• الموقع الرسمي للدكتور طه حبيشي
الفقه الميسر

الفقه الميسر ...

الفقه الاسلامى الفقه الاسلامى الفقه الاسلامى الفقه ...

2008-09-28 03:55:37

أرشيف : مقالات

ماذا بعد رمضان

صورة افتراضية

ماذا بعد رمضان

همسة في أذن كل مسلم

          يقبل علينا رمضان في كل عام فنشتاق إلى مقابلته، ثم يرحل عنا رمضان في كل عام فيعود كل واحد منا إلى ما كان عليه قبل رمضان.

          وما إقبال المسلم على رمضان حين يقبل رمضان علينا إلا لمعرفته أن شهر رمضان موسم زمني تشحذ إرادة المسلم، ولإعادة الدفء للإيمان، ولتنشيط العلاقة الدينية بينه وبين ربه تتمثل هذه العلاقة في رفع نسبة الوعي بالتوحيد الذي يحمل على العبادة، كما تتمثل في رفع مستوى المحبة بين الناس بحيث تراهم متسامحين متعاونين متحابين طمعاً في الوصول إلى محبة الله ورضوانه.

          يقبل المسلم إذاً على رمضان بهذه الروح وهذا الفكر وهي روح سامية، وفكر رشيد.

          غير أن كثيرا من المسلمين لا يدركون الحكمة الغالية من اعتبار شهر رمضان موسماً سنويا معتبراً في الشريعة الإسلامية.

          والحكمة الغالية تدور كلها على محور واحد هو أن شهر رمضان يعتبر ظرفاً زمنيا لمعسكر تدريب يضم جميع المكلفين من المسلمين رجالاً ونساءً، وهو يحملهم جميعاً على غاية واحدة جماعها في النهاية تربية الإرادة الإنسانية.

          ولو أننا نظرنا إلى بداية فرض صيام شهر رمضان في العام الثاني للهجرة النبوية، لوجدنا أموراً كثيرا كلها دالة على هذه الغاية التي حصرناها في تربية الإرادة.

          فرمضان في العام الثاني للهجرة قد فرض على المسلمين أموراً لم يكن لهم بها عهد، وانتدبهم إلى أمور ربما تكون جديدة عليهم كل الجدة.

          ففيه فُرض الصيام على المسلمين من شهد منهم شهر رمضان وهو قادر على الصيام مع زوال الموانع، والصيام في حقيقته تأديب بالجوع وخضوع لله وخشوع.

          وفي رمضان الأول سُمح للمسلمين بالجهاد للدفاع عن أنفسهم، وتأكيد شخصيتهم الاجتماعية والدينية، وكان فيه يوم الفرقان، وفتحت مكة فيه فيما بعد.

          وفي رمضان أنزل القرآن الكريم في ليلة مباركة من قبل نزول القرآن فيها استعداداً لتلقي القرآن، وزادها نزول القرآن فيها شرفاً، فكانت هي ونظائرها على مر السنين ليلةَ القدر.

          وفي رمضان انتدب الناس للقيام، كما انتدبوا للبذل والعطاء.

          وفي ختام الشهر (وختامه مسك) قسم اللهُ العمل بينه وبين عباده، فعلى عباده زكاة الفطر، وألزم الله نفسه بمنحهم الأجر.

          إنه معسكر ولا شك حافل بالتدريبات.

          وعلامة المعسكر الناجح أنه يؤتي ثماره في المتدربين، بحيث يحولهم بعده إلى حال أسمى من الحال التي كانوا عليها قبله.

          والسؤال الحاسم والحرج في نفس الوقت هو الذي يوجهه المسلم لنفسه بعد رمضان بحيث يتساءل عن حاله بعد رمضان يقارنها بحاله قبله، فإذا وجد الحالين سواء، فعليه أن يأسى على نفسه، وأن يزجرها غاية الزجر، وإن وجده بعض رمضان أسوأ حالاً من تلك التي كان عليها قبله، فعليه أن يأخذ نفسه بالشدة، ويبكي بين يدي مولاه لينقذه من هذه الردة إلى تلك الوهدة السحيقة التي لا يحب ربه أن يراه عليها.

          والمسلمون ( ويا للأسف) لا تلفتهم هذه المقارنات وهي مهمة، ولا تأخذ بتلابيبهم هذه المهمات، وهي أمور ينبغي أن تأخذ بالعقول إلى أن تضع المسلم في الدرجة التي يرضى عنها ربه، ولا تهبط بصاحبها إلى مصاف الذين لا يراعون حق الله وحق رسوله والمؤمنين.

          ونحن على كل حال لا نحب أن نرى المساجد بعد رمضان خرابا، كما لا نحب أن نرى قلوب المسلمين قاسية، إننا لا نحب أن نرى هذا الإهمال المتعمد لكتاب الله عز وجل، وتحويله إلى قطعة من الزينة تُزين بها المجالس أو رفوف المكتبات، وقبل ذلك وبعده إنه ينبغي علينا جميعاً أن نخجل من الله إذا أصابت علاقتنا به الفتور، أو طرأ عليها شئ يكون مثاراً لعدم رضى الله عنا، أو سببا لسخط الإخوان.

          وداعاً يا رمضان ولا أوحش اللهُ منك.

          ونشاطاً يا إخوتي في الإسلام يحقق فينا وصف أننا استفدنا من رمضان، ورجاءً في الله أن يجمعنا جميعاً في طاعته، وأن يعيد علينا رمضان أعواماً كثيرة، وأزمنة مديدة.

          وكل عام أنتم بخير.

* * *

                                                د/ طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

   بجامعة الأزهـر