل فى سعادة الآخرة.

    ومن طوابق هذا البناء الشامخ المودة، وهى علاقة سلوكية تكون بين الزوج وزوجته، ما من واحدة منها إلا وتترك فى القلب أثر الرضى والقبول.

    ومجموع هذه الآثار هو الذى يؤدى بنا إلى هذا الطابق الأخير الذى يشبه أن يكون هو المظلة التى تظلل بناء الأسرة بتمامه، وتجعل ما تحتها ظلاً ظليلاً يشيع البهجة فى النفوس، والراحة فى القلوب، والاستقرار فى المعايش، وقد سمى القرآن هذا الطابق الأخير باسم الرحمة ألا فليتأمل المتفكرون.               

﴿إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لآيَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.

                                     أ.د./ طـه حبيشى

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة- بكلية أصول الدين - جامعة الأزهر

من مطلوبات جريدة المساء :  أ./ محمد عمر  ، للنشر فى رمضان 1429هـ

تَدْوِيلُ الْمَوَاقِفِ الْحَادَّةِ ضِدُّ الإِسْلاَمِ

    بينما يرق المسلمون فى معاملاتهم للغير إلى حد أنهم يشبهون الماء الرقراق، والنسيم المتحرك الذى يشكل هذا الغلاف على وجه الأرض، نجد الآخرين يَعْنفون ضد المسلمين فى مواقف تعلن عن نفسها من حين إلى حين.

    وكثير من الكتّاب قد سجلوا هذه الحدة فى المواقف بأقلامهم الغربية أو الأمريكية، وكلهم يُطْبقون على شىء واحد، مؤداه أن الإسلام: عقيدة وشريعة وشعيرة قادر القدرة كلها على صياغة الإنسان المعاصر، يساعده عناصر بقائه، ويعينه على أداء وظيفته سلامة منهجه ولباقة خطابه، الأمر الذى حمل الكثيرين من السياسيين وغير السياسيين على اصطناع المواقف الحادة والمستفزة فى كثير من الأحيان، وعلى وضع الخطط ورسم السلوك للنيل من حقيقة هذا الدين وتحجيم مواقفه فى جميع الأحيان.

    وكان من آخر ما فعلوه اصطناع هذا المنهج لعلهم يدركون من خلاله ما لم يكونوا قد أدركوه من قبل.

    وهذا المنهج الجديد هو محاولة تدويل المواقف الحادة لتأكيد خططهم التى رسموها لإيقاف المد الإسلامى من جهة، ولاستلاب آثاره فى النفوس، وقدرته على اصطناع الشخصية الإنسانية من جهة أخرى.

    ولقد اتخذوا من المنظمات الدولية وأحدث الوسائل التقنية وسيلة لهذا التدويل.

    وبينما أنا أتأمل هذا المنظر الأخير وهو الذى ظهر من خلال تدويل المواقف الحادة ضد الإسلام ومبادئه، ألمح على البعد فى عمق التاريخ يدًا ترتفع لتطلب الكلمة، بينما مثيلاتها تدق على باب يُفتح على عام هجرى جديد، ولصاحب هذه اليد مداخلة خلاصتها: أنه يريد أن يلفت الأنظار إلى أن تدويل المواقف الحادة وتعميمها لتشترك الفئات التى يجمعها غرض واحد ضد الإسلام ليس بالأمر الحديث، وإنما هى فكرة وُلدت فى دار الندوة حين اجتمع أصحاب الغرض الواحد مع اختلاف أعراقِهم ليبحثوا أمر هذا الدين الجديد، ومن جاء بهذا الدين الجديد، ومن اعتنقوا هذا الدين الجديد.

    وُلدت هذه الفكرة فى قلب مناوئٍ لهذا الدين: أبو الحكم عمرو بن هشام، الذى كان من ألقابه أنه: أبو جهل، أو أنه فرعون هذه الأمة، حيث قال يحْفز أتباعه: نريد أن نوزع مسئولية قتل النبى e فى أكبر نطاق ممكن من القبائل حتى يصعب على أهله وعشيرته أن يطالبوا بالقصاص أو يأخذوا بأساليب الانتقام، وقصارى ما يرضون به الدية، وهى تبعات مالية، وما أرخص التَبِعات المالية إذا كانت ثمنا للمبادئ، أو إذا كانت دية للعظماء من الرجال.

    ويبدو أن هذه الفكرة قد خَبت نارها وتوارت تحت الرماد فترات طويلة من التاريخ، ليظهر بدلاً منها محاولة النيل من هذا الدين بالهجوم على عقيدته وشريعته، وتاريخه ورجاله من قِبَل أناس لا يدينون بهذا الدين ولا يخضعون لمبادئه.

    ثم توارى هذا النوع من الهجوم لظهور عدم جدواه، وحل محله نوع آخر من الهجوم الحاد يقوم به أناس يظهرون بمظهر الحماس لمبادئ هذا الدين والغيرة عليه.

    ولا شك أن الأمة قد عانت من ضراوة هذا الأسلوب طويلاً، وفرح مَنْ وراء الكواليس وظنوا أن الثمرة أصبحت قريبة المنال تحت شعار ابتكروه وهو: أن الشجرة لا بد أن يقطعها أصحابها، ثم ظهر أن هؤلاء الذين أوكلت إليهم هذه الأدوار أو بعضهم على الأقل قد انشرحت للإسلام ومبادئه صدورهم، وبدا أن المواقف الإقليمية الحادة ضد الإسلام قد أصبحت عاجزة عن النيل منه، أو الحد من انتشاره فى العالمين، فكان لا بد من تدويل هذه الحدة وعولمتها.

    والتدويل والعولمة عناصر تشكل المنهج الجديد الذى ينبغى اصطناعه.

    أما الموضوع الذى سيُعَالَج بهذا المنهج فهو محاولة تفريغ المبادئ الإسلامية من محتواها، واستلاب آثارها فى النفوس، وفصل المسلم عن دينه عقيدة وشريعة وأخلاقا.

    وقد أُصطنع لذلك وسائل متعددة آخرها هذه الوثيقة التى ووفق عليها تقريبًا فى كثير من المؤسسات، والمنظمات، والمؤتمرات العالمية.

    وسأضع بين يديك الآن مجموعة من النقاط نشرت على العالم كله على الأنترنت بعد أن ووفق عليها بواسطة منظمة عالمية كبرى.

    ومن بين الأشياء التى طالبت بها هذه الوثيقة:

    1- (تمكين الطفل) بمعنى إخراجه من سلطة أبويه وأسرته.

2- وهى تقدم للمراهقين من بنين وبنات دون الثامنة عشرة ما يشجعهم على ممارسات الحرية الجنسية من (خدمات الصحة الإنجابية) مثل منع الحمل والإجهاض.

    3- وهى تنادى بالمساواة المطلقة بين الجنسين، فليس هناك ذكر أو أنثى بل (نوع) ويعنى ذلك المساواة فى الميراث والقوامة والزواج بحيث لا يُشترط فيه اختلاف الجنسين.

    4- وتدعو إلى (حماية الأطفال من النزعات المسلحة) والمقصود منع أطفال الحجارة فى فلسطين من الدفاع عن أنفسهم ومقدساتهم.

5- كما تحاول القضاء على عاطفة الارتباط بالوطن والدين والشرف والدفاع عنها من نعومة أظفار الأطفال وبدء تكوين عواطفهم.

6- كما تدعو هذه الوثيقة إلى القضاء على فكرة المهر أو الصداق لأنها تُشعر بنوع اختلاف بين الجنسين، وتلوح بوظيفة كل منهما، وتؤكد فكرة القوامة والتوجيه، وهى أمور لا بد من التخلص منها لإحداث الفوضى الاجتماعية.

7- كما تؤكد هذه الوثيقة على وجوب إحداث نوع من الخلل التربوى، بإلغاء فكرتى الثواب والعقاب، والتربية واجب الأسرة وحق الطفل عليها، فأكدت الوثيقة تجريم الأب الذى يستعمل فكرة الثواب والعقاب فى التربية، ونزع الولد من ولايته.

8- وتنهى الوثيقة حديثها بالتأكيد على منع الزواج المبكر مهما توفرت إمكاناته، ثم فتح أبواب إمكانية الانتماء إلى الأسر الشاذة، وتمجيد من ينتمون إليها باعتبار أنهم أناس يمهدون إلى انتشار الحرية مهما كانت الأضرار المترتبة عليها.

هذه هى بعض بنود تلك الوثيقة على نحو ما هى منشورة بين الناس.

ومعظم هذه البنود قد مُهد لها فى مؤتمرات كثيرة عالمية أحاط بها صخب الإعلام وأضواؤه.

ومع أننا على يقين من أن هذه المحاولة كسابقاتها مآلها إلى الفشل الذريع لمصادمتها للطبع والأخلاق، فإن المدهش الذى لا يجد له تفسيرًا ولا تبريرًا أن الدول العربية والإسلامية تواجه هذا الأمر بصمت مريب وتعتيم إعلامى رغم أن هذه الوثيقة قد خُطط لها أنها تتحول بعد التوقيع عليها من قبل الدول إلى قوانين ملزمة، كما أن الفصائل العلمانية بداخلها ستتلقفها وتحاول تفعيلها ونشرها فى المجتمع تدريجيا كأنها قانون ودستور جديد.

هذه ومضات من مشاعرى، وجزى من ملاحظاتى على هذه المحاولة الجديدة، أردت أن أقف بها على باب عقل كل مسلم، وأدخل بها حرم كل مؤمن، لأستفز شعوره الدينى، وأفتح مزيدًا من عينه الناقدة الحريصة على العرض والكرامة لعلنا نلاحظ ما يُكتب وما يُدبر وما يقال ضد ديننا الحنيف، فهو عرضنا وعرض كل إنسان هو موضع الذم والمدح فيه.

                                             أ.د./ طـه حبيشى

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة- بكلية أصول الدين - جامعة الأزهر

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

من مطلوبات جريدة المساء :  أ./ محمد عمر  ، للنشر فى رمضان 1429هـ

الْفَتْوَى وَالرَّأْىُ

    إننا نعيش فى زمان ارتفعت الحدود فيه بين المفاهيم، فزحفت المعانى بعضها على بعض فى خليط تَمُجه الأذواق، ولا تحترمه العقول.

    ففى هذا الوقت الذى تُحَارب فيه الأمم فى مجال إثبات إحكام سيطرتها على أرضها، بإقامة الحدود الفاصلة بين أراضيها وممتلكاته وأراض الغير وممتلكاتهم.

    وفى هذا الوقت الذى يضع فيه العلماء فى تخصص معين خطوطًا حمراء، ودوائر مُعَبرة حول ألفاظهم ومصطلحاتهم التى يستعملونها فى الدلالة على معانى معينة، حتى لا ينفلت من أيديهم دلالة اللفظ على معناه بوضوح تام.

    وفى هذا الوقت الذى يحرص فيه كل فنى ممارس على موضوع فنَّه لا يختلط بغيره، ولا يقتحمه سواه.

    فى هذا الوقت الذى يشهد هذه التخصصات الدقيقة، والفواصل الصارمة، نجد هذه المحاولة المشبوهة للخلط بين العلم الدينى والتدين فى الإسلام، وبين الرأى والفتوى فى مجال الحديث عن القضايا الدينية، وبين الهواية والتخصص فى مجال البحث الدينى وتسجيل النتائج فيه.

    والذى يظهر لنا بوضوح أن هذا الخلط مقصود إليه قصدًا، وعلماء الأمة فى شغل شاغل عما يراد بهم على جميع المستويات.

    وأنا أحب هنا أن أركز على مثال أو أكثر ألفت النظر إليها بشىء من العناية، ومن أوائل ما ألفت النظر إليه: الفتوى الدينية وما يتصل بها من وظيفة الفن الحقيقية، والرأى العلمى أو العشوائى، وما يجب على أهل العلم والنظر من التزام أمور ما لها فى الحقيقة من مترك.

    أما الفتوى: فأصحاب موقَّعون بها عن رب العالمين، ومتحدثون بالأحكام التى تتضمنها نيابة عن الشارع، لا بالأصالة عن أنفسهم.

    ونحن نعلم أن الدين الإسلامى يحكم سلوك الإنسان فردًا وجماعة فى علاقة كل فرد بربه، وفى علاقة كل فرد بأخيه ومجتمعه، وفى علاقة المجتمع كله بالأفراد وقاضايهم.

    والمتأمل فى خطاب الشرع المتصل بهذه المحاور يجد أنه يحتوى على أحكام خمسة تتنوع بتنوع الحوادث وتعدد السلوك.

    فالواجب: هو ما يطلب الشرع فعلَه على وجه الإلزام، ويتوعد تاركه ويعاقبه.

    والمندوب: هو ما يطلب الشرع فعله على وجه غير مُلزم، ويثيب فاعله ولا يعاقب تاركه.

    والحرام: هو ما يطلب الشرع تركه على وجه جازم، ويتوعد فاعله ويعاقبه.

    والمكروه: هو ما يطلب الشرع تركه دون أن يتوعد فاعله، على نحو ما يتوعد به فاعل الحرام.

    ويقع بين هاتين القائمتين من الفعل والترك هذا المباح: الذى يجوز للإنسان فعله وتركه، دون أن يترتب على الفعل والترك ثواب أو عقاب.

    وكل فعل أو قول طلب الشارع فعله أو تركه على وجه جازم أو غير جازم، لا يجوز للإنسان أى كان موقعه أن ينشئ أحكامه إنشاءَ، وأن ينسبها إلى رب العالمين، وإنما الجائز الوحيد له هذه الأمور، أو تلك المعالم التى لا يجوز له أن يتخطاها.

    وأحدها: استنباط الحكم من الدليل الشرعى المعترف به من الشارع.

    وثانيها: استيعاب المسألة المطروحة استيعابًا تامًا منافيا لكل جهالة.

    وهاتان المرحلتان يحتاجان إلى شىء من الأدوات والملكات غير هين.

    وثالثها: أن يكون هذا المتصدِّى للفتوى، التى هى فى الحقيقة إخبار عن رب العالمين، صاحب ملكة ناشئة عن درْبَة، قادرة على إنزال هذا الحكم الشرعى على تلك الواقعة التى تتطلبه بإحكام تام، ومهارة فائقة.

    وهذا الذى يخبر عن رب العالمين لا يكفى أن يمر بهذه المعالم، من غير أن تتوفر له صفة الأمانة فى النقل عن الشارع والتحدث عن ربه، وهى مسألة تستلزم أن يكون المتحدث تقيًّا.

    ومن يعترض على الفتوى فإنه يجب عليه أن يذهب إلى مفتنٍ آخر فى قنوات شرعية، وعلى المفتى الآخر أن يراجع فتوى المفتى السابق على دستور الشريعة يبين ما إذا كان حكمه موافقًا لهذا الشرع الذى ينقل عنه فيبرمه، أو مخالفًا لهذا الشرع فينقضه، ويحيل المسألة إلى مفتنٍ آخر إذا لم تكن عنده هو ملكة الإفتاء.

    وهذا المسار هو الجائز الوحيد المقبول والمعقول فى مجال الفتوى والإفتاء.

    أما المباح: وهو القسم الخامس من أقسام الأحكام، فهو الوحيد الخاضع للرأى، وهو الوحيد المتاح لأهل النظر والأذواق، أن يقول كل واحد فى وقائعه برأيه.

    فأنا آكل أو ألبس هذا الشىء أو ذاك.

    وأنا فى مجال التنظيم والمرور أجعل هذا الطريق مزدوجًا، أو أجعله من اتجاه واحد.

    وأنا فى مجال الزراعة آخذ بنظام الدورة الزراعية، وفرض محصول بعينه أو لا آخذ ... إلخ.

    وبعد أن اتضح الفرق بين الفتوى والرأى، فإننا نناشد الجميع أن يضعوا الفواصل الدقيقة بين الرأى والفتوى فى مكانها الذى يليق بها.

    ومن التشويشات النكدة هذا الخلط المتعمد بين المتدين والمفتى، بل بين من تظهر عليه مظاهر التدين ومن يعتمد الدين فتواه.

    فأنت تجد العامة بل وبعض المثقفين، إذا وثقوا فى تدين بعض الناس، أو رأوا على بعضهم مظهر التدين يتوجهون إليهم بأخطر القضايا التى تتصل بالدين، من نحو: قضايا الأحوال الشخصية، ومن نحو: القضايا التى تتصل بالمال والاقتصاد، ومن نحو: القضايا التى تتصل بسلف الأمة وأولهم سيدنا محمد e، فيسألونهم فيها، والكثير من هؤلاء بدلاً من أن يدفعوا بعدم الاختصاص، يعجبهم لجوء الناس إليهم فيفتونهم بعلم أو بغير علم.

    والأمة تتجرع كئَوسًا مترعة بمرارة الضلال والإضلال.

    وخرج من تحت عباءة هؤلاء: أدعياء العلم الدينى.

    كما خرج من تحت عباءة هؤلاء: مجموعة من الهواة الذين يقولون فى الدين كلامًا لا صلة له بهذا الدين ولا بالشريعة التى يتحدثون باسمها.

    وليس لنا من كلام يقال: إلا أن نقول لهم: إنا نخوِّفكم الله، ويوم القيامة هو المصير المحتوم.

 

أ.د./ طـه حبيشى

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة- بكلية أصول الدين - جامعة الأزهر

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

من مطلوبات جريدة المساء :  أ./ محمد عمر  ، للنشر فى رمضان 1429هـ

خَلْطُ الأَوْرَاقِ

    إن كل مسلم غيور ينظر اليوم إلى الساحة الإسلامية، ربما لا يجد إلا هذا العملاق الذى يسمى الإسلام وحده واقفًا فى منتصف الساحة، وحوله مجموعة من النهازين، ومجموعة أخرى من الجاهلين يلتفون حول هذا العملاق فى دوائر كأنها تحاصره فى البؤرة المشتركة لهذه الدوائر، وجميع الملتقين حوله من الجاهلين أو النهازين يبتغون مصالحهم الشخصية.

    وما كان لهؤلاء النهازين أو الجاهلين أن يكونوا على هذا المستوى من الظهور، لولا أمر خطير قد حدث، وهذا الأمر الخطير هو أن الدعاة لهذا الدين والمعتنقين له على السواء لم يفهموا اللحظة على ما ينبغى لهم أن يفهموها.

    فوقفوا فى أماكنهم وحمدوا حين وجب عليهم أن يتحركوا، وبالوقوف والجمود تركوا فراغًا حول الإسلام تحرك إليه النهازون والجاهلون فملأوه بما يحبون أن يملأوه، فهؤلاء الجاهلون بالإسلام وتكليفاته وأحكامه قد نصبوا من أنفسهم دعاة للإسلام على سبيل الهواية، والرغبة فى التميز الاجتماعى، وهؤلاء النهازون بالأجر قد انطلقوا فى كل مكان يبتغون هدم الإسلام بمعاولهم والنيل منه باختراق ميادينه.

    والعامة والخاصة من المخلصين للإسلام قد وقفوا فى حيرة لا يعرفون أين يتجهون.

    ويا لله للمسلمين.

 

أ.د./ طـه حبيشى

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة- بكلية أصول الدين - جامعة الأزهر

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

من مطلوبات جريدة المساء :  أ./ محمد عمر  ، للنشر فى رمضان 1429هـ

كَنْزُ الْمَالِ جَرِيمَةٌ شَرْعِيَّةٌ وَإِثْمٌ اجْتِمَاعِىٌّ

    إن هذه المسألة من أشد المسائل خطرًا فى حياة الإنسان، بحيث يجتمع فيها الضرر الاجتماعى والاقتصادى فى وقت واحد.

    وحين يتحدث الإسلام عن هذه المسألة، إنما يحددها تحديدًا دقيقًا، يظهر منه خطرها على نحو ما سنبصرك به إن شاء الله.

    وقد ذكر الإسلام هذه المسألة بصفة الكنز ﴿وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: 34] وبين الإسلام أن عذابهم محيط بهم من الأمام والخلف والجانبين ﴿يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِى نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: 35].

وكلمة الكنز لها معناها اللغوى الذى لا يجب الخروج عنه، ولم نعلم أن الشرع حملها على معنًى خاص، فيجب فهمها على هذا المعنى اللغوى ما دام الشرع لم يوجهنا إلى غيره، والكنز فى اللغة: الجمع والضم لكل شىء ثمين، سواء احتفظ به على ظهر الأرض أو فى باطنها.

    وجمع المال وضمه (كنزه) إنما يَعنى أول ما يعنى أن صاحبه يمنعه من المشاركة فى دوران الاقتصاد فى المجتمع الإسلامى.

    ومن بدهيات الأمور أن الاقتصاد لا بد أن يدور على قواعد، الإنتاج،والاستهلاك، والوسائط بين الإنتاج والاستهلاك (التجارة).

    ولو خسر الاقتصاد قاعدة من هذه القواعد توقف عن الحركة ضرورة، والاقتصاد يخسر إذا لم يجد المال بسبب انعدامه، أو بسبب أن الأغنياء قد حبسوه عن المشاركة فى دوران حركة الاقتصاد، وهذا هو الكنز، ونحن بإمكاننا أن نتصور أن المنتج لا يجد المال، أو أن المستهلك لا يجد مالاً يشترى به السلعة، أو أن الوسيط بين الاثنين لا يجد وسائل النقل أو الآلات التى تعينه على أن يؤدى دوره فى حركة الاقتصاد، ولو أننا تصورنا ذلك لعلمنا مقدار الفشل والشلل الذى سيطرأ على الاقتصاد العام.

    ومن أجل ذلك كان الكنز جريمة نكراء، ولكن يخفف من ضراوة هذه الجريمة أن كانز المال يُخرج منه قدرًا لا بأس به صدقة أو زكاة أدهما معًا، يضخه سيولة فى يد بعض الطوائف الذين يقومون بدورهم باستعمال هذا المال فى مرحلة من مراحل الاقتصاد الثلاث، فتندفع الحياة فى جسم الاقتصاد العام اندفاعًا يصلح مبررًا لتخفيف الإثم عن كانز المال.

    والنص القرآنى دقيق فى تكييف جريمة الكنز، إذ ذكر أن الكنز لا يكون جريمة إلا إذا انضم إليه منع ضخ جزء منه فى يد بعض طوائف الأمة، وهو المُعَبر عنه فى الآية بالإنفاق فى سبيل الله 1- ﴿وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ2- ﴿ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.

    ومن أجل ذلك نهيب بكل مسلم ألا يَجْمع على ماله هذين الأمرين فجمعهما على المال وبال شديد، فإن كنزل المال وأدى حق الله فيه فلا شىء عليه، وإن استطاع ألا يكنزه وأدى حق الله منه كان رجلاً مثاليا.

    والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم.

 

أ.د./ طـه حبيشى

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة- بكلية أصول الدين - جامعة الأزهر

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

من مطلوبات جريدة المساء :  أ./ محمد عمر  ، للنشر فى رمضان 1429هـ

الأَنَانِيَّةُ صِفَةٌ اجْتِمَاعِيَّةٌ مَرْذُولَةٌ

    فى هذا الزمان قد ظهرت على السطح بعض الصفات التى لم يكن يعرفها الآباء والأسلاف إلا على ندرة، ومن هذه الصفات صفة الأنانية وحب الذات.

    وحب الإنسان لنفسه وذاته مخالف للفطرة التى فطر الله الناس عليها، وهو فى نفس الوقت مخالف للآداب والأعراف والتشريعات جميعًا.

    فالله عز وجل قد خلق الإنسان مدنى بالطبع اجتماعى بالفطرة، وهذه المدنية وتلك الاجتماعية فيه لم يخلقهما الله عز وجل عبثًا وحاشاه، وإنما خلقهما ليكونا أساسًا للمجتمع قائمًا على احتضان خليته الأولى التى هى الأسرة، إذ المجتمع لا قوام له بدون هذه الخلية التى اعتبرناها أساسًا له.

    وفى الماضى الذى عشناه وعاشه آباؤنا وأسلافنا من قبل، كانت مسألة الإيثار واعتبار الآخرين وحبهم ظاهرة منتشرة، فلا تزال بعض الصور فى ذهنى احتفظت بها ذاكرة الطفولة، حيث كنت أذهب فى الصباح إلى تاجر من التجار أشترى منه شيئًا، فكان يقول لى: اذهب يا بنى إلى جارى عمك فلان يبيع نفس السلعة التى تريدها واشترها منه، فإنى قد استفتحت، وكلمة (استفتحت) كانت تعبر عن عقيدة عندهم مؤداها: أن الذى يعجل الله عز وجل له ببيع سلعة فى الصباح الباكر، فإن هذا معناه أنه يتابع له البيع ويحقق له الرزق تباعًا إلى آخر النهار.

    هذه صورة لا تفارق مخيلتى أذكرها وأنا أرى ما صار إليه مجتمعنا اليوم من ظاهرة التسابق على التقاط المصالح بشره شديد، من غير أدنى مراعاة للآداب العامة، أو الأخلاق الاجتماعية المفروضة، فأنت تجد الواحد يبيع على بيع أخيه، مع أن الإسلام نهى عن ذلك نهيا قاطعا، وأنت ترى المالك يبيع أو يؤجر سلعته، وقبل التسليم أو التمكين يأتيه من يعرض عليه أكثر ممن ارتضاه، فينسى أنه قد باع أو أجَّر رغبة فى الحصول على هذه الزيادة، وما كنا نرى ذلك من قبل، ولا نتصور أنا نراه فى المستقبل ولكن رأينا الواقع يتسع لما لا يتسع له الخيال.

    وما يحدث فى البيع والشراء يحدث مثله فى الزواج وإنشاء الأسر، فالرجل تكون عنده الفتاة ويأتى إليه من يرتضى دينه وخُلقه، فيخطب إليه ابنته، فيوافق وتوافق ابنته، ثم يَلَوح فى الأفق شخص آخر ربما يكون أكثر مالاً، وربما يكون له من الأوضاع الاجتماعية ما ليس للأول، فيعجبه هذا الثانى، ويحمله هذا الإعجاب على أن يذهب إلى بيته، ويجمع ما كان للخاطب الأول من ممتلكات وأشياء فيقذف بها إليه بألفاظ قاسية، واتهامات نابية ليس لها من الواقع نصيب، ولم يكن لهذا الرجل من دافع إلا مصلحته الدنيوية.

    والأمثلة فى الدنيا كثيرة، حتى أصبح حب الذات هو محرك الناس على هذه الأرض، وهو محرك سيئ، ليس له من الأخلاق ما يسانده، ولا من الفطرة ما يزكيه.

    يا أيها الناس ما لكم إذا قيل لكم عودوا إلى فطرتكم الأولى، وتمسكوا بعوائد المجتمع التى يحتضنها التشريع اثاقلتم إلى الأرض، ورضيتم بما فى الحياة الدنيا من منافع ومتاع، ونسيتم أمر ربكم فيكم، وتخاذلتم عن طلب الآخرة، وما فى الجنة من حسن الاستقبال ورضى الخالق؟

    ولله فى خلقه شئون.

 

أ.د./ طـه حبيشى

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة- بكلية أصول الدين - جامعة الأزهر

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

من مطلوبات جريدة المساء :  أ./ محمد عمر  ، للنشر فى رمضان 1429هـ

كَلِمَةٌ هَادِئَةٌ فِى الْقَسَمِ

    حاولت أن أُنصت إلى من حولى فى مجتمع عام، فلفت نظرى أن لفظ القسم بالله أو بصفة من صفاته هو الكلمة الغالبة على كل لسان، بمبرر معقول أو غير معقول، أو بغير مبرر على الإطلاق، فأخذتنى نفسى من الحضور قليلاً لتناقش معى، حقيقة القسم ووظيفته، ومتى يلجأ الإنسان إليه، وكيف يكفر الإنسان عنه بإذن الشرع إن هو حنث فى يمينه، فوجدت مع نفسى أن الأمر خطير، إذ إنه لا معنى للقسم إلا أن يكون المُقْسم قد قدم موجودًا غاليا وعزيزًا لديه يُقْسم به تأكيدًا لوعد، أو توثيقًا لخبر، وما دام الأمر كذلك، فإنه لا يجوز لمن يريد القسم أن يُقسم بغير الله معتقدًا أن هذا الغير مساويا لله فى الدرجة، إذ لو فعل ذلك، فإنه يكون قد عرض عقيدته للاهتزاز.

    والشرع يتدخل هنا ليقول لمن يريد القسم، لا تُقسم إلا إذا كان هناك ضرورة، من نحو: توثيق خبر، أو تأكيد وعد.

    ومن رحمة الله بالناس أنه لا يؤاخذهم على مطابقة الخبر للواقع، وإنما يؤاخذهم على مطابقة الخبر الذى أقسموا عليه لنيتهم، وهذه نعمة كبيرة من ربى، فقد يُقسم الإنسان على أن حافظة نقوده خالية من المال تمامًا، أو أنها خالية من بعض فئات العملة، ثم يكتشف بعد ذلك أن الأمر على خلاف ما قال، فإن الشرع هنا يؤاخذه على نيته واعتقاده لا على الواقع، وهذا فضل عظيم.

    ثم يتدخل الشرع مرة أخرى ليقول للإنسان: إياك أن تُقسم على شىء وأنت تعلم أنك كاذب، لأن القَسم مع العلم بالكذب سلفًا يعرض صاحبه إلى خطر عظيم، ومثل هذه اليمين قد لقبها الشرع بلقبين: أحدهما: أنها هى اليمين الفاجرة، وثانيهما: أنها هى اليمين الغموس، لأنها تغمس صاحبها فى جهنم يوم القيامة.

    وهذا النوع من التشدد مكافئ تمامًا لمن أقسم يتعمد الكذب، أما أولا: فلأن صاحبها قد هانت مكانة ربه فى نفسه، وفى ذلك إخلال بالعقيدة، وأما ثانيا: فإنه بفعلته هذه قد أضاع الحقوق وزيف الواقع، وفى ذلك من الأخطار الاجتماعية ما فيه.

    ولقد ذهب بعض العلماء إلى أن اليمين الغموس لخطورتها لا كفارة لها.

    ولقد تدخل الشرع مرة ثالثة يرحم العباد، فقال لهم: من حلف على شىء، ورأى أن غيره خيرًا منه، فليكفر عن يمينه وليفعل الذى هو خير، وهذا هو الفهم الراجح فى الآية الكريمة: ﴿وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَٰنِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ﴾ [البقرة:224] وفى هذا تسهيل من الشارع على العباد.

    تأملت مع نفسى على هذا النحو من التأمل فى حال أولئك الذين كنت أجلس معهم، والقسم يتردد على ألسنتهم جميعًا بمناسبة وبغير مناسبة، فقلت فى نفسى إنهم على خطر عظيم، فمتى نقدر الله حق قدره؟ ومتى نحتفظ لأنفسنا بقدر من الصدق فى رواية الأخبار بغير قسم؟ ومتى نحتفظ لأنفسنا بقدر من المصداقية فى تحقيق الوعود والوفاء بها من غير احتياج إلى تكرار الحلف.

    يا رب وفق للعظائم أمتى.

أ.د./ طـه حبيشى

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة- بكلية أصول الدين - جامعة الأزهر

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

من مطلوبات جريدة المساء :  أ./ محمد عمر  ، للنشر فى رمضان 1429هـ

تَرْبِيَةُ الأَفْرَادِ حِصْنٌ مِنْ مُؤَامَرَاتِ الْخَارِجِ

    إننا أمة نعيش بين الأمم، ولنا موقع متميز، وثروات طائلة، وثقافة تاريخية لها أصول وجذور.

    وجماعة هذا شأنها تتحقق لها الخيرية بالمنهج الصحيح بين الأمم ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾ [ءال عمران: 110].

    والمنهج الذى يجب علينا اتباعه قد مكننا من الشهادة على الأمم السابقة كما جعل النبى e علينا شهيدا ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143].

    وهذا النوع من التميز المادى والأخلاقى قد حمل الأمم أن تتداعى علينا، كما تتداعى الأكلة على قصعتها، وهم قد اصطنعوا لنا من الأساليب ما يتمكنون به من الكيد لنا، ومن هذه الأساليب استمالة بعض الضعفاء من الأفراد إليهم تحت تأثير الإغراء بالمال, أو التلويح بالمكانة الاجتماعية المرموقة.

    ولقد أدرك النبى e حيلَ أعدائه، وتآمرهم الرخيص، فلم يعمد إلى التحذيرات يبثها فى أصحابه، وإنما تعهَّد أصحابه بالتربية العملية من خلال منهج نظرى أوحى الله به إليه، متناسق الخطوات، مُحْكم المبنى.

    وعلم أصحاب النبى e من خلال هذه التربية الحكيمة، كيف يتعامل الواحد منهم إذا أرسله نبيَّه وقائدُه إلى أمة خارجية أمام إغراءات المال، أو الوعد بالمكانة الاجتماعية المرموقة.

    وليس هذا كلام نظرى يُقال، وليس له من الواقع التاريخى ما يؤيده.

    ولكى يكون الكلام مفهومًا وله مصداقيته، سأحاول أن أجتزئ لك من تاريخ النبى e هذه الحادثة أو تلك القصة:

    إنه لأسباب معروفة أعلاها الرغبة فى تحرير الأرض من الأعداء توجه النبى e فى العام السابع من هجرته e إلى خيبر وفدك ووادى القرى شمال المدينة، وعرض على سكان هذه المناطق أن يدخلوا معه فى السلم ويجنحوا للمفاوضات فأبوا، فكان لا بد من القتال الذى انتهى بتحرير الأرض العربية، وحينئذ دخل النبى e معهم فى مفاوضات بعد النصر، حيث أخبروه أنهم لا يملكون أسباب المعايش وهم يرغبون أن يقوموا بزراعة هذه الأرض على أن يكون لهم نصف زرعها مقابل عملهم فيها، ووافق النبى e مع علمه الأكيد أن هذا الأمر لن يطول لما يعرفه من طباع القوم.

    ولم يكن النبى e بالرجل الذى يُخدَع بأساليب قوم قاعدتهم الأولى، وأصلهم الذى لا يحيدون عنه فى الاقتصاد هو اعتقادهم بأنهم ليس عليهم فى الأميين سبيل، وحفاظًا على أموال المسلمين كان يبعث إليهم كل عام خبيرًا يقدِّر الثمرة قبل نضجها وبعد اكتمال نموها، وفيما بين اكتمال النمو وكمال النضج فرصة لمن يريد التقدير دون أن يكون تقديره خطأ.

    وفى عام من الأعوام أرسل إليهم - عبد الله بن رواحة - وكان رجلاً خبيرًا بالزراعة، وما أن وصل إلى أرض خيبر وتوابعها حتى استقبله علية القوم بغاية من التكريم، قائلين: إن بينك وبين محمد مسافات ووهاد، وإنا نفرض عليك فاسمع منا، فقال لهم: أفعل، قالوا له: خذ من أموالنا ما يكفيك، وخذ من متاعنا ما يغنيك، وتهاون فى تقدير هذه الثمرة التى جئت لتقديرها، فتستفيد أنت بهديتنا، ونستفيد نحن بما تقضى لنا به، والأمر فى سِرَّية مطلقة لا يذيعه منا أحد، ولن يعلم محمد عنه شيئاً.

فسخر عبد الله بن رواحة مما يقولون، ثم قال: إن الذى أرسلنى إليكم لأحب إلىّ من نفسى، وإنكم منى لأبغض أهل الأرض، ومع ذلك فلا يحملنى حبى إياه ولا بغضى لكم على أن أختان نفسى، أو أخالف العدل.

وعلم القوم أنهم أمام عملاق تربيته على أسس متينة، وأدركوا أنهم على شفا الهاوية لو عاد الرجل إلى صاحبه وأخبره بما عرضوا عليه، فلربما يُجْلِيهم عن الأرض ويفسخ ما بينه وبينهم من تعاقد، فتظاهروا بالضحك والرضى والانبساط، وقالوا: علّمنا موسى بأنه بالعدل قامت السموات والأرض، وإنا ما أردنا إلا اختبارك وقد نجحتَ يا رجل، فنعم سلوكك، ونعم المربى.

هذه قصة فى التاريخ ما لها إلا أن تكون شاهد صدق على تربية القائد لرجاله، وأمارة عدل على أن القائد الثقف اللقن لا ينيب عنه من يتفاوض باسمه وباسم أمته إلا من قامت قوائمه على أصول ثابتة، وقواعد لا تزلزلها العواصف.

أ.د./ طـه حبيشى

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة- بكلية أصول الدين - جامعة الأزهر

 

 

 

 

 

 

 

 

من مطلوبات جريدة المساء :  أ./ محمد عمر  ، للنشر فى رمضان 1429هـ

الرَّحْمَةُ وَلِينُ الْقَلْبِ مِنْ خَوَاصِّ الأُمَّةِ الإِسْلاَمِيَّةِ

    حين يتاح للمرء أن ينظر من أعلى أو من خلف الصفوف يتأمل الأحداث التى تقع أمامه، والأشخاص الذين يقعون فى مرمى بصره، يمكن له بسهولة أن يدرك الفوارق بين الأمم، وأن يقف على الخواص التى تمتاز بها أمة عن أمة.

    ومن يتأمل الأمة الإسلامية فى عصور صفائها، يجد أنه من أهم خواصهم وخصائصهم أنهم ﴿رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ﴾ وهى خاصية أُدْرِجت ضمن خواص كثيرة سجلها لهذه الأمة الله عز وجل فى القرآن، وحَكَم لهم أنهم فى معية النبى e، وبَيَّن أنهم قد ذكروا بهذه الصفات فى التوراة ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِى ٱلتَّوْرَاةِ﴾ كما أنهم قد ذكروا بهذه الصفات فى الإنجيل ﴿وَمَثَلُهُمْ فِى ٱلإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ¼ فَآزَرَهُ¼ فَٱسْتَغْلَظَ فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ? يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ﴾ [محمد: 29] من أهم خواص المسلمين أنهم رحماء بينهم، فإن فقدوا هذه الخاصية يكونون قد قست قلوبهم، ويكونون قد فقدوا مراقبتهم لربهم فى معاملة عباده، ويكونون قد فقدوا الانتماء للقرآن، فيستحقون العتاب من الله، والعتاب من الله شديد ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُو+اْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ﴾ [الحديد: 16].

    ولا يُظهر الضدَ إلا الضدُ، ففى الأمم السابقة على الإسلام أمة قد وصف القرآن قلوبهم وصفًا دقيقًا، فقلوبهم قاسية، والوسيلة التى توضح هذه القسوة هى أنها قد شُبهت بالحجارة الصخرية التى لا وسيلة لاستلاب خاصية القسوة منها.

    وقد يظن بعض الناس أن المشبَّه به وهو الحجر أبلغ فى القسوة من القلوب القاسية، وهذا صحيح، إلا إذا كان هذا القلب قد احتواه صدر أحد أبناء هذه الأمة السابقة على الإسلام، حيث قد استدرك القرآن وبيّن أن الأحجار يمكن أن يتناوبها ثلاث صفات، إذ من الحجارة ما يتفجر منه الماء أنهارًا، ومنها ما يتشقق فيخرج منه الماء من غير انفجار ولا سرعة، ومنها ما يهبط إلى أسفل من خشية الله عز وجل، وهذه الأحوال جميعها تفيد أن للجماد استجابة لربه فى ظلال قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ? وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44].

    وهذه القسوة فى قلوب هذه الأمم الغابرة، والتى حملتها جينات الآباء إلى الأحفاد ومن بعدهم إلى يوم القيامة، هذه القسوة قد حذرنا الله منها، وحذرنا من أن نتشبه بأصحاب القلوب التى تحملها ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُو+اْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ وَلاَ يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَٰسِقُونَ﴾ [الحديد: 16].

    حذر الله هذه الأمة من أن تتشبه بأمة فى واقع التاريخ القديم والمعاصر قد قست قلوب أبنائها.

    وعلى الأمة أن تستجيب لهذا التحذير ولا تقع فى مخالفته.

    ومما يؤسف له أن الأمة الإسلامية فى بعض أفرادها ربما تراجعت خطوة إلى الخلف عن مثال الرحمة الحقيقية الذى يتراحمون على أساس من محاكاته، فربما نرى المسلمين لا يتراحمون إلا عند الشدائد، فإذا لم تكن شدة، نجد المسلمين وقد انشغل كل واحد منهم بشئونه الخاصة، فلا تجد الجار يرحم جاره، ولا تجد الأخ يتحسس شئون أخيه، ولا تجد الصديق ينفعل بما يُلم بصديقه من دواعى الانفعال، مع أن الإسلام يحض على ذلك كله، ويدفع أتباعه للعناية به، فالجار أوصى به النبى e وأخبر أن جبريل ما زال يوصيه بالجار حتى تراءى للنبى أنه سيورثه.

    والأقرباء تربطنا بهم الرحم، والرحم حين خلقها الله تعلقت بأستار العرش، وقالت: أعوذ بك يا رب من القطيعة، وقد خاطبها ربها قائلاً: أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك، قالت: بلى رضيت يا رب.

    أعيدوا النظر فى قلوبكم ومشاعركم لعلكم ترحمون.

أ.د./ طـه حبيشى

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة- بكلية أصول الدين - جامعة الأزهر

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

من مطلوبات جريدة المساء :  أ./ محمد عمر  ، للنشر فى رمضان 1429هـ

النَّفْسُ اللَّوَّامَةُ

    لقد خلق الله الإنسان وهداه النجدين، وليس من الضرورة أن يوجد إنسان على الخير دائمًا إلا أن يكون نبيا، وليس من الضرورى أن يكون موجود مخلوق على الشر دائما إلا أن يكون شيطانا، أما الإنسان فقد عُلِم أنه متردد بين الخير والشر تحكمه إرادة مرجِحة وعقل ضابط، ويُعُجب الناس بآحاد النوع البشرى وجماعاته إذا غلب خيرهم على شرهم.

    لقد وقعت فى يدى رسالة جعلت أتأملها وأعيد قراءتها ومحتوى هذه الرسالة أن صاحبها قد اشتغل بالتدريس فترة من الزمن ثم اعتزله لسبب يخصه، ثم حضرته النفس اللوامة فى خلوة من خلواته تناقشه الحساب حول سؤال واحد مؤداه: هل كنت فى أيام انشغالك بالتدريس تقوم بعملك على وجه يرضى ربك؟ وكان صاحب الرسالة صريحًا مع نفسه حيث أجاب بالنفى، ثم دخل فى دوامة ما يسمونه اليوم بعذاب الضمير، أو فيما ينتاب المؤمن من الخوف من لحظة المثول بين يدى الله عز وجل.

    وعند هذا الحد توقفت عن القراءة لأعيد التأمل فيما قرأت، وأنا أنظر ببصرى وبصيرتى إلى ما حولى من المجتمع والناس أتابع أحوالهم، لأتحسس مكان الداء ثم أعود إلى نصوص القرآن الكريم لأبحث عن ناجع الدواء، فعثرت على هذه النعمة وعلى تلك الجوهرة المكنونة فى القرآن حديثًا وتوجيهًا، والموجودة فى باطن الإنسان رقيبًا مؤثرًا، وهذه الجوهرة هى تلك الملكة النفسية التى سماها القرآن الكريم بالنفس اللوامة إن شئت، أو هى هذا القسم من أقسام النفس يتوسط بين قسمين هما النفس الأمارة بالسوء، والنفس المطمئنة.

    فقلت فى نفسى جميل جدًا أن يجلس الإنسان إلى هذه النفس اللوامة كل يوم تناقشه الحساب قبل أن يفوت الأوان، فما فاته من أعمال الخير استدركه، وما أفسدته يداه فى جوانب المجتمع أو الكون أصلحه، وأجمل من هذا كله أن يجعل من نفسه مثالاً ونموذجًا يقدمه للناس بقصد محاكاته فيما يفعل.

    وأنا أَعدْ من يفعل ذلك بأنه سوف ينتقل عن الجلوس أمام هذه النفس اللوامة إلى هذه النفس المطمئنة التى تُوسِد رأسه كل مساء ذراع الأمل فى غدٍ سعيد.

    وتلك جنة الدنيا، وهى مقدمة إلى جنة الآخرة.

    كما أنى أتوعد من لم يُصْغ إلى النفس اللوامة بأنه فى أقل القليل سيكون عبدًا للنفس الأمَارة بالسوء، فيتلظى بأثر شقوتها فى الدنيا، وهو أثر سيكون مقدمة إلى عذاب الآخرة.

    وقلت فى نفسى: وماذا يحدث للإنسان إذا هو أدرك بكل العمق أنه ليس من القداسة أن تكون الملائكة نور وهى نور، وليس من الفخار فى أن يكون الجن نار وهو نار، وإنما القداسة والفخار فى أن يكون الإنسان نور ونار وهو تراب.

    إنه لو أدرك ذلك لاستطاع أن يحقق الخلافة عن الله فى كونه ودينه فسَعِدَ وأسَعَدَ.

 

أ.د./ طـه حبيشى

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة- بكلية أصول الدين - جامعة الأزهر

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

من مطلوبات جريدة المساء :  أ./ محمد عمر  ، للنشر فى رمضان 1429هـ

تَأَمُّلٌ - فِى حُقُوقِ الإِنْسَانِ فِى الإِسْلاَمِ

    ما أجمل هذا الإسلام وما أحسنه!! لقد تعامل مع الإنسان على أنه هذه الجوهرة المكنونة التى تحكم حقوقها المبادئ ويحكم مسيرتها الشرف والكرامة ويحكم بقاءها الأمن والترفع عن العَوز المادى وما دام الأمر كذلك فإن آحاد الناس كجماعتهم فى استيفاء هذه الحقوق فلا يجوز لواحد من الناس أيّاً كان نوعه أن يعتدى على حق مسلم فى الحياة أو حتى فى مجرد الأمن ولقد أطلق الله هذا المبدأ فى القرآن شاملاً لجميع العصور ما مضى منها قبل القرآن وما عاصر القرآن وما جاء بعده ﴿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِى إِسْرَآءِيلَ أَنَّهُ¼ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى ٱلأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32].

    وعكس هذا الفعل محكوم بالمبدأ نفسه ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَآأَحْيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعًا

    ومن يتأمل خطاب الشرع يجد أنه ينهى بشدة الفرد عن أن يعتدى على حق حياة غيره، وهو فى المقابل ينهى جميع الأفراد مجتمعين أو منفردين عن أن يعتدوا على حقه فى الحياة ولقد رفع الله عقوبة الجانى الذى يستلب حق حياة أخيه إلى أقصى درجات العقوبة ما دام قد فعل ذلك عن عمد فطلب من الهيئة التنفيذية فى الدولة الإسلامية أن تقتله قصاصًا استيفاءً لحق أهل القتيل وحفاظًا على أمن الجماعة، ولا تَسقط هذه العقوبة إلا إذا أسقطها أولياء دم القتيل، أما حق الجماعة الذى سماه الإسلام حق الله فإنه لا يسقط أبداً، حيث لا تملك الجماعة إسقاطه ولم يوكل به الله أحدا ليسقطه.

    ومع غلاوة الإنسان ورفعة قدره فإن مرتبته تتهاوى بالجريمة على حسب حجمها، فإن قتل صار مهدر الدم، وإن سرق قطعت يده فى ربع دينار، مع أن ديتها إذا اعتدى عليها بالقطع الخطأ كانت خمسمائة دينار، وقد ظن بعض الذين لا يفقهون أن الإسلام متضارب، حيث جعل دية اليد خمسمائة دينار وقطعها فى ربع دينار، فقال المعترض شعرًا.

يدٌ بِخَمْسِ مِئِينَ عَسْجَدٍ وُدِيتْ

 

مَا بَالُهَا قُطِعَتْ فِى رُبُعِ دِينَارِ

    فرد عليه عاقل من المسلمين يفهم أسرار دينه قائلاً من نفس القافية:

عِزُّ الأَمَانَةِ أَغْلاَهَا وَأَرْخَصَهَا

 

ذُلُّ الْخِيَانَةِ فَافْهَمْ حِكْمَةَ الْبَارِى

    وسبحان من شرع فأحكم، وحكم فعدل.

 

أ.د./ طـه حبيشى

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة- بكلية أصول الدين - جامعة الأزهر

 

 

من مطلوبات جريدة المساء :  أ./ محمد عمر  ، للنشر فى رمضان 1429هـ

نَظَرِيَّةٌ ثَاقِبَةٌ فِى مَجَالِ الإِصْلاَحِ

    إن لكل شىء تراه حولك مظاهر وظواهر سيارة تبدو أمامك وكأنها ماء يتدفع بعضه يتلو بعضًا، والناظر لهذا الماء المتدفق أو الظواهر الاجتماعية المتوالية، ربما لا يستطيع أن يدرك المنبع الأساسى والمورد الحقيقى الذى تندفع منه هذه التيارات المتوالية مع أن إدراك هذا المنبع أمر ضرورى، فليس ببعيد أن يكون فى هذا المنبع علة من العلل، أو سبب من الأسباب تؤثر فى هذا المجرى المائى أو المجرى الاجتماعى، وتحملُ الجزئياتُ أو الأحداثُ المتوالية هذا الميكروب أو ذاك فتمرض العلاقات الاجتماعية أو يُصاب من يتناول هذا الماء من الكائنات الحية بعطبٍ يشل حركته، ويقعد به عن وظائفه.

    ولا يدرك هذا كله إلا المفكر القادر على الرجوع من الظواهر التى يسهل إدراكها إلى المبادئ والأصول التى تغذيها وتحركها.

    ولو لم يرجع المفكرون إلى هذه الأصول لاقتلاع العلة منها فإن التقنيين لن يستطيعوا أن يقضوا على أعراض المرض الاجتماعى أو الطبيعى أو الحيوى مهما بذلوا فى ذلك من مجهود.

ومن أجل ذلك فإنا نقول: إن التفكير فريضة إسلامية، إذا كان التفكير على هذا المستوى المنظم.

وليس المجتمع الإسلامى استثناءً من هذه القاعدة، وإنما هو فى مجال تطبيقها على وجه أكمل.

إننا نرى نوعًا من التكاسل يشبه أن يكون ظاهرة بين الشباب المسلم، فهناك طوائف كثيرة ترضى من العيش بالتواجد على هامش المجتمع ما دام ذلك لا يكلفهم مجهودًا يبذلونه لتحسين أحوالهم وتحسين مجتمعاتهم.

وقد يرى أمثال هؤلاء أن مسلكهم هذا قد يحمل بعض الناس على إزدرائهم، فيعوضون هذا النقص فيهم بإدعاء بعض المراكز الدينية التى لا يجيدونها، وهم يستغلون فى ذلك انصراف الأمة عن القراءة الصحيحة فى الدين، وتجمد الدعاة المؤهلين عند مواقف معينة تجمدًا يجعل هناك فى الأمة منطقة فراغ دينى، يرى هؤلاء الذين يشعرون بالنقص أن فى منطقة الفراغ الدينى داخل مجتمعهم فرصة سانحة لتكميل النقص الذى يشعرون به، فترى هذا يتصدى للفتوى فى الشوارع والزوايا النائية، وترى ذاك يركب موجات الفضائيات ليطير بسرعة إلى مناطق الفراغ داخل هذه الأمة قبل أن يحتلها غيره.

وما خفى أعظم.

وقد تتحرك أصابع خفية تلتقط هذا النوع أو ذاك، وتعينهم بما يحتاجون إليه قصدًا إلى إجبار العملاق الإسلامى على أن يطيل نومه ولا يدخل لمعترك الحياة.

وإذا كانت هذه هى الظواهر البادية والمتلاحقة، فإنه ينبغى أن نستجيب لتوجيهات بعض فقرات الخطاب، الذى ألقى من أعلى مستوىً فى مصر يهيب بالمتخصصين والمفكرين الإسلاميين أن يعودوا إلى هذه المشكلة ينتقلون بها من الظاهرة المرئية إلى النبع الصافى.

وأنا أضيف إلى فقرات هذا الخطاب الذى استمعنا إليه ليلة المولد الشريف فأقول: لو أن المفكر الإسلامى عاد إلى النبع الصافى من الكتاب والسنة لوجد أمرين عظيمين وجه القرآن نظر تابعيه إليهما، وكلفهم بهما تكليفا.

أما الأول: فهو الانتقال من العزلة إلى هذه الأرض بما تحمله من إنسان وأحياء ونباتات وجماد، فيعمد المتدين إلى هذه الأرض وتلك البيئات، فيطور وينمى ما يحتاج إلى تطوير وإنماء، ويطهر كل بيئة من البيئات مما عسى أن يكون قد لحق بها من ملوثات.

وهذا كله داخل تحت قوله تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61].

وأما الثانى: الذى كلف الله به عباده فهو أن يحملَ تابعو هذا الدين قضاياه فى العقيدة والشريعة والأخلاق إلى كل مكلِّف بالحكمة والموعظة الحسنة، لا يفعل ذلك إلا كل بصير بدينه، فقيه بقضاياه.

وهذا مفهوم من قوله تعالى للملائكة: ﴿إِنِّى جَاعِلٌ فِى ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:30] ومن قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:56].

وإذا ما تجاور الأمران معًا ارتسم وجه الحضارة الإسلامية الحقيقى، فبإعمار الأرض يكون الإعمار المادى والازدهار الطبيعى، وبالتقدم فى الدين يكون حراسة هذه التصرفات المادية بالمنهج الأخلاقى الرفيع، ويكون الجميع مسئولاً أمام الله.

فافقهوا يا أولى الألباب.

 

أ.د./ طـه حبيشى

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة- بكلية أصول الدين - جامعة الأزهر

 

 

 

 

 

 

 

من مطلوبات جريدة المساء :  أ./ محمد عمر  ، للنشر فى رمضان 1429هـ

تَأَمُّلٌ

فيما يجرى على ألسنة الناس كلمات فيها كثير من المغالطة والإلباس.

وقد لا يكون المرء قاصدًا إلى هذه المغالطة أو إلى هذا الإلباس، وإنما يقصد إلى راحة النفس ويهدئه الخواطر الذاتية فى بعض الأحوال، ومع أن اللجوء إلى راحة النفس أمر مشروع إلا أنه إذا كان بواسطة أمر خادع يكون ضرره على الفرد والمجتمع عظيم.

ومن الأمثلة الدالة على ما نقول: ما نسمعه كثيرًا بعد المواقف المختلفة من كلمة (هذا نصيبى).

والذى يستعمل هذه الكلمة غالبا ما يقصد بها أن هذا قدره المحتوم، ولم يكن بدٌّ من وقوعه عليه.

والمتأمل فى الأشياء التى أمرنا الله أن نباشرها، أو الأشياء التى تقع بنا يجد أنها تنقسم إلى قسمين: أحدهما: هذه الأشياء التى ترتبط بأسبابها.

وهذا الصنف قد أمرنا الله عز وجل أن نتخذ له الأسباب، وأن الذين يتواكلون ويتقاعسون عن اتخاذ الأسباب والعمل على مقتضاها يحاسبهم الله عز وجل على هذا التقصير.

أما أولئك النفر الذين استجابوا إلى الله وعملوا على تعمير الأرض وتحصيل المصالح من خلال الأسباب التى خلقها الله، فهم المؤمنون حقا بشرطٍ واحد، وهو أن لا يتعلقوا بالأسباب على أنها آلهة تفعل ما تشاء فى تحصيل النتائج.

فإذا اتخذ المؤمنون الأسباب، ولأمر ما فاتتهم النتائج فلا يندموا، وعليهم أن يقولوا (قدّر الله وما شاء فعل).

أما القسم الثانى من الأشياء التى تقع بنا، فهو هذا القسم الذى لا نستطيع أن نتخذ له الأسباب، ولا نقيم له دراسة جدوى، إما لأنه فوق تصورنا، أو لأنه مُغيَّب عنا.

وهذا القسم ينبغى أن نلجأ إلى الله فيه، وهو الذى من أجله شرعت الاستخارة.

وبعد بيان هذين القسمين نقول: إن اللغة العربية والقرآن والسنة لم يستعمل واحد منهم كلمة النصيب بمعنى القدر، ولم يُجز الشرع أن نتواكل ونحتج بالنصيب، أو نتعلل بالقدر، فما ذلك كله إلا تدمير للفرد والأمة جميعًا.

أما الأمور الخاصة بالله فى تحصيل النتائج بعد اصطناع الأسباب، أو فى الأمور التى تعلو على اصطناع الأسباب، فهى كلها أمور نرجع فيها إلى الله قائلين: (قدر الله وما شاء فعل).

ونقول: (قدر الله وما شاء فعل) لأن محتوى هذه الجملة لا يؤدِّى بقول العبد: (هذا نصيبى).

والفرق بين النصيب والقدر فرق دقيق تعترف به اللغة وتقره الشريعة، فاللغويون يقولون عن النصيب: أنه الحظ من كل شىء.

وهذا الاستعمال نفسه شائع فى القرآن الكريم، فالذى يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها.

وفى قصة قارون ﴿وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا﴾ [القصص: 77].

أما الكافرون فهم سينالون نصيبهم وجزاء كفرهم بقضاء الكتاب فيهم ﴿أُوْلَـٰئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ [الأعراف: 37] والنصيب هنا: ما أخبر الله من جزائهم، نحو قوله تعالى: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّىٰ﴾ [الليل: 14]، ونحو قوله تعالى: ﴿يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ [الجن: 17] ونحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلْمُنَٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ﴾ [النساء: 145] ونحو قوله تعالى: ﴿إِذِ ٱلأَغْلَـٰلُ فِى أَعْنَـٰقِهِمْ وَٱلسَّلَـٰسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ [غافر: 71] فهذه أنصبتهم من الكتاب على قدر ذنوبهم فى كفرهم، والجمع: أنصباء وأنصبة.

هكذا تستعمل كلمة (النصيب) عند اللغويين وعند المتدينين، وفى استعمالات القرآن والسنة.

أما استعمالاتها الشعبية، فهى استعمالات غريبة على الكلمة وعلى مدلولاتها على السواء.

وهذا الاستعمال فى كثير من الأحوال يدعو إلى التواكل مجافيا الأسس التوكل وهو أمر خطير يجب أن نترفع عنه.