• الموقع الرسمي للدكتور طه حبيشي

أرشيف : مقالات

صرخة من بحار الظلمات في صدر بابا الفاتيكان

صورة افتراضية

.

 

 

 

 

  جريدة المساء                      أ / محمد عمر

                  26 شعبان 1427هـ-19 /9/2006م

صرخة من بحار الظلمات في صدر بابا الفاتيكان

       على غير توقع من الزمن، وعلى غير احتمال من العقل حملت أجهزة الإعلام مرئية ومسموعة ومقروءة صوت بابا الفاتيكان يتحدث من ألمانيا عن الإسلام، وما كان هناك ضرورة تحمله على هذا الحديث يعرفها الناس، وما كانت هناك علة ظاهرة يمكن أن يعلل بها أصحاب العقول ما تحدث به هذا الباب بين قومه وذويه هذا الحديث الشائه عن الإسلام ونبيه وتابعيه.

          والمتأمل في حديث البابا لم يجد لحديثه طرافة ولم يجد في حديثه من جدَّة، إنه ليس فيه طرافة، لأنه لا طرافة في الكذب، ولا طرافة في الحديث المكرور المعاد إلا أن تكون طرافة الرغبة في الإقدام على الحديث المكذوب أو الحديث المكرور المعاد.

          وحديثه ليس فيه نوع من الجدة وإنما هو أقرب ما يكون إلى هذا الحديث الذي يتشدق به أصحابه كلما استشعروا حقداً، أو أحسّوا بشئ من التخلف الحضاري، أو وجدوا في أنفسهم أمام التاريخ شيئاً من الإحبال يحرمهم التميز في ثقافتهم الضيق يجدونه في أصول تلك الثقافة يمنعهم أن يلحقوا بركب التقدم.

          هذه هي الحقيقة المرة خلف ما صرح به هذا البابا من تصريحات بعض أوصافها ما ذكرناه.

          وما كان لمثلي أن يرى أن تصريحات البابا عن الإسلام ونبيه وتابعيه قد جاءت منه عفو الخاطر، أو صدرت عنه وهو مغيب العقل يفقد كثيراً من وعيه، أو أنه قد تفوه بها في حالة من تأثير الزهيمر على مثله.

ما كان لمثلي أن يرى ذلك أو يعتقده، لأن الشواهد المعاصرة لحديثه تقول غير ذلك.

          لقد عاصر حديثه المكذوب حديث آخر مهموم بهم ثقيل صدر عن أحد حاخامات اليهود، قال فيه اليهودي: إنه لا حل لمشكلة الناس مع الإسلام إلا أن يقوم العالم بتقتيل وذبح الذكران من أطفال المسلمين.

          وكلام اليهودي هذا كلام يحاول من خلاله أن يظهر ما يعتقده حاخامات اليهود وما يشعرون به تجاه الإسلام ونبي الإسلام والمسلمين الذين يتبعون الإسلام.

          وفي نفس الوقت نجد فم رئيس دولة كبرى ينفتح فتبدو البغضاءُ من فمه، تُعرب عن جزء مهم من صورة شوهاء صورتها البغضاء له، وما انطوى عليه صدره أكبر، لقد قال: رئيس هذه الدولة الكبرى: إن الإسلام دين الإرهاب، وإن بلاد الإسلام لا تصلح للديمقراطية، وإننا قد أعلنا الحرب على هذا الإرهاب، حرباً تعبر عنها هذه الحملات المتلاحقة، والتي لا يطفئ نارها إلا أن نستأصل  الفكرة الإسلامية وتابعيها على السواء.

          وجاء البابا ليكمل الدائرة، وهي دائرة على محيطها ثلاث محطات، أو ثلاث قواعد، كل منها يرمي المسلمين بشرر كالقصور المتحركة.

          جاء البابا ليكمل هذه الثلاثية بموقفه هذا الذي لا جدة فييه ولا طرافة.

          والشئ الذي لا أفهمه هو أن بعض المسلمين ما يزالون إلى الآن يتحسسون يد بابا الفاتيكان على أنها يد مباركة لشدة نعومتها، وما يستشعرون منها من أشياء تميز طراوتها وبرودتها.

          وكأني بهذا البعض من المسلمين لا يعرف أن طراوة هذه اليد إنما تمثل نوعاً من مادة مسمومة، حرص صاحبها أن تكون سريعة الامتصاص، قبل أن يدرك الناس أنها سبب للهلكة.

          ولقد حدد القرآن الكريم حقيقة هذه اليد وما تعبر عنه من مكنونات النفس، واعوجاج الوجدان داخل جسم البابا، فلقد قال القرآن كلمته في هذا الثالوث الذي ظهر ضد الإسلام في وقت واحد تحدد غايته ودوافعه " ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم" وبعد أن قطع الله كل أمل في إصلاحهم، منع النبي والمسلمين من أن يميلوا إليهم الميل كله أو بعضه، لأن ما يدعون إليه هوى لا يجوز اتباعه، والواجب اتباع ما عند الله لأنه هو الحق الذي يعرفه القوم، ممن لهم كتاب سماوي سابق يعرفونه فيؤمن به بعضهم ويكفر به آخرون " قل إن  هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون".

          ومع هذا التكتل البغيض الظاهر من هذا الثالوث إعلاميا على الأقل، فإن الله يطمئن عباده المسلمين حين يعلمهم أن هناك حديثاً خفياً لكل طائفة منهم على حدة "وقالت اليهود ليست النصارى على شئ وقالت النصارى ليست اليهود على شئ وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون".

          وما كان لمثلي من جهة أخرى أن يظن الظن كله أو بعضه ـ وهو يقرأ القرآن الكريم ـ أن البابا ونظائره يمكن لهم أن يجتمعوا مع المسلمين على نوع من المودة أو الرضى مهما كانت اللافتة التي تظلل هذا الرضى أو ذلك الوفاق.

          ومن أجل ذلك فإني أقول لقومي من المسلمين : إن علاج هذه المسألة، ينبغي أن يخضع لشئ من الاختبار العملي، إذ لا يصلح لعلاجه هذا الهياج وذلك الاضطراب الكائن لدى المسلمين اليوم، إنني أريد الأمة الإسلامية أن تطالب بشئ مهم، وهو تعليق حركة الحوار الديني أو الحضاري أو الثقافي إلى أن نضع لهذا الحوار ميثاق شرف يلتزم به الجميع، وحزام عفة لا يشذ واحد من أدعياء هذه الرغبة رغبة الحوار الديني أو الحضاري أو الثقافي عنه.

          ولو أننا استجبنا إلى هذه الدعوة وقمنا بتعليق أعلام هذه الحركة التي دخلنا فيها طائعين في خطوة تالية من خطواتها، قبل أن نرسيّ قواعد الخطوة الأولى، فإن هذا التعليق سيكون هو المحك الحقيقي لإبراز جدية موقف البابا وتحديد نواياه ومقاصده من دعوى حوار الأديان أو حوار الثقافات أو حوار الحضارات، فإن استجاب فما على المسلمين إلا أن يجلسوا مع أمثاله لإعادة هيكلة حركة الحوار الديني على الوجه الذي يظهرها جادة بحيث لا يكون لها ظاهر وباطن.

          أما ما يقوم به البابا الآن من اتهام المسلمين بأنهم لم يفهموا مقاصده.

          وأما ما يطالب به المسلمون من أن يعتذر البابا عن خطئه فهي وأمثالها أمور لا تصلح محكاً لاختبار النوايا، ولا تصلح مختبراً لإظهار حقيقة الوجدان.

          وإنا لمنتظرون.                                                  أ.د/ طه حبيشي