• الموقع الرسمي للدكتور طه حبيشي

أرشيف : مقالات

مثل فى آية

صورة افتراضية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

من مطلوبات جريدة الجمهورية                      للنشر في رمضان 142 9هـ

أ / فريد إبراهيم                                       

----------------------------------------------

مثل في آية ( 1 )

          إن من رحمة الله بالعباد أنه يقرب لهم المعنى بصورة محسوسة حتى تستوعبها أفهامهم، وحتى تكون قريبة من عقولهم.

          ونحن الآن أمام صنفٍ من البشر بعد صنفين ، كلاهما أبصر طريقه، وكلاهما ظاهر للعيان، هما : المهتدون والكافرون.

          والصنف الذي معنا يضم أفراداً لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، إنهم قد اطلعوا على الإيمان وعرفوه، واطلعوا على الكفر وأحاطوا به، غير أن المعايير اضطربت بين أيديهم، لأنها معايير المنفعة الدنيوية العاجلة.

          فقد رأوا لهم منافع ومصالح عند المسلمين، ومنافع ومصالح عند الكافرين، ولا تتحقق لهم منافعهم لدى هؤلاء أو هؤلاء إلا بالولاء.

          والولاء لا يتأتى من الرجل لوجهتين متقابلتين، إذ لابد أن يختار بينهما.

          وهذا الصنف من الناس يصعب عليهم أن يكون ولاؤهم في اتجاه واحد، بل قد سولت لهم أنفسهم أن يجمعوا بين الولاءين بأدوات يخلقونها في شخصيتهم، يجمعها جميعاً أنهم يظهرون الإيمان في جلساتهم مع المؤمنين، فإذا خلوا إلى شياطينهم من  رجال الكفر قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزءون.

          وهذه الشخصية المزدوجة ، وما يصدر عنها من تصرفات متناقضة شخضية جديدة لم يكن لها وجود في مكة، ولم تكن شائعة في جزيرة العرب، لأنها إلى طباع اليهود أقرب.

          وهذه الشخصية على كل حال ربما يصعب على العقل العربي تصورها، كما يصعب على العقل المؤمن هضمها.

          والإسلام في جميع الأحوال لا يتسع صدره لتقبل مثل هذه الشخصية، كما أنه لا ي تسع نطاقه ليضم أفراداً من هذا النوع..

          ولما كانت هذه الشخصية غامضة وسلوكها غير سوي، ضرب الله لتوضيحها الأمثال.

          فقال تعالى يشير إلى هؤلاء المناقين "أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين" (البقرة : 16).

          وهذه الآية من سورة البقرة توضح هذه الشخصية المزدوجة أصدق توضيح.

          فلنا أن نتصور أنفسنا أمام أناس في سوق للتجارة، فيه سلع رائجة ازداد عليها الطلب، فارتفع بسبب الإقبال عليها أثمانها وهي تجارة جيدة في ذاتها، مرغوب فيها من قبل من يرونها.

          وهذه التجارة في يد أناس هم المالكون والحائزون لها.

          وهم مع ملكيتهم وحيازتهم لهذا الجيد من السلع تركوه والطلب عليه شديد، وزهدوا فيه والناس عليه مقبولون، وازوروا عنه والنفوس له متشوفة وفيه راغبة.

          وهم لم يقفوا عند هذا الزهد النفسي، والازورار السلوكي، وإنما تركوه وأخذوا عوضاً عنه هذا الردئ الكاسد الذي تعافه النفوس وتنفر منه الطباع.

          وهذا الصنف من الرجال لا شك أنه سيخسر في تجارته، بسبب أنه ضال في تصرفاته، يملك من الأجسام أجسام البغال، ويملك من الأحلام أحلام العصافير.

          هذه هي الصورة الحسية التي توضح الصورة المزدوجة للمنافق.

          فالله عز وجل قد مكنّه من الإيمان، وفتح له الطريق كي يُشْرِ به قلبه، فأصبح بمنزلة الحائز له المتمكن منه بالملكية.

          ومع هذا التمكن يجد المنافق نفسه أمام الإيمان وقد ملك وحاز شيئاً نفيساً، ومع ذلك فقد تركه إلى الكفر والطغيان وجعل انتماءه إلى الكافرين والطغاة، فخسر دنياه وأخراه وما ربح شيئاً وخسر مع ذلك طريقه الذي هو طريق المهتدين.

                                                د/ طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة


من مطلوبات جريدة الجمهورية                       للنشر في رمضان 1429هـ

أ / فريد إبراهيم                                       

----------------------------------------------

مثل في آية ( 2 )

          ومرة أخرى تتحدث آيات سورة البقرة عن الصنف الثالث من البشر وهم المنافقون ، في مثل يقرِّب المعاني العليا إلى الأفهام بضرب المثل الحسيّ.

          قال تعالى : " مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون * صم بكم عمي فهم لا يرجعون" (البقرة : 17،18).

          وعلى قلة الألفاظ في هذا المَثَل ، فإن مجموع الجملة التي احتوته قد وصلت من تحقيق الغرض إلى أقصى الغاية ؛ فالمنافقون في المدينة من العرب ومن اليهود يخالطون المسلمين، ويدركون منهم هذا الدين في جرعات متواليات كل جَرْعَة منها تُجلى الحق وتوضحه؛ إذ الإسلام يعالج شئون النفس، وشئون الحياة، وشئون الكون جميعاً، ولم يَر المنافقون من المسلمين إلا ما يؤكد سلامة المنهج الموحي به من الله ، ومع تلقي المنافقين هذا المنهج على مَهَل، فقد انتهت بهم نفوسهم الشريرة والأمارة بالسوء إلى نتيجة غير متوقعة ، لا تنسجم مع المقدمات التي حصلوها على مَهَل عن هذا الدين من المسلمين، حيث كفروا وستروا كفرهم ولم ينتفعوا بالحق الذي لاح لهم.

           هذه هي أحوال المنافقين التي يمكن تلخيصها في حالتين :

          إحداهما : تلقي حقيقة الإسلام على مَهَل لتضيئ لهم جميع الزوايا في رفق.

          وثانيتهما : التخلص من الإسلام جملة من غير سبب مفهوم ولا مصلحة متوقعة .

          ولما كانت أحوال المنافقين ، والتي احتواها هذان القسمان يصعب تصورها في بعض العقول، جاء القرآن الكريم لها بهذا المثل الذي احتوته الآية المذكورة.

          وخلاصة هذا المثل في مرحلتين :

          المرحلة الأولى : أن نتصور إنساناً أو جماعة في بيداء أو صحراء اشتدت بهم الظلمة حتى كاد الطريق أن يضيع من أقدامهم، فعمدوا إلى نار يستوقدونها، نعم يستوقدونها، والتعبير بـ (يستوقدونها) غير التعبير بـ (يوقدونها).

          إن الاستيقاد معناه : طلب وقود النار مرحلة بعد مرحلة من خلال معالجة تأتي على مَهَل .

          أما الإيقاد : فقد يأتي طفرة واحدة باصطناع أقوى الأسباب للاشتعال السريع.

          ولقد تجنب التعبير القرآني استعمال (الإيقاد) لأنه غير مراد، وإنما المراد (استوقد) ليدل على مرحلة مقصودة عند المقابلة مع أحوال المنافقين.

          أما المرحلة الثانية : فهي تلك المرحلة المتمثلة في هذه النار بعد ما اكتمل اشتعالها وتوقدها فأضاءت الأشياء المحيطة بها.

          والتعبير بـ ( أضاءت ) مقصودٌ لذاته هنا ، كما أن إضاءة الأشياء هي المقصودة كذلك .

          وحين يقول القرآن " فلما أضاءت ما حوله " يكون قد لمس جزئية هامة في النظرية البصرية، وهي أن الإنسان لا يبصر إلا إذا وقعت الأشعة الضوئية على جزء معتم، تنعكس منه أو تتشتت عليه لتقع على عين المرء للتسلل إلى الشبكية والعصب البصري ثم إلى المخ ، فيتم رؤية هذا الشئ الذي أضاء بالنار.

          وحين يكون الضوء الساقط على أشياء أشد لمعاناً وأقوى في ذاته من غير خروج على المجال البصري، وقدرة العين الطبيعية على الرؤية تكون الصورة أكثر وضوحاً من ناحية ، غير أن هذا الضوء لو سُحب فجأة، لما أمكن للعين أن تتكيف مع الظلام، بل إن صاحبها يجد نفسه في حالة من العَمَى لا يبصر معه شيئاً ، الأمر الذي يُلجئه إلى الصياح طالباً النجدة ، ولو قد وجد نفسه وقد ضُرب على مراكز الكلام فيه فصار أبكماً ، لازداد حرجه، وارتفعت نسبة تخبطه في الظلام، ولم يعد أمامه إلا أن يُصيغ السمع لعل متطوعاً يصيح به يرشده إلى الطريق ليكون هذا هو أمله الوحيد، ولو قد وجد نفسه وقد ضُرب على أذنيه لا يسمع ، فقد انقطع أمله كله وصار لا يرجع إلى الطريق الذي تعرّف على صدقه وسلامته حين اجتازه في الضوء خطوة بعد خطوة .  

          وقبل أن ننهي الحديث عن هذا المثل، نجد أنه من اللازم اللازب أن نشير إلى دقة التعبير في قوله تعالى : " ذهب الله بنورهم" إذ الذهاب بالنور غير إذهاب النور، فإذهاب النور محوه والقضاء عليه بإطفاء مصدره، أما الذهاب به فهو يعني اصطحابه من مكان تواجده إلى مكان آخر مع الحفاظ عليه بقدر طاقة وقدرة الذاهب به.

          والمثل هنا لا يحتمل إذهاب النور بإطفاء مصدره، لأن مقابله في المعقول المراد توضيحه هو الإسلام، والإسلام لا يذهب نوره بإعراض المنافق عن اعتناقه، وإنما يبقى الإسلام نوراً مضيئاً، يذهب به الله من قلب المنافق إلى قلوب أخرى تستضئ به وتظل في ضوئه إلى يوم " يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم" وهم يقولون : " ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا " ، وعند ذلك يقول المنافقون لهم: " انظرونا نقتبس من نوركم " فيسخر منهم المؤمنون حين يقولون لهم : " ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً فيضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب " فيندمون ولات ساعة مندم .

          إنها صورة تمثيلية في مثل احتوته هذه الآيات من القرآن الكريم يكون فيها حال المنافق الذي سعى إليه الإسلام في تؤدة فرفضه جملة، كحال الذي استوقد ناراً في تؤدة فلما أضاءت ما حوله وأوشكت أن تتكيف مع الضوء عيناه "ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون * صم بكم عمي هم لا يرجعون".

* * *

                                                د/ طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة


من مطلوبات جريدة الجمهورية                       للنشر في رمضان 1429هـ

أ / فريد إبراهيم 

----------------------------------------------

مثل في آية ( 3 )

          إن المعلوم أن البشر بالنسبة للإقبال على الله أنواع، وأشهر أنواع البشر هم المنافقون.

          وللمنافقين أحوال ينتفع بها الدعاة وهم يعالجون أمورهم في دعوتهم إلى الله.

          فالمنافق يترك انتفاعه بهذا الدين إلى الإعراض عنه وهي تجارة خاسرة.

          ورب العباد يترفق بالمنافق فيضئ له عقله المرة بعد المرة ، ولكنه ينفُض عنه الإسلام جملة ، فلم يُبق المنافق لنفسه من وسيلة يصطنعها الدين لمحاولة هدايته إلا أن يأخذه الله بالشدة وهو يضيئ له الطريق، فيمزج له الحق ببعض الشدائد عله ينفض عنه غباراً قد ألقت به الرياح على قلبه، فران قلبه وأوشك أن ينغلق.

          وهذه الصورة المعقولة التي تمثل جانباً من جوانب المنافقين يسوقها القرآن في صورة تمثيلية من خلال مثل يوضحها ، فيقول الله عز وجل : "أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين * يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شئ قدير " (البقرة : 19 ، 20).

          إن ( أو ) المذكورة في أول هاتين الآيتين إنما هي للتسوية، أي أن هذا المثل المذكور فيها مساوٍ للمثلين المذكورين قبله من حيث إن كلاً من هذه الأمثال إنما يوضح جانباً من جوانب شخصية المنافقين وحالٍ من أحوالهم مع الانتماء لهذا الدين .

          والصورة المحسوسة في هذا المثل الذي نحن بصدده يدركها كل امرئ يعيش في الصحراء على طريقة من طرق المعيشة البدوية.

          فالبدوي يأتيه المطر من السماء كما يأتيه الماء من عيون الأرض وآبارها، لكن الصورة التمثيلية هنا لا يصلح فيها إلا التصوير بماء ينزل من السماء.

          والماء الذي ينزل من السماء شديداً إنما يحمل البشري إلى سكان الصحاري بأن الأرض ستستقبل هذا المطر، ثم تهتز به وتربو .

          وهذا المطر الشديد أو الصيب المنهمر إذا نزل ليلاً كان معبراً عن ظلمة الليل، وظلمة السحب ، وظلمة ستارة المطر الشديد التي تلف سكان الصحاري بظلمات بعضها يؤازر بعضاً.

          ومع هذه الصورة المطمئنة التي ليس فيها من الإزعاج إلا شدة الظلام ، نجد أن القرآن يدخل عليها إزعاجاً آخر أشد وأعنف، متمثلاً في الرعد الذي هو الصوت الصادر عن التقاء السحاب الذي يحمل شحنات كهربائية متباينة بعضها سالب وبعضها موجب، والبرق وهو الضوء الناتج عن التقاء هذه الشحنات الكهربائية المتقابلة، والناشئة من احتكاك السحاب، وهو برقٌ فيه من شدة اللمعان ما يكاد يخطِف الأبصار، والصواعق وهي كتل الحمم الساقطة على الأرض، والتي تُلقي بالرعب في نفوس الناظرين والسامعين لها، فتحملهم على تصرفات لا تكاد تغنيهم شيئاً، كأن يضعوا أناملهم في آذانهم حذر الموت، ولفرط الرعب في صدورهم لا يدركون أن فتحان الآذان ضيقة لا تكاد تحتمل إلا مقدمات السبابة تدخل فيها ، ومع وضوح هذه الحقيقة نجد الرعب يحملهم على أن يلحوا على أن يجعلوا أصابعهم في آذانهم.

          هذا والناظر في الصحراء إلى هذه الصورة، يجد نفسه متمكناً من الحركة والمشي الذي يزجره فيتحول إلى سير، ثم يزجر السير أحياناً فيتحول إلى العدو في حالة إذا ما أضاء البرق أمامه الطريق المرة بعد المرة، ولكنه يجد نفسه واقفاً لا يتحرك قائماً أو مقيماً لا يقدر على أن يغادر مكانه إذا غاب البرق أو أظلم به المكان.

          والبدوي في كل ذلك لا يخاف إلا من هذه الصور الكونية دون أن يرجع بها إلى سببها الحقيقي الذي هو الله وهو أحق أن يخشاه، إذ لو شاء الله عز وجل لذهب بسمع المرء وبصره على غير احتياج لهذه الأسباب الكونية في الذهاب بسمع المرء وبصره، فالله على كل شئ قدير.

          إن هذه الصورة الحسية فيها خير مطمئن ونُذر مزعجة ، وفيها من أسباب الهداية لسلوك الطريق المستقيم، وأسباب الضلال التي تجعل المرء على نقطة واحدة لا يغادرها، فلا تقدّم ، ولا حركة، ولا نشاط ، وفيها إشارة إلى أن خير الله إلى عباده نازل من السماء له من امتياز صفات العلو والشرف ما لا يعقله إلا العالمون.

          وفي الصورة التمثيلية كذلك لفت النظر إلى أن ما في الكون من ظواهر ليست مستقلة، وإنما لها مرجع وهو السبب الأول الذي سببها.

          وهذه الصورة الحسية هي التي تقرب لنا حالة من لطف الله بعباده، حيث يدعوهم إليه بإيضاح الدليل، فإن لم يستجيبوا أخذهم بالشدة، فإن لم يستجيبوا كانوا كالأرض الملحة، أو كالعبد الفاسد الطباع كلما توجهه لا يأتي بخير.

          فسبحان من هذا كلامه والصلاة والسلام على من تلك معجزته.

*  * *

د/ طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة


من مطلوبات جريدة الجمهورية                       للنشر في رمضان 1429هـ

أ / فريد إبراهيم 

----------------------------------------------

مثل في آية ( 4 )

          لقد ذكرت سورة البقرة ثلاثة أمثال تعبر عن معالجة المنافقين من زوايا ثلاث.

          ويظهر لكل عاقل أن هذه الأمثال حين ضربها الله عز وجل ليبين بها الحالة النفسية للمنافقين، والعناصر التي تكونت منها شخصيتهم، قد أحاطت بهم إحاطة السوار بالمعصم، أو الخاتم بالإصبع.

          غير أن نفوسهم الأمارة بالسوء ما تزال فيها الرغبة بالهجوم على القرآن الكريم، وعلى مصدره، وعلى منتهاه، فانتقلوا من بيان الغرض الذي من أجله تُضرب الأمثال إلى بيان المادة التي بُنى على أساسٍ منها المثل، وهو مسلك لا يسلكه إلا من فقد رشده، ووصل الخلل في شخصيته إلى حد الفصام.

          والشئ الغريب أن المنافقين قد استقطبوا الكافرين إلى معسكرهم ليكثُر بهم عَدَهم ، آملين أن يكون في ذلك العدد وكثرته ما يفيدهم على ميزان الترجيح، فاجتمعوا على قول واحد يرددونه وسط أضواء لامعة، وركل الأرض بالأرجل، وضرب المناضد بالأكف، تساعدهم مجموعة من الغوغاء بالمكاء والتصدية، أو الصفير والتصفيق، فقالوا : " ماذا أراد الله بهذا مثلاً " .

          وأجابهم الله بما انتهى إليه الغرض من المثل فقال : " يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً وما يضل به إلا الفاسقين  * الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون " (البقرة : 26 ، 27).

          والمنافقون منذ أوائلهم إلى هذا العصر وما بعده حين حاصرهم القرآن بضرب الأمثال توضح أحوالهم ومواقفهم وشخصياتهم انتقلوا من واقعية المناقشة، وموضوعية الاستقبال، إلى ما يشبه الهوس المتضمن للهجوم والسخرية، ففقدت أرجلهم الطريق إلى الصواب.

          الأمر الذي جعل القرآن الكريم يتوقف قليلاً للتأكيد على أن ضرب الأمثال يعد ضرورة فكرية يقتضيها المنهج الرشيد في التعليم والتعلم، والإفهام والتفهيم.

          فقال عز وجل : " إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلاً " (البقرة : 26).

          والمتأمل في هذه الآية وهو صاحب فطرة سليمة يعلم أن القرآن له الأسبقية في لفت الأنظار إلى الطرق القويمة للتربية والتعليم.

          والمتأمل في هذه الآية وهو قارئ جيد للطرق التربوية في كل عصر، سيعلم أن ضرب الأمثال هو من أهم وسائل الإيضاح التي تقوم بوظيفة تقريب المعقول بواسطة المحسوس إلى الفهوم.

          والمتأمل في هذه الآية وهو موضوعي النظرة سليم القلب مترفعاً عن الشنآن ، إنما يشهد لهذا الدين بأن نصوصه لا تخلق على كثرة الرد، وإنما هي نصوصٌ أبكار، أفكارها غضة طرية تمتلئ بالنضرة والحيوية، كأنها نتشبث في كل عصر بالحداثة، مع أنها الأزلية القديمة.

          إنه لم يعد غائباً أو خافياً أن من أهم طرق التعليم اصطناع الوسائل الحسية، كالخرائط على الورق، والصور على الألواح، واتخاذ المادة المرنة للتشكيل والتصوير.

          ووسائل الإيضاح يصطنعها المعلمون للأطفال والصبيان، فينصرف الأطفال والصبيان عن المادة التي تُتخذ منها وسائل الإيضاح، إلى الغرض الذي ترمي إليه هذه الوسائل، والهدف الذي يستعملها المعلمون من أجل تحصيله.

          وما رأينا أحداً من الصبيان في أوائل الطلب يعيب على الأستاذ المعلم رداءة الورق الذي رسمت عليه الخرائط، أو حقارة المادة المطاطية التي اتُخذ منها التماثيل المعبرة ، وإنما الصبيان في أوائل الطلب يدركون الهدف والغاية.

          أما الشانئون على الدين ونصوصه ونبيه، فإنا نجدهم ينشغلون بالوسائل عن الغايات انشغالاً يعبر عن حجم ما يتكدس في صدورهم من الشنآن.

          فالله يتحدث عن هوان آلهتهم من الأصنام في كل عصر، بأن أصنامهم التي يعبدونها ليس لها قدرة على خلق الذباب، بل وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه، لأنه قد ضعف الطالب والمطلوب.

          وحين توهم من لا عقل لهم أن آلهتهم قادرة على النصرة، وقادرة على تحريك الكون، ضرب الله لهم مثلاً خلاصته : أن آلهتهم يشبهون بيت العنكبوت في الوهن والضعف، وهو أمر يدركه العامي والمتخصص.

          ولا ينصرف واحد منهم إلى مدى الإحكام في بيت العنكبوت، لأنه غير مراد في مجال التشبيه ، كما لم ينصرف واحد منهم إلى مقارنة تماسك الخيط الواحد من خيوط العنكبوت من حيث أجزائه مقارناً بمثله في السُّمك من خيط الحديد مثلاً، وأن خيط العنكبوت إذا قورن بمثله من الحديد كان أشد منه صلابة.

          إن العامي والمتخصص جميعاً يدركون المغزى من المثل، وأنه وسيلة إيضاح يتميز القرآن برسمها بالكلمات تميزاً يتفوق به على جميع وسائل الإيضاح حين تراها العيون.

          فما من مثلٍ يضربه القرآن ليوضح به فكرة معقولة إلا وللجانب المادي فيه من صور الإعجاز التي تدل على حكمة الحكيم لمن أراد أن يجعل مادة المثل تحت المجهر.

          تلك حقائق علميةُ يؤمن بها أصحاب الفطر السليمة، وأصحاب التخصصات في مجال التربية، وأصحاب القلوب المنزهة عن الشنآن.

          والتصريح بالحقائق المطلقة والتمسك بها طبيعة لا يتخلى القرآن عنها، ولا يستحي من إيرادها، مهما كانت المادة المستخدمة في تصميم وسيلة الإيضاح.

          " إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها " وما كان للقرآن أن ينصرف عن الحق والحقيقة لوجود أناس يلغون في الحق وفي الحقيقة "فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم" وأما الذين كفروا فإنهم كلاب القافلة حين تسير القافلة والكلاب تنبح .

* * *

د/ طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة

من مطلوبات جريدة الجمهورية                       للنشر في رمضان 1429هـ

أ / فريد إبراهيم 

----------------------------------------------

مثل في آية ( 5 )

          إن القرآن الكريم مع كونه كتاب هداية يشرع من التكليفات ما يعين الإنسان على سلوك الطريق إلى الله بإصلاح نفسه ، وبإصلاح العلاقة بينه وبين بني نوعه، وبالتطلع إلى اصطناع كل وسيلة تجلب عليه رضى الله عز وجل.

          إن القرآن مع أنه كتاب هداية على هذا النسق، إلا أنه كثيراً ما يتعرض إلى تحليل الشخصية الإنسانية تحليلاً يُبرز العناصر الكامنة فيها ويجعلها ظاهرة للعيان.

          ومن هذا القبيل ما ذكره الله في تحليل شخصية طائفة من البشر، امتد بها التاريخ بحيث ارتبط السلف منهم بالخلف، وتوارث الخلف منهم صفات الأسلاف لا تخطئهم واحدة منها، فصار أولهم كآخرهم، وأدونهم في التاريخ كعاليهم فيه، فهم أمة بعضهم من بعض .

          ومن أهم صفات هذه الأمة أن قلوبهم قد قست.

          وإن الشأن في القلوب القاسية إذا ما تعرضت إلى رجفة اجتماعية أو طبيعية أصابتها هذه الرجفة بالوجل والخشوع لله عز وجل، وجلاً وخشوعاً يصلحان ليتأسس عليهما مراجعة للنفس في علاقة الإنسان بأبناء نوعه ليرضي ربه، فتكون القلوب بذلك مصدر خير وبركة وينبوع رأفة ورحمة.

          وهذا الأمر على بساطته في تصور العقول له، لم يتحقق في هذه الأمة من بني إسرائيل منه ولا عُشر معشاره.

          وهذا أمر غريب وشاذ .

          ولما كان هذا المعنى شاذاً وغريباً ، أتى الله له بمثال توضيحي، رأته هذه الأمة في أوائلها رأي العين ، وعلمه أواخر هذه الأمة لثقتهم في تواتر الخبر عن أسلافهم الأقدمين، فكان هذا المثل وسيلة إيضاح تقرب المعنى إلى الأذهان غاية التقريب .

          قال تعالى في سورة البقرة يتحدث عن بني إسرائيل في عهد نبيين موسى عليه السلام وخاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم : " ... ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون " (البقرة : 74).

          والمتأمل في هذه الصورة التمثيلية يجد أن الله يتحدث عن الصخور الصماء التي لا تصلح للزراعة ، وقد يظن الظانون أنها ما دامت كذلك فإنها لا خير فيها ولا رحمة ، ( أي أنها قاسية ) ، غير أن هذه الصخور قد يعتريها من الرجفات أو الأحوال التي تتبدل عليها ما يجعلها تجود بأسباب الرحمة والخير أو النماء والخصب.

          فإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار، وهو ما نراه حين تحمل الجبال على رءوسها الجليد الذي يذوب بالحرارة فينصبُّ على الجبال الصخرية ماءً عذباً تجود به الصخور على العالمين.

          ولقد رأى أسلاف القوم جود الأحجار الصخرية بالماء حين ضربها موسى بعصاه فتفجر من الصخر اثنتا عشرة عينا على عدد بطون بني إسرائيل يومها.

          وجودة الصخور بالماء يجري فوقها أنهاراً أمر لا تُنكره العين، ولا يتنكر له التاريخ.

          وإن من الحجارة لما يتشقق فينفجر الماء من داخله عيوناً، وهي ظاهرة طبيعية معروفة، يعرفها من رآها بالعين، ويعرفها من درسها وتعلمها بالأخبار المتواترة.

          وإن من الأحجار لما يهبط من خشية الله على نحو ما رأى أسلاف القوم أيام موسى حين ألجؤه إلى أن يقول لربه : "رب أرني أنظر إليك" فقال له ربه: "لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقاً " .

          وهبوط الجبال ظاهرة معروفة ، وكون هذا الهبوط من خشية الله أمر تحتويه عقيدة كل مؤمن ، يعلم أن الجبل يخشع من تجلي ربه له ، ومن سماع كلام الله وحيا يوحي به إلى نبي من أنبيائه " لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون".

          هذه هي الصورة الحسية أو وسيلة الإيضاح التي قدمها القرآن الكريم ليقرب بها فهم حالة غريبة من حالات قساوة القلوب، فهي كالحجارة أو أشد قسوة من الحجارة، ففي الحجارة خيرها وبرها وأسباب الرحمة المشتملة عليها.

          أما ظاهرة قسوة القلوب لدى هؤلاء القوم فليس فيها من ذلك كله شئ يُبين عن إمكان تحولها من القسوة إلى الرحمة.

ولله في خلقه شئون .

* * *

د/ طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة

 


من مطلوبات جريدة الجمهورية                       للنشر في رمضان 1429هـ

أ / فريد إبراهيم 

----------------------------------------------

مثل في آية ( 6 )

          إننا حين نتتبع الأمثال التي أوردتها سورة البقرة ، نجد أنها وهي تصور المعاني العقلية تنقلنا من حال إلى حال حسب تصديها لأصناف الناس، وأحوال كل صنف، وسلوك كل فريق في أفراده وجماعاته.

          وفيما مضى ضرب الله الأمثال للمنافقين ، كما ضرب المثل للشخصية اليهودية في بعض العناصر المكونة لتلك الشخصية، ثم وجدنا سورة البقرة توقفنا على مثل يوضح صورة الكافرين الذين استمرءوا الشرك بالله وتأبَّوا على اتباع منهجه.

          وصورتهم التي تخاطب العقول هي أنهم قد اتبعوا خطوات الشيطان، وأنصتوا إلى غواياته، ولم يستجيبوا لصوت الحق مصطنعين لهذا الرفض حجة أنهم قد وجدوا آباءهم على مناهج وعقائد، وهم على ما كان عليه الآباء والأسلاف، حتى ولو كان آباؤهم لا يعقلون فكرة ولا يهتدون إلى سلوك.

          وهذه الفكرة المعقولة، والتي تشرح حالة المشركين كان يمكن تصورها لولا أن المشركين قد أتاح الله لهم أدوات الفهم المنحصرة في السمع والبصر والكلام، كما أتاح لهم أدوات التمييز وإمكانات التحليل والتركيب والأداة القادرة على استنتاج النتائج من المقدمات، فيما يُسمى بالتعقل، والتدبر، والفهم.

          وطائفة هذا شأنها يصعب تصورها سلبية منقادة، إمَّعة لا تقدر على توجيه الإرادة، ولا تخفُّ إلى الحركة التي توصلها إلى هدف.

          ولما كان تصرف الكافرين أو المشركين على هذا النحو السلبي، الذي يخلد بهم إلى الأرض مع قدرتهم على التميز وملكيتهم لأدواته مدهشاً للعقول، متأبياً على الفهم، ضرب الله له مثلاً يقربه إلى الفهوم من خلال لوحة مصنوعة من الألفاظ هي في الحقيقة وسيلة إيضاح هامة على لغة علماء التربية، فقال تعالى ضمن حديث عن الكافرين والمشركين : " ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعآء وندآء صم بكم عمي فهم لا يعقلون" (البقرة:171).

          فماذا نرى في هذا المثل ؟ .

          إنه مثلٌ مضروب من خلال البيئة ، ومن خلال كل بيئة مشابهة لبيئة العرب.

          وهو مثل لبساطته قريب المنال، سهل الإدراك مهما اختلفت البيئات.

          فالمرء بإمكانه أن ينظر أو يتخيل قطيعاً من الأنعام فيه رغاء الإبل، وثغاء الشاء ، وخوار البقر ربما تخالط أصوات التوابع لهذا القطيع من الحمر المستأنسة، أو الكلاب التي تُتخذ للصيد أو الحراسة، فيُحدث الجميع صوتاً وضجيجاً لا يمكن معه الإصغاء إلى حديث.

          وهذه الأنعام وتوابعها قد تتحرك بالزجر، كما تتحرك بالأهداف الحقيقية القريبة، وهي في نفس الوقت تحركها الأهداف الزائفة، والتي يكون فيها حتفها.

          ولا تكتمل صورة المثل إلا إذا ضممنا إليها شخص الراعي الذي يهتف بهذه الأنعام بصوت تعرفه العربية باسم : ( النعيق ).

          والراعي يتعامل مع الأنعام بأصوات قد دُربت عليها هذه الأنعام، فهي تستجيب لها دون أن تفقه لها معنى، أكثر من أنها تستجيب لهذا النعيق حسب الألفاظ التي خصصت لطلب الإقبال أو الإدبار ، أو الزجر أو الإقامة ، أو ما أشبه ذلك من هذه الدلالات القريبة لتلك الألفاظ التي تصدر عن الراعي، ولها عنده أغراض ومقاصد.

          والراعي قد تصدر هذه الألفاظ عنه يحرك بها هذا القطيع إلى ما ينفعه من الرعي أو الماء، أو ما لا ينفعه كأن يسوق القطيع أو بعضه إلى الذبح.

          وما استجابة الحيوان إلى الناعقين على هذا النحو إلا لأن الحيوان لا يملك أدوات التفكير، كما لا يملك أسباب التعقل.

          هذه هي الصورة المادية لهذا المثل ، قرب بها حالة الكفار الذين تأبوا على العقيدة والمنهج من غير سبب معقول أو غير معقول، هم في النهاية كالأنعام، بل هم أضل، لأن الأنعام قد استجابت إلى الناعق يهتف بها لخيرها أو لشرها وهي لا تملك أداة الفهم أو التعقل.

          أما الإنسان الكافر فهو قد وضع نفسه في هذا النطاق هو وإخوانه، معطلين ما أعطاهم الله من وسائل الإدراك ، فصاروا كما وصف ربنا "صم بكم عمي فهم لا يعقلون" .

* * *

                                                د/ طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة

 


من مطلوبات جريدة الجمهورية                       للنشر في رمضان 1429هـ

أ / فريد إبراهيم 

----------------------------------------------

مثل في آية ( 7 )

          ما أكثر ثراء القرآن، وما أعظم نعم الله تعالى على الإنسان.

          إن هذه صورة أخرى من وسائل الإيضاح التي يوردها القرآن الكريم لتسهيل الإدراك على قوى الإدراك.

          والقرآن يريد أن يتحدث عن المؤمن المعطاء الذي ينتصر على إغراء المال الذي هو شقيق النفس، وإغراء إحجام العطاء من كل نوع والذي يقعد بصاحبه عن أن يمد يده للغير ليزيل عنه آلامه وشدته.

          إن الصورة المعقولة التي يريد القرآن أن يوضحها هنا، هي أن المؤمن ينفق في سبيل الله علمه وماله وحياته، فيعود هذا الإنفاق عليه وعلى المجتمع بأضعاف ما يتوقع له من الثمرة.

          فالمجتمع يستفيد من إنفاق أفراده : التخلص من الأمراض وأسبابها إذا كان الإنفاق في مجال الصحة، والتخلص من الجهل وعوامله إذا كان الإنفاق في مجال التعليم، والتخلص من معوقات الحضارة إذا كان الإنفاق في مجال البنية الأساسية، وقس على ذلك نظائره وأشباهه.

          ثم إن هذا الإنفاق يعود على المسلم نفسه بالثواب الجزيل من الله عز وجل في الدنيا وفي الآخرة .

          والله يضاعف لمن يشاء.

          هذا الجانب المعقول قد يُتهم القرآن معه بالمبالغات في عرض الحقيقة، فكان لابد لتقريب هذه الصورة المعقولة من رسم لوحة محسوسة تتراءى للحس بغاية الجلاء ، وهو ما احتوته هذه الآية الكريمة : " مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم " (البقرة : 261).

          ودعنا نقف وقفة قصيرة أمام هذا المثل لنراه من بعض زواياه .

          إن الله عز وجل قد شبه المؤمن بالحبة تنبت سنابل متعددة وثرية بالحب الذي تحتويه كل سنبلة، ويُشبِّه صدقة وعطاء المؤمن بثمرة هذه الحبة التي أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة .

          والمتأمل في الحبة وما تحتويه من الجنين وغذائه ، يجد أنها حين تُوضع في التربة تدفع بساقها وأوراقها فوق التربة ، كأن أوراقها على ساقها أكف ضارعة إلى علام الغيوب،  وهي تدفع في نفس الوقت بجذورها إلى عمق معين من التربة يختلف عمقه فيها باختلاف أنواع النبات .

          وهذا الجذر يمكن أن تخرج منه أعواد أو سيقان يكون للجذر خاصية إنباتها على نحو ما يكون لأبناء الرجل والمرأة من خاصية الإنجاب.

          وهذا معناه : أن الإنسان يستطيع بمعالجات علمية أن يستخرج من جذر النبات الذي أنبته حبة واحدة مجموعة من السيقان تندفع إلى أعلى ليحمل كل واحدٍ منها سنبلة على رأسه.

          وليس هذا أمراً خياليا نتخيله ، بل إننا قد رأيناه في طبيعة النبات من غير معالجة أو تدخل من البشر؛ ففي نبات القمح المعروفين باسم : " سوبر ماكسي" و " ماكس باك " على قصر أعوادهما مثلان يؤكدان أن الحبة الواحدة يمكن أن تنبت من جذورها أكثر من ساق، على كل ساق سنبلة فيها عدد من حبات القمح.

          ولو قد صح أن ما تنبته حبة القمح الواحدة يمكن أن يخلِّف على جذره عدداً من السيقان، فإن في هذه الحقيقة إشارة للعلماء إلى ما يمكن فعله من مساعدة النبات لينبت عدداً من السيقان على الجذع الواحد.

          وسواء أمكن هذا أو لم يمكن فإن هذه الزاوية من النظر، تفيد ثراء الحبة الواحدة وهي تنبت عدداً من السيقان.

          وهناك زاوية أخرى تتصل بهذا التاج على رأس كل ساق وهو السنبلة.

          إن السنبلة هي هذا المخزن الذي يحتوي فائض الغذاء من النبات .

          وقد أشار خالق النبات إلى أنه بالإمكان مراعاة النبات علمياً ليحصل الإنسان على زيادة فائض غذائه، حتى يبلغ عدد الحبات في السنبلة الواحدة إلى مائة وما فوقها كما في ( سخا D ) .

          وسواء صح ما نلاحظه نحن من قراءتنا لهذا المثل أو لم يصح، فهذه زاوية يسوقها القرآن بادية للعيان.

          ومن يلاحظ هذا المثل يجد الإشارة إلى أمرين :

          أحدهما : سلامة النبات في ذاته، إذ لا تستطيع الحبة الواحدة أن تنبت سبع سيقان على كل ساق سنبلة فيها مائة حبة ، إلا إذا كانت هذه الحبة سليمة من حيث السلالة، ومن حيث التربة التي تستقبلها، ومن حيث العناصر التي تتوفر لها في هذه التربة، ومن حيث التمثيل الضوئي والمناخ الملائم ... إلخ.

          وسلامة النبات في ذاته فضيلة تتوفر له ، تميزه عن غيره من هذا النوع الذي ينتمي إليه.

          وثانيهما : سلامة النبات من حيث الفائض الذي يمد به غيره، فينصلح هذا الغير به .

          وهذان الأمران في هذا المثل لوجودهما من الضرورة ما يجعل المثل يقصر عن أداء مهمته لو تخلفا عنه، أو تخلف عنه أحدهما .

          وللربط بين الصورة المعقولة والصورة المحسوسة في هذا المثل نقول : إن المؤمن الحق الذي ينفق في سبيل الله يمكن  النظر  إليه في هذه الحالة من ناحيتين : إحداهما سلامته في ذاته في الدنيا وفي الآخرة ، أما في الدنيا فلأنه يتراءى أمام نفسه وأمام الناس وقد اشتد عود إيمانه، وتميزت شخصيته من خلال هذا المنهج الذي ربى عليه، وأما في الآخرة فلأن الله عز وجل قد اختزن له ناتج عمله يضاعفه له أضعافاً كثيرة الحد الأدنى فيها سبعمائة ضعف، ثم ينطق التضعيف إلى حد لا نعرفه (والله يضاعف لمن يشاء).

          وثانيتهما : ما يترتب على فعاله ممن نفع غيره من المحيطين به، أشخاصاً وبيئات، إذ كلما أنفق المنفق نفقة عادت على بيئته ومجتمعه بفائدة كبيرة ومتضاعفة.

          ومن ينظر في المثل هنا يجده قد عبر عن الصورة المعقولة أصدق تعبير.

          فتأملوا يا أولي الألباب .

* * *

د/ طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة

 


من مطلوبات جريدة الجمهورية                       للنشر في رمضان 1429هـ

أ / فريد إبراهيم 

----------------------------------------------

مثل في آية ( 8 )

إنفاق بلا مردود

          من حكمة الله عز وجل أن يكون في المجتمع غني وفقير، وأن يتفاوت الناس فيما بينهم من حيث ملكية المال وحيازته.

          ولم يشأ الله عز وجل أن يكون الفقر والغنى من حيث ذات كل منهما لهما شئ من التأثير على الأغنياء وعلى الفقراء.

          لكن الأذى والمَكرُمة المتصلين بالمال إنما يكونان لهما من حيث ارتباطهما بالنفس، فالغِنَى يؤذي صاحبه إذا تصدق ببعض المال وأتبع صدقته المن والأذى يوجههما إلى الفقير في علو واستكبار.

          والفقر يؤذي صاحبه إذا تعلق به شعور بالدونية حين يستعلي عليه الغني يؤذيه بمنه وأذاه .

          والغِنَي يؤذي الغَنِي أيضا إذا أنفق ماله يرائي به الناس.

          والفقير يؤذيه الفقر إذا لم يصبر على ما أصابه منه.

          وهذه الصورة النفسية خاصة ما يتصل منها بالغني تجد اهتماماً من القرآن الكريم بالغ الشدة ؛ فالله عز وجل لا يريد من الغني أن يستعلي بماله، فيناله غيره منه المن والأذى ، وهو في نفس الوقت لا يريده أن يرائي بإنفاقه الناس.

          ورفع خسيسة الفقير وانتشاله من الدونية من أهم مطلوبات الشرع الحكيم، وكسر كبرياء الغني واعتزازه بماله يأتي في نفس المرتبة ليستقيم الناس لله عباداً مكرمين .

          ولكي تتضح الصورة المعقولة في ذهن السامعين جاء النسق من خلال تشبيهين متداخلين.

          فالغني الذي يُتبع صدقته المن والأذى يشبه الذي ينفق ماله رئاء الناس.

          والذي ينفق ماله رئاء الناس يشبه الحجر الصلد عليه تراب يفاجئه المطر فينحي التراب عنه ويتركه صلداً .

          وهذا النسق التصعيدي في الإفهام يظهر بجلاء من خلال فهم المرحلة الأخيرة منه .

          فالعامي والمتخصص ينظران جميعاً إلى هذا الحجر الصلد الأجرد الذي تكوّن من هذه الصخور النارية المتماسكة، سواء أكانت أصيلة في قشرة الأرض، أو كانت من تلك الحمم المقذوف بها من باطنها ، فيعلمان أن هذا الصخر الصلد لا مطمع فيه لحياة النبات.

          غير أن هذه الرؤية يعرض لها شئ من الخداع حين نرى هذا الصفوان الصلد ، أو هذا الصخر الأجرد يعلوه طبقة رقيقة من التراب فيه شئ من العناصر الصالحة للإخصاب، فيظن صاحب البصر المخدوع أن هذا الصفوان الذي يعلوه التراب صالح للإنبات.

          وتأتي هذه المفاجأة غير المتوقعة المتمثلة في هذا المطر الغزير يسقط على  هذا الصفوان المُترب، فيذهب بما عليه من التراب المُخصِّب للنبات ويتركه هكذا صلد أجرد قد ظهرت حقيقته الجرداء بعيداً عن الخداع والتضليل.

          وهذه الصورة الحسية  توضح صورة هذا الرجل الذي ينفق ماله رئاء الناس فيظن الناس به خيراً كما ظنوا في الصفوان عليه تراب.

          وكأني بالله يتوعد المرائي أن يكشف حقيقته للناس كما كشف  المطر حقيقة الصفوان فتركه صلداً .

          والنسق القرآني حين جلاّ ووضح حقيقة من ينفق ماله رئاء الناس، وأن إنفاقه على هذا الوجه لا يأتي بخير، اتخذ من هذه الصورة الواضحة مثالاً يجلّي صورة أولئك الذين يتصدقون ويتبعون صدقتهم بالمن والأذى مع ملاحظة أن المشبه به دائماً أوضح وأكمال في وجه الشبه من المشبه .

          فليتأمل كل غني موقفه من المال وهو ينفقه رئاء الناس أو هو يتصدق به ثم يتبع صدقته المن والأذى .

          فما أجمل نسق القرآن حين يعرض القرآن للحقائق النفسية بعد أن يشبهها بصورة محسوسة توضحها وتجليها.

          ودونك هذا النص فتأمله :

          " يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلداً لا يقدرون على شئ مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين" (البقرة : 264).

* * *

د/ طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة

 


من مطلوبات جريدة الجمهورية                       للنشر في رمضان 1429هـ

أ / فريد إبراهيم 

----------------------------------------------

مثل في آية ( 9 )

إنفاق بأهداف مشروعة

          يذكر الله عز وجل في آيات القرآن الكريم صنفاً من الأغنياء مبصرون مواقع أقدامهم حين يأخذون طريقهم إلى الله فيصلون إلى أهدافهم المرجوة.

          وأهدافهم المرجوة لهم منحصرة في أمرين :

          الأول منهما : تحصيل رضوان الله .

          وتحصيل رضوان الله عز وجل هدف سام رفيع، إذ إنه من المعروف المكرر أن الله إذا رضى على عبد لا يسخط عليه بعدها أبداً .

          والرضوان هو أقصى الغاية من الرضا، وإذا وصل العبد إلى مرتبة يكون فيها محل الرضا من ربه ، يكون بحقٍ قد حيزت له أنواع الثواب بتمامها، فهو يكون بمنأى من النار لا ينغمس فيها ولا تمسه ، ولا يزعجه زفيرها، ولا يؤلمه عذابها، وهو في نفس الوقت في جنات النعيم يحتل منها الدرجة التي أراد الله له أن يكون فيها ، فإن كان سليم القصد على درجة كبيرة من الاتباع والطاعة لله ولرسوله، كانت درجته في الجنة كما قال ربنا : " ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ذلك الفضل من الله " .

          إن المنفق على كل حال حين يحدد هدفه الأول وهو أن يبتغي مرضاة ربه، يكون قد حقق لنفسه ما يطلبه غيره من الأهداف التي هي أدنى من ذلك وأقل.

          والثاني من الأهداف التي يبتغيها المنفق الرشيد : هو إصلاح هذه النفس بالتخلص من أوامر النفس الأمارة بالسوء، والتخلص من منطقة تنازع الرغبات حين يبتعد عن ثقل لوم النفس اللوامة إلى أن ينتهي إلى منطقة الاعتدال في النفس والمعبَّر عنها في القرآن بالنفس المطمئنة.

          وهذا الهدف لا يخلص لصاحبه إلا إذا اعتدلت علاقته بالناس من حوله، وذلك لا يكون إلا بالإنفاق لسد حاجات المحتاجين بقدر الطاقة، حتى يشعر الفقير المعتدل النفس بأن مال أخيه الغني هو ماله فيحافظ عليه. ويتعشّق صاحبه.

          هذه هي الأهداف الرشيدة للمنفق العادل.

          وهذه الحقيقة المعقولة يقربها القرآن الكريم بمثل محسوس، يدركه العامي والمتخصص على السواء.

          فنحن جميعاً ندرك هذه الربوات من الأرض، وهي تلك الأرض المرتفعة نوعاً ما من الارتفاع ، وتربتها من أولها إلى آخرها خصبة.

          وهذه الربوات الخصيبة تمتاز بعدة مميزات، وأول هذه المميزات : أن هذه الربوات المرتفعة يغمرها ضوء الشمس من جميع جوانبها، والضوء أمر ضروري يحتاج إليه النبات في عملية التمثيل الغذائي كما هو واضح.

          وثاني هذه المميزات أن هذه الربوات العالية تمتاز بصرف جيد، وتنخفض فيها نسبة المياه الجوفية ، ومن مميزات هذه الربوات أنها بسبب انخفاض المياه الجوفية وسلامة عملية الصرف، يذهب عنها كل عنصر ضار بالنبات ذائباً أو محمولاً على جزئيات الماء الفائض، وكلما تكاملت العناصر الصالحة للإنبات تمكنت هذه العناصر من الاحتفاظ بالماء من خلال الاحتفاظ بجزءيه : الأكسجين والهيدروجين.

          والربوات بهذه المميزات يمكن ريها بطريقتين مختلفتين عن طريق المطر هما : الر بالغَمر ؛ وذلك يكون إذا جاء المطر وابلاً غزيراً، والري بالرش؛ وذلك يكون إذا جاء المطر طلاً خفيفاً .

          وفي حالتي الري بالغمر أو الرش لا خوف على النبات ما دامت عناصر الإنبات في التربة كاملة ، لأن تكامل العناصي يعطي فرصة لذراتها أن تحتفظ بجزئيات الماء بواسطة جذب عنصريه : الأكسجين والهيدروجين.

          ومن يتصور هذه الربوات بهذه المميزات لابد أن يتصور غزارة الإنتاج فيها، من حيث الكم ، ومن حيث الكيف.

          فالثمرة يكبر حجمها إلى أقصى حد ممكن، وشجرة النبات يمكن أن تُحمَّل بعدد من الثمرات لا يتوفر لغيرها مما ينبت على غير الربوات.

          وحال المؤمن المنفق بالأهداف الرشيدة، والذي يبتغي بنفقته رضوان الله واستقرار النفس، كهذه الربوة يتوفر لها المناخ الملائم، والصرف الجيد، والري المناسب، فتؤتي أكلها ضعفين.

          وأنت ترى أن الصورة التمثيلية تحرص على أن تذكر أن النبات على الربوات يؤتي ثمرته ضعفين؛ ليناسب الهدفين اللذين حددهما المنفق بالأهداف الرشيدة لنفسه ، وإلا فإن النبات الذي تتوفر له هذه الظروف يمكن أن يؤتي أُكله بأكثر من ضعفين ، كما أن المنفق الذي ينفق ابتغاء مرضاة الله وتثبيتاً من نفسه يمكن أن يحقق ضمناً أهدافاً أخرى غير هذين الهدفين كما رأيت .

          وبهذه الصورة التمثيلية نستطيع أن نفهم الحقيقة المعقولة على نحو ما قال الله عز وجل : " ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتاً من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فأتت أُكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير" ( البقرة : 265 ).

* * *

    د/ طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة

 


من مطلوبات جريدة الجمهورية                       للنشر في رمضان 1429هـ

أ / فريد إبراهيم 

----------------------------------------------

مثل في آية ( 10 )

الإخلاص أساس الانتفاع بالعمل الصالح

          ما أروع آيات القرآن الكريم حين تقرّب الحقيقة المعقولة للنفوس بالمثل المحسوس.

          إننا الآن أمام أصناف من الناس يعملون العمل الصالح، ولكنهم يعوزهم القدر الكافي من الإخلاص.

          فهذا رجل يعمل العمل الصالح طوال حياته، ولكنه في أخرياتها يفسده بالرياء والتكايس الاجتماعي، وهو في أخريات حياته أحوج ما يكون للانتفاع بالعمل الصالح، الذي أفسده وأهدر قيمته.

          وهذا رجل يعمل العمل الصالح ، ولكنه لا يقصد به وجه الله ، فإن كان سختاً بماله وعَرَّفه ربه نعمته في المال ثم سأله : ماذا فعلت بها ؟ قال : أنفقت في سبيلك ، فيقال له : كذبت ، وإنما أنفقت ليقال سخيّ ، ثم يؤمر به إلى النار، وإن كان قوياً مجاهداً وسأله ربه عن نعمة الصحة ماذا فعل بها ؟ وأجاب : جاهدت في سبيلك . فيقال له : كذبت، وإنما جاهدت ليقال شجاع، وقد قيل ، ثم يؤمر به إلى الجحيم.

          وكذا يُفعل بالعالم وقارئ القرآن إذا كان الواحد منهما مرائياً .

          وهذا رجلٌ ينفق ماله ولكنه يُتبع هذا الإنفاق بالمن والأذى ، فلا خير في عمله .. وعلى الجملة فإن كل عمل يخلو من الإخلاص لا ينفع صاحبه وإن كان ظاهره فيه الخير والسلامة، خاصة في هذا الوقت الذي يحتاج فيه الإنسان إلى الانتفاع بخير عمله.

          تلك هي الصورة المعقولة.

          فماذا عسى أن تكون الصورة المحسوسة التي تقِّرب هذه الحقيقة المعقولة للذهن ؟

          والصورة المحسوسة كما ذكرها القرآن تظهر لنا حينما ننظر إلى رجل حالم تحولت أحلام اليقظة عنده إلى واقع محسوس ملموس، ففرح به أياماً وليالي وهو قادر على فعل مثله ، فلما عجز عن الحركة وازدادت مسئولياته اختفى من أمامه ما كان يملكه.

          إن هذا الرجل كان يود أن تكون له جنة أو جنات من نخيل وعنب تمده بالثمر، وتُبهجه بمناظرها، وقد تحقق له ما أراد فانتفع بالمحصول طوال أيام شبابه، فلما كبرت سنه وذهب  لحمه ووهن عظمه، كان أولاده ما يزالون صغاراً لا يقدر الواحد منهم على تحصيل قوت يومه ، وكان منتهى أمل الشيخ أن تبقى له جنته يأكل منها آخر أيامه، وتؤمن لأولاده رزقهم من بعده .

          لكن الذي حدث أن الجنة قد فاجأها ريح ملتفة كالعمود الممتد إلى السماء، تعصر ما تلتف به من السحاب ، فينبثق عنه شحنات كهربائية تحدث ناراً ملتهبة تمتد بفعل الإعصار إلى هذه الجنة ، فتقلع الريح العاصرة الشجر، وتحرق النار التي يحملها الإعصار هذا الشجر فيبقى رماداً ، وتصير الجنة أثراً بعد عين، ولم يبق للشيخ في آخر أيامه إلا الألم والحسرة ، فلم تبقَ هذه الجنة لتمده باحتياجاته في آخر أيامه ، ولم تبقَ هذه الجنة لتمد ذريته الضعفاء من بعده بالأسباب التي تحفظ عليهم حياتهم.

          هذه هي الصورة المحسوسة التي يقرب بها القرآن الفكرة المعقولة، غير أن الأمر يحتاج إلى متدبر، يقدر على استيعاب الفكرة ولو من خلال وسيلة الإيضاح .

          وهذا ما قال ربنا في سورة البقرة ، فهو القائل :

          " أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون " (البقرة : 226).

* * *

د/ طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة

من مطلوبات جريدة الجمهورية                       للنشر في رمضان 1429هـ

أ / فريد إبراهيم 

----------------------------------------------

مثل في آية ( 11 )

الآثار السلبية للربا

          إن القرآن الكريم يهتم بالجماعة التي تدين بدين الإسلام فينبه إلى الأسس التي يؤدي إتباعها إلى استقرار الجماعة، وتفقد الجماعة استقرارها حين لا تلتزم بهذه الأسس.

          ومن الأسس التي يصلح الجماعة إتباعها أن نرسم للاقتصاد المسار السليم الذي ينهض بالأمة أفرادها وجماعاتها .

          ومن الأمور التي تصيب الاقتصاد بالعطب وتصيب الجماعة وأفرادها بالاضطراب هو ذلك النظام المعروف بالنظام الربوي.

          ومن الربا ما كان يعرفه الجاهلية في الماضي من أن يقترض الإنسان ديناً إلى أجل ثم يطلب من صاحب الدين أن يزيده في الأجل مقابل زيادة في المال الذي اقترضه منه.

          ولقد كان الجاهليون يعلمون أن هذا النظام الربوي قبيح، لا لشئ إلا أنه مال في مقابلة الزمن وهو يصيب الاقتصاد بالشلل ويصيب المقترض بالاضطراب.

          وهناك صورة أخرى قد يتعامل بها بعض الناس وهو بيع الذهب بالذهب أو الفضة بالفضة أو البرُ بالبرِ أو التمر بالتمر أو الزبيب بالزبيب أو الملح بالملح مع زيادة أو تأجيل تسليم المبيع.

          وهذا النوع من الربا لا يثري الاقتصاد وهو في نفس الوقت قد تحولت فيه العملة إلى سلعة.

          والربا بجميع أنواعه لأن فيه ضرر بالأمة والأفراد حرمه الله عز وجل وذكر أنه يترتب عليه أمران يلحقان المتعاملين بالربا الآخذ والمعطي على السواء.

          وأحد هذين الأمرين هو هذا التخبط الذي يلحق المرابين في الدنيا؛ فآكل الربا وموكِله في حالة من التخبط والاضطراب النفسي تفقدهما صواب التركيز والتفكير الرشيد.

          أما المقترض بالربا فأمر اضطرابه ظاهر ذلك لأن الدين بالنسبة له هم بالليل ومذلة بالنهار فإذا كان هذا الدين خاضعاً للفوائد المركبة والمتضاعفة كان الشعور بالهم والمذلة أشد وأنكى .

          وأما الذي يقترض بالربا فإن الله يوقعه في حالة  من الاضطراب الاقتصادي والانشغال بالمال تحرمه من الهدوء النفسي وطمأنينة الوجدان وهما حالتان للنفس يترتب عليهما أمراض جسمية كأمراض القلب وضغط الدم والذبحة الصدرية إلى آخره.

          ولقد حاول بعض الأطباء أن يرصد أحوال بعض المرابين فوجد أن نسبة هذه الأمراض عالية فيهم.

          وهناك أثر آخر يترتب على التعامل بالربا وذلك لا يكون إلا في الآخرة عند أول مشاهد القيامة.

          فإذا ما نفخ في الصور قام الناس لرب العالمين.

          أما المرابي فهو هذا الإنسان الذي أثقلته ذنوبه فلا يكاد يقوم حتى يقع ثم يعاود الكرَّة فيقع في حالة من التخبط والاضطراب نسأل الله أن يعافينا من أمثاله.

          هذه هي الصورة المعقولة التي ذكرتها آيات القرآن للربا.

          وهذه الصورة المعقولة تحتاج إلى وسيلة إيضاح من خلال صورة محسوسة تراها العيون وتدركها الحواس كلها أو بعضها .

          والصورة المحسوسة التي تدركها الحواس هي صورة إنسان مسه الشيطان فأصاب عقله وجهازه العصبي وإمكاناته النفسية فتخبط في مشيه وتصرفاته في حالة من الجنون يدركها منه المحيطون به .

          ونحن هنا لا نهتم بقضية صلة الشياطين ببني آدم ولا نقحم أنفسنا هنا في مسألة الخلاف حول إمكانية هذه الصلة إذ يكفينا من هذه الصورة ما نراه منها فنحن نرى المجانين لا يحسنون التصرف كما لا يحسنون الحركة والسلوك.

          وهذا القدر من هذه الصورة يكفينا لإيضاح حال المرابين وهي حالة كما أنها لا ترضي الله ولا رسوله بل هي بمثابة إعلان حرب عليهما وهي حرب غير متكافئة فهي في نفس الوقت لا ترضي المجتمع ولا الناس إذ فيها تدمير النفس وتدمير الاقتصاد على السواء .

          ومن يقرأ القرآن الكريم لا يغيب عنه دلالة هذا المثل ففيه : " الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون" (275) يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم (276) " (البقرة : 276).

* * *

   د/ طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة

 


من مطلوبات جريدة الجمهورية                       للنشر في رمضان 1429هـ

أ / فريد إبراهيم 

----------------------------------------------

مثل في آية ( 12 )

(  النحل : 112)

          ما أروع الكريم حين يتلطف بعباده في الخطاب، وما أحكم الحكيم حين يخاطب الإنسان بأنه خلقه وعلمه البيان، وما أجمل التلازم بين الأشياء حين تتلازم الأشياء إذا كان الإنسان حين علمه ربه البيان كان من لوازم ذلك أنه قد أعطاه القدرة أولاً أن يفقه عن ربه ، وأن يفقه عن الآخرين.

          ومن أهداف أمثال القرآن أن يذكر الله في مجال المجتمعات البشرية مجتمعين (فاسد وصحيح) ليحل بذلك مشكلة منهجية عند علماء الاجتماع، الذين فتنوا بالتجربة ونتائجها في مجال المعامل والمختبرات التي تبحث عن القوانين والنظريات في مجال العلم الطبيعي وعلوم الحياة على السواء .

          فإذا كان علماء الاجتماع يحبون اصطناع المنهج التجريبي في مجال أبحاثهم.

          وإذا كان نوع الإنسان يأبى عليهم ذلك النوع من التطبيق.

          فإن البديل الذي لا نظير له ولا عوض عنه هو بحث نوعين من أنواع الاجتماع في بيئة واحدة ، وأحوال واحدة للحصول على أسباب الخلل في أحد هذين المجتمعين حين تكون هذه الأسباب خفية بقصد التنبيه على هذه الأسباب حتى يمكن تلافيها وتجنبها لتصح المجتمعات في ذاتها، ويستقيم سلوكها .

          ولتطبيق ما ذكرناه على الواقع القرآني، نشير إلى هذه الآية من سورة النحل حيث قال الله عز وجل : " وضرب الله مَثَلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون " ( النحل : 112).

          وهذه الآية القرآنية تحدد صورتين لمجتمع واحد في حالتين مختلفتين.

          وليس علينا نحن من بأس أن يكون هذا المجتمع في حالتيه مجتمعاً طبيعياً أو أن يكون من باب الفرض العلمي، إذ إن النتيجة لا تختلف في الحالتين، مع أننا نرجح أن هذا المثل ضرب لمجتمع طبيعي في جزيرة العرب، وأقرب الرأي عندي أن يكون هذا المثل قد ضرب للمسلمين وللإنسانية كلها في جميع الأقطار والأعصار، وأن منشأه ومضربه هو جماعة المكيين في عصر المبعث عندما وقفوا في وجه الإسلام، وحاولوا أن يضعوا العقبات أمام النبي صلى الله عليه وسلم .

          وما نهتم به الآن هو إبراز هذا المجتمع القروي في حالتين من حالاته.

          والحالة الأولى لهذا المجتمع هي أن هذه القرية التي يتحدث عنها القرآن كانت تتمتع بعدة صفات من مجموعها يجتمع للقائمين فيها والمقيمين بها أسباب الاستقرار التي لا يحتاجون معها إلى ترك المكان أو النزوح عنه.

          وهذه الصفات وتلك الأسباب هي : الأمن ، والاطمئنان، والكفاية.

          وهذه الثلاثة يجمعها المثل العربي الذي صاغه أحدهم شعراً فقال :

ثلاثة ليس لهم نهاية                00                الأمن والصحة والكفاية

          وهذه الصفات الثلاث حين يجمعها الله عز وجل لجماعة من البشر، تكون هذه الجماعة قد استمسكت بأسباب السعادة الدنيوية التي لا تنقص إلا بقدر ما يطرأ على هذه الصفات من نفصان.

          وصياغة هذه الأسباب من خلال هذا المثل المضروب في القرآن في قوله تعالى : " وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان " .

          أما الحالة الثانية : من أحوال هذه القرية أو هذا المجتمع يمثلها هذا التبدل وهذا التحول، حيث غابت عنها الكفاية ، كما غاب عنها الأمن والطمأنينة.

          لقد غابت عنها الكفاية حيث وقعت في أزمات اقتصادية مريعة ، وغاب عنها الأمن والطمأنينة حيث سلط الله عليهم من هم أشد منهم قوة وأكثر بأساً .

          وهذه الحال الأخيرة لتلك القرية قد رُسمت بصورة تُعجز كل مفتن، وتستعصي على كل أديب.

          فاضطراب الحالة الاقتصادية صوره الله عز وجل بقوله : " فأذاقها الله لباس الجوع " .

          وغياب الأمن والطمأنينة عبر الله عنه بقوله : " والخوف " .

          ومعناه أنه أذاق هذه القرية لباسي الجوع والخوف، على قانون : أن المعطوف يشارك المعطوف عليه في أثر الفعل المتقدم عليهما.

          والذي أراه هنا أن المعنى المفهوم من هاتين الصورتين هو على الحقيقة لا على المجاز، إذ إن التذوق ليس قاصراً على ما يدركه الفم من الطعوم، وإنما التذوق هنا مرادف للإحساس.

          والإحساس هو نقل أثر الشئ الملامس للجلد أو غيره إلى المركز العصبي في الدماغ للإحساس به .

          ولكل عضو من الأعضاء أن ينقل إلى مركز الدماغ من الأحاسيس ما يناسبه ( فتأمل ).

          والجوع شئ تشعر به كل خلية في الجسم ، ثم تهتف بصاحبها أن يلبي حاجتها، وإلا سقط في إعياء واضطراب، سببهما النقص أو الخلل الوظيفي.

          وقد يشعر بالجوع أجهزة كالمعدة والأمعاء لاصطكاك بعضها ببعض، أو التفاف بعض أجزائها على بعض، أو لحرارة السائل الذي يُصب فيها لوظيفة الهضم.

          والمحصلة في النهاية أن الجوع يحدث ألماً وإعياءً ، يكون تحملهما فوق طاقة البشر.

          والخوف اضطراب في النفس والفؤاد يلقي بظلاله على الأعضاء من خارج ، وعلى الأجهزة الداخلية من باطن.

          ومحصلته النهائية عدم القرار في مكان من الأمكنة وفقد الأنس بالأشخاص أو الأشياء.

          وباجتماع الألم الداخلي والألم الخارجي.

          وبفقد الكفاية والأمن والطمأنينة يجد الإنسان نفسه في عذاب أليم.

          هاتان هما الصورتان من خلال هذا المَثَل القرآني، يقرأهما عالم النفس، وعالم الاجتماع ، فيتساءلان عن السبب الحقيقي، أو العامل الأساسي الفارق بين هاتين الحالتين للمجتمع الواحد، فصح المجتمع بوجود هذا العامل، وفسد لغيابه.

          وعلى الذين يتساءلون أن يريحوا أنفسهم، فقد بين الله من خلال هذا المثل أن العامل الذي بوجوده تصح المجتمعات، وبغيابه تفسد هو شكر النعمة وكفرها.

          فمن شكر أنعم الله صح، ومن كفر بأنعم الله ذل وضل .

          وإذا نظرت إلى مكة في عهدين متواليين في عصر المبعث وما قبله بقليل اتضحت أمامك الصورة اتضاحاً لا يحوجك إلى مزيد بحث.

          وهكذا يضر الله الأمثال .

* * *

                                                    د/ طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة

 


من مطلوبات جريدة الجمهورية                       للنشر في رمضان 1429هـ

أ / فريد إبراهيم 

----------------------------------------------

مثل في آية ( 13 )

( الروم : 28 )

          حين أراد القرآن الكريم أن يناقش الناس في مسألة شريك الباري، اصطنع لهم طرقاً متعددة.

          ومن هذه الطرق : ضَرْبُ المَثَل .

          وضرب المثل معناه : الإتيان بصورة حسية من الواقع أو مفترضة لتكون وسيلة إيضاح تقرب المعنى المعقول إلى الذهن، بحيث يسهل عليه الفهم.

          ونحن الآن أمام صورة توضيحية لمعنىً معقول من هذا القبيل، حيث قال الله تعالى في سورة الروم : " ضرب لكم مثلاً من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافون كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون " .

          ونحن لا نفهم هذه الصورة التوضيحية إلا إذا عرفنا شيئاً عن الطبيعة الاجتماعية لمجتمع مكة .

          ومجتمع مكة مجتمع طبقي تقوم الطبقية فيه على أساسين من التمييز.

          الأساس الأول : السلالة والعِرْق .

          والأساس الثاني : المال والثراء .

          ونحن نستطيع أن نضيف إلى هذين الأساسين أساساً ثالثاً هو : الرق والعبودية ، حيث جاء القرآن الكريم وكان من عوائد الناس أن يباع بعض بني الإنسان كما تباع السلعة أو يُشْترى الحيوان .

          ولما كان القرآن هنا يريد أن يناقش مسألة الشرك العقدي من خلال صورة تمثيلية ، فإنا وجدناه قد عمد إلى المجتمع على ما له من عوائد وأعراف  وانتزع هذه الصورة المحسوسة ، لينظر العاقل فيها ثم يجيب على هذه التساؤلات المترتبة عليها .

          وقبل أن نستعرض هذه الصورة نحب أن  نؤكد أنها صورة تمثيلية لشرح قضية معقولة بتقريبها للذهن ليسهل فهمها .

          نقول ذلك وننبه عليه حتى لا يتصور أحد من الناس أن القرآن جاء ليقر التمييز على هذا الأساس أو ذاك ، لأن من يفهم مثل هذا الفهم يكون ناقص البصر بطرق  الفهوم والمعارف؛ إذ القرآن لم يتخذ التمييز له غرضاً ، بل غرضه عكسه، فعندما يكون التمييز على أساس السلالة والعرق، فإن السلالة والعرق يرجعان إلى أصل واحد وهو آدم عليه السلام رجوعاً يؤكد القاعدة القائلة: " كلكم لآدم وآدم من تراب " .

          والمال والثروة ربما يتخذهما البعض أساساً للتمييز ، والمال رزق يمنحه الله لمن يشاء ، ويقبضه عمن يشاء لتتأكد القاعدة العامة " وتلك الأيام نداولها بين الناس" والأخرى التي تقول : " كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم " .

          واستلاب الحرية كاستلاب الحياة بغير حق ، وهو في نظر الإسلام ظلم، واعتداء على الفطرة ، لكي يتأكد المبدأ السائد : ( متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً ) ، وهو المبدأ الذي اتخذته بعض الحركات التحريرية شعاراً لها في العصر الحديث : " لقد ولدتنا أمهاتنا أحرار ، فوالله الذي لا إله غيره لا نورث ولا نستعبد بعد اليوم " .

          هذه حقائق دينية نذكرها حتى لا يرتكس من في قلبه دَخَل أو ضغينة، فيفهم الإسلام ما هو منه براء لمجرد اتخاذ هذه الصور التمثيلية من واقع المجتمع المكي.

          إن القضية المراد إثباتها على كل حال هي : نفي الشرك.

          وأهل مكة قد درجوا على أن لهم عبيداً يملكونها ، ولهم ممتلكات من الأشياء والأموال .

          والرقيق عندهم من الدرجات الدنيا لا يشاركهم المجلس ، ولا يشاركهم الحرية ، ولا يشاركهم المال، ولا يشاركهم الطبقة ، ولا يشاركهم عز ولا جاه.

          والله عز وجل يتخذ من هذا الوضع الاجتماعي صورة محسوسة يبرزها أمام أهل مكة ، وأمام الناس من خلال مجتمعهم، فيسألهم : يا أهل مكة هل لكم من الذين ملكت أيمانكم من العبيد شركاء فيما تملكونه من الثروة ، مع أن ملكيتكم للثروة ليست منكم ولا بسببكم ، وإنما هي رزق ساقه الله إليكم ، فهل عبيدكم شركاء لكم فيه حتى تكونوا أنتم وهم في هذا المال سواء ، وحتى تكونوا أنتم وهم على قدم المساواة في هذه الملكية والتصرف فيها ، بحيث تخافون إذا انفردتم بالتصرف أن يلومكم منهم اللائمون ، أو يعنفكم منهم المعنفون ، أو يشتد عليكم منهم ذوي السلطان والحجر .

          هذه هي الصورة المتخذة من المجتمع .

          وهذه هي الأسئلة الواردة عليها .

          والقرآن لا ينتظر إجابة من أحد ، إذ الاستفهام هنا استفهام تقريري، لا مجال أمام من وجِّه إليهم هذا الاستفهام إلى الجواب الطبيعي بنفي الشركة وما يترتب عليها من تصرف بينهم وبين عبيدهم . ثم يلزمهم القرآن الحجة التي تقطع كل حوار، وتقضي على كل جدل ؛ إذ كيف ينفون الشركة بينهم وبين عبيدهم في ممتلكاتهم مع أن عبيدهم من أنفسهم ، وسلب حريتهم جريمة ، ومع أن ممتلكاتهم رزق من ربهم ، فملكيتهم نسبية ولو قد فهم القوم هذا وذاك لكانوا من العقلاء .

          ولئن فاتهم هذا وذاك ، فاتهم خاصية الإدراك والتعقل ، وهما خاصيتان يرفعان الإنسان عن سائر الحيوانات درجة .

          وهذا سر قول الله في ختام الآية : " كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون".

* * *

    د/ طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة

من مطلوبات جريدة الأهرام                            للنشر في رمضان 1429هـ

----------------------------------------------

الأمثال في القرآن ( 14 )

( سورة إبراهيم 23ـ 27)

           إن المرء ح ين يقرأ القرآن الكريم يجد تنوعاً في أسلوب عرض القضايا، وهو تنوع أخاذ ينحى عن النفس ما عسى أن يَعْرَض لها من المَلَل حين يكون الموضوع الذي نتصدى له بالعرض على درجة من الجدية يُتعب التفكير ويجهد التأمل.

          ومن أهم ما يلفت نظر المرء ويحول بينه وبين الملل أو الانصراف، تلك الصور الحسية، والمرائي المادية، التي يرسي القرآن الكريم ليقرب بها المعنى المعقول إلى الأفهام، من خلال التشبيه أو المقارنة بين الصورة الحسية والمعنى المعقول.

          ومن هذه الصور الأخاذة ما قال الله عز وجل في سورة إبراهيم عليه السلام ومن خلال هذه الآيات الكريمات " ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء  * تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون * ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار * يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء " (23ـ27).

          والمتأمل في هذه الآيات يجد فيهما صورتين قد بلغت كل واحدة منهما الغاية في الدقة والكمال في التأثير، والوضوح في الدلالة على النعمة والدلالة على المعنى، والدلالة على نفاذ القدرة جميعاً .

          ونحن نعرض الآن للصورة الأولى من هاتين الصورتين .

          وهذه الصورة ، صورة شجرة ، والشجرة واحدة من جنس النبات، وما النبات إلا هذا الكائن الحي النامي، وحياة النبات تأتيه من مصدرين : أحدهما: من امتصاص عناصر الأرض عن طريق الجذور التي تضرب في باطنها، ولا سبيل لامتصاص هذه العناصر إلا إذا ذابت وأصبحت صالحة للامتصاص، وذوبانها يكون بالماء على صفته التي تصلح النبات ولا تضره.

          وفي الكثير الأغلب يأتي الماء لجذور الشجر العملاق من باطن الأرض فيما يعرف بالمياه الجوفية، والمياه الجوفية ليست قريبة التناول، بل هي تضرب في الأرض على مسافات متفاوتة.

          ومن هنا كانت حكمة الحكيم أن كل شجرة نراها يكون لها في الأرض من الجذور ما يساوي طولها في السماء .

          وهذه الجذور لها وظيفة أخرى غير امتصاص الغذاء وهو منح الشجرة ثباتها واستقرارها وقدرتها على مقاومة عاديات الطبيعة، وعليه فإنه كلما انتشرت الجذور أفقيا ورأسيا في الأرض ، منحت الشجرة قدرة على القرار تساوي هذا الانتشار بحساب دقيق يحملنا على القول، إن مَنْ خلقها إنما هو واسع العلم عظيم الحكمة ، مطلق الإرادة والقدرة .

          هذا هو المصدر الأول على كل حال الذي يعتمد عليه النبات في تحصيل غذائه.

          أما المصدر الثاني فهو ما يحصله النبات من الهواء والضوء بواسطة هذا الكم الأخضر، وبمساعدة أشياء أخرى تتعاون جميعاً في تهيئة الجو لاستفادة النبات من غذائه الذي يحصله من مصادره.

          واستناداً إلى هذا الذي ذكرناه ، فإني أسمح لنفسي أن أتأمل الصورة المادية المحسوسة " ومثل كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها " .

          وأنا حين أتأمل هذه الصورة البديعة أجد حديث القرآن يدور حول شجرةٍ أهم صفاتها أنها طيبة لا ضرر فيها ولا أذى يلحق الناس بسببها، بل هي طيبة يتمتع الناس تحتها بالظل الظليل، وهي تنقي لهم الهواء الذي يحتاجون إليه من الشوائب العالقة، ومن العناصر الفاسدة التي لا تصلح لتنفس الإنسان ، ثم هي مع ذلك مبهجة للعيون تهدأ عندها النفوس وهي تسر الناظرين .

          ومن أهم صفات هذه الشجرة كذلك أن لها أصل ثابت يمكِّنها من القرار، ويَقربُ بالشجرة إلى المَعِين الرائق، فتأمن الشجرة على مستقبلها ويأمن الجالسون تحتها من العوادي التي تعصف بها .

          من الصفات الهامة لهذه الشجرة أن فرعها في السماء ، بل فروعها المحملة بالبراعم والأوراق ، يراها الناظر وكأنها مفتوحة ممتدة مسبحة لربها داعية أن يأتيها برزقها رغداً من كل مكان، وربها يستجيب لضراعتها فيمنحها الأشعة القادمة من الشمس الكائنة على مسافات بعيدة ، ويمنحها الهواء المشتمل على مكونات دقيقة بحسابات منضبطة ، لا يقدر على خلقه وتسييره إلا من خلق الكون وسيره .

          ومن صفات هذه الشجرة أنها تؤتي أُكلها كل حين ، لا ينقطع منها الأُكل، ولا تعود الشجرة على ثمارها فتلتهمها .

          ونحن نعلم جميعاً أن الزروع والثمار ، إنما هي بقايا غذاء النبات يختزنه، وكان من الممكن أن يعود إليه فيلتهمه عند الحاجة ، لكن ذلك لم يحدث، فأكل هذه الشجرة وأمثالها إما أن يأكله الإنسان ، وإما أن ينزل إلى تربة الأرض، فيأخذ الجنين الكائن في الثمرة سبيله إلى الحياة ، ولكنه في أيامه الأولى لا يستطيع أن يأخذ عناصر حياته من المصادر التي يأخذ منها أصله ، فتأتي حكمة الحكيم لتحيط الجنين داخل الثمرة بما يمده بالحياة في أيامه الأولى حتى يلقي بجذعه إلى الأرض ، ويصعد بورقه إلى السماء  .

          ويختم الله هذه اللوحة الفنية الرائعة بقوله واصفاً أحوال الشجرة بأن هذه الأحوال إنما تحدث لها بإذن ربها ، بمعنى صنعه وتقديره .

          وهذه الصورة الفنية المحسوسة يشبه بها الله عز وجل الكلمة الطيبة، إذ الكلمة الطيبة على إطلاقها تضرب بجذورها في أعماق النفس ، وفي تربة الفؤاد فتثبت فيهما، وينعقد عليها القلب انعقاداً لا يقبل الانفكاك .

          ثم هي تضرب بفروعها إلى المجتمع كله في علاقات متبادلة بين الناس، بحيث نجد صاحب الكلمة الطيبة خيره إلى الناس نازل ، وإن كان شرهم إليه صاعد.

          إن الكلمة الطيبة كالشجرة الطيبة كلاهما أصله ثابت ضارب في الأعماق، وكلاهما فرعه في السماء ، وكل منهما يؤتي ثمرته بإذن ربه ثمرة من الشجر تَصلح بها الأجسام، وثمرة من الكلمة الطيبة تصلح بها المجتمعات.

          هذه هي الصورة الأولى.

          أما الصورة الثانية فهي التي شبه بها القرآن الكريم الكلمة الخبيثة ؛ حيث شبه القرآن الكريم الكلمة الخبيثة بالشجرة الخبيثة ، جزعها عائم على سطح الأرض ، يجعل شجرته لا تستمسك ، ولا تحصل من التربة غذاءها ، وهي قد اجتثت واقتلعت من الأرض ، فليس لها فروع تحمل براعم ولا أوراق ، ولا ثمرة لها ، ولا ظل .

          وعلى الجملة فهذه شجرة خبيثة نهايتها الجفاف ، ومصيرها إلى النار.

          والكلمة الخبيثة لا حقيقة لها واستقرار ، وإنما سرعان ما ينكشف حقيقتها، فينطبع على صانعيها الخزي والعار، وإلا فقل لي إلى متى يصمد الكذب، بل قل لي إلى متى تصمد هذه الإشاعات المغرضة المضللة ، إلى غير ذلك من أنواع الكلام الخبيث، إنه كنيران القش ، أو لهب الهشيم ، لا ينضج طعاماً ، ولا يدفئ مستجيراً به من البرد ، ولا يقوي على إضاءة المكان .

          إنه لهب يشعرك بشئ من القوة الذاتية ، وسرعان ما تكتشف أن ما رأيته لوناً من الخدعة ، ونوعاً من التضليل .

          إن الكلمة الخبيثة كالشجرة الخبيثة .

          وإن الكلمة الطيبة كالشجرة الطيبة .

          وإنما يضرب الله الأمثال لمن يعقلون التدبر في الأمثال ولـ " يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء " .

* * *

    د/ طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة

من مطلوبات جريدة الأهرام                            للنشر في رمضان 1429هـ

----------------------------------------------

الأمثال في القرآن الكريم ( 15)

( سورة الرعد 17 )

          من روائع عرض القضايا في القرآن الكريم أنه يأتي بالأمثال المحسوسة لتقريب الصورة المعقولة للعقول ، فيما يعرفه الناس اليوم بوسائل الإيضاح أو قريباً من ذلك .

          ودونك هذه الآية من سورة الرعد " أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبداً رابياً ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبدٌ مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال " .

          وهذه الآية من سورة الرعد لا تنفرد بضرب الأمثال وتقريب الصور المعقولة إلى الأذهان، وإنما سورة الرعد قد اشتملت على عدة آيات فيها تصوير المعقول بالمحسوس للغرض نفسه .

          وفي الآية التي نحن بصددها صورتان حسيتان لتقريب المعنى المعقول للأفهام .

          والصورة الأولى من هاتين الصورتين هي هذه الصورة التي يدركها البصير ولا تغيب كثيراً عن أصحاب الآفات، فالله عز وجل يرفع الماء إلى أعلى في صورة  بخار تساعده خفته أن يصعد إلى طبقات الجو، ثم تساعده العوامل أن ينعقد سحباً مختلفة الأشكال والألوان، وما دامت السحب قد انعقدت فوق الرءوس، فهي تسمى بسبب ارتفاعها سماءً .

          ثم يَعرض لهذه السحب من الأسباب ما يحملها على إفراغ مائها فيسقط مطراً على الأرض ، تمتلئ به السهول وتجري به الوديان، ويجعل الله منه أمطار خير وبركة، ولكن هذا الماء لا يخلو سطحه من هذه الشوائب والفقعات الهوائية التي لا فائدة فيها ، وبعضها لا حقيقة له فيما يسمى ( الزبد ) .

          والماء حين يتخلص من زبده يغوص بعضه في الأرض قريباً من سطحها ليكوّن المياه الجوفية في متناول أيدي بني آدم ، وبعضها يذيب عناصر التربة لينتفع بها النبات ، وتربو به الأرض في لون من الخضرة البديعة ، وألوان من الثمرات تختلف ألوانها ، وأنواع من المحاصيل تمد الإنسان والحيوان بما يحفظ عليهما الوجود ، ويحافظ على استمراره.

          هذا فضلاً عما في الماء من منافع ، حيث يشربه الإنسان والحيوان والطيور والحشرات فيما يعبر عنه قوله تعالى " وجعلنا من الماء كل شئ حي".

          هذه هي الصورة الأولى المحسوسة .

          أما الصورة الثانية فهي هذه المعادون وتلك الفلزات تخرج من الأرض بفعل الإنسان، أو بفعل الطبيعة، ولكنها تكون معادن غير صافية، حيث يختلط المعدن بما قد أحاط به من الشوائب وهو يتخذ مكانه من الأرض على طول الزمان.

          والإنسان يأخذ هذه المعادن ويعرضها على النار فتنصهر، فينفصل المعدن النقي الصافي عن هذه الشوائب التي تطفو فوق سطحه فيما يعرفه الناس بـ (الزبد) أو الفقعات .

          وزبد هذه المعادن كزبد الماء ، من حيث أن كليهما لا ينفع، وبعضها لا حقيقة له ، وزبد الماء وزبد المعادن جميعاً أمور هشة لا تصمد ولا تبقى.

          وحين يتحول المعدن إلى حالته الكاملة ، وصفائه الذي يمكّن الناس من الانتفاع به، نجد أنه يصلح لبني آدم ، يتخذون منه حُليهم، ويستعينون به على مصالحهم الضرورية والترفيهية ليحقق لهم المتاع .

          والصورة الأولى من هاتين الصورتين ، أعني صورة الماء وما يتصل به من مصالح ، وما عسى أن يكدره في بعض  الأحيان من الزبد، يقول الله عز وجل في رسمها " أنزل من السماء ماءً فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبداً رابياً " .

          وفي الصورة الثانية التي هي صورة المعادن أو الفلزات ، وما يعلق بها من شوائب تكون زبداً بعرضها على النار ، يقول الله في رسمها " ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله " .

          وحين تكتمل الصورتان على هذا النحو في مرآي العين وإحساس الحس، يكون لكل صورة منهما هدفان : أحدهما : النعمة المتمثلة في كل صورة منهما، وهي نعم ظاهرة ، وثانيهما : قصد الإيضاح للمعاني التي أراد الله إيضاحها من ذكرهما هنا.

          والمعاني التي أراد الله إيضاحها هي : معاني الحق والباطل ، حيث يجب على المؤمن أو العاقل تصورهما .

          فالحق كالماء في نقائه وطهارته ، ومنفعته وثمرته ، وبقائه واستمراره، وقوته على الثبات وهزيمته لغيره.

          والحق كذلك كالمعادن والفلزات في نقائها وصفائها ، وفي تعلق الناس بها، يتخذونها حُليا أو متاعا ، وفي صلابتها وقوتها ، يتكسر الباطل  عندها وتنهزم أمامها الأشياء والمعوقات .

          وأما الباطل فهو نوعان : نوع من الإشاعات لا أصل لها من الحقيقة، وهي كالفقاقيع الهوائية تطفو على الفلز منصهراً  أو تطفو على سطح الماء، وإما أن يكون الباطل أشياء هشة لا تصمد كثيراً، ولا تقوى إلا بمقدار الأذى الذي يعرض لبعض الناس ، وهو يشبه هذه الشوائب التي تطفو على الماء عند جريانه ، أو تطفو على سطح الفلزات حين غليانها .

          وينتهي الفهم في الحقيقة إلى تصور قول الله عز وجل " بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق " .

          وإذا اتضحت هذه الحقيقة من خلال هذه الصور التمثيلية ، فلنعلم ما قال ربنا في تعميم عام " كذلك يضرب الله الأمثال " .

* * *

    د/ طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة

 


من مطلوبات جريدة الجمهورية                       للنشر في رمضان 1429هـ

أ / فريد إبراهيم 

----------------------------------------------

مثل في آية ( 16 )

الكفر والكافرين  ..  الدافع والجزاء

          من أهم مميزات القرآن التنوع في الخطاب.

فنحن نرى هذا المثل الذي نحن بصدده الآن لا يتخذ الصورة المحسوسة من الواقع الطبيعي (الفيزيائي) ، وإنما يتخذها من حال المجتمع وواقع التجربة الإنسانية ؛ فحين جاء النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الدين وقاومه بعض الكافرين به ، نزل القرآن يواكب هذه الظاهرة، فحلل ظاهرة الكفر والكافرين، مبيناً أن الكفر اعتقاد وسلوك يدفع إليهما الغرور والغطرسة ، والمغتر إنما يغتر بأمرين هما : المال والأولاد .

ولقد بين الله سبحانه وتعالى أن هذا الكفر المستند إلى الغرور والغطرسة إنما يقف في وجه الأدلة القاطعة والآيات الظاهرة فينكرهما ، وهما لا يقبلان الإنكار.

وهنا يكون قد وصل الكفر إلى حالة من الاستهتار بالثوابت والمسلمات غير مقبولة.

ثم بين الله حقيقة جعلها الله سنة من سنن الاجتماع، وقانوناً من قوانين التاريخ ، وهي : أن الإنسان إذا وصل إلى حدٍ من الغرور يجعل ينكر الآيات ويستهتر بالثوابت، ولا يستجيب إلى الموعظة ، فإن الله يأخذه بالعذاب حيث لا يُعجزه ذلك .

هذه هي الصورة المعقولة التي يحلل بواسطتها القرآن قضية الكفر والكافرين وما يترتب على الكفر والكافرين من العقاب المحتوم .

وهذه الصورة المعقولة تحتاج إلى وسيلة إيضاح .

والقرآن هذه المرة يأتي بالصورة الموضِّحة من واقع التاريخ وحوادث الاجتماع .

وهذا المسلك القرآني يؤكد لعلماء الاجتماع ، أنهم إن أرادوا أن يستعملوا المنهج التجريبي ، فما عليهم إلا أن يقارنوا حوادث الاجتماع بعضها ببعض في جوانبها السلبية والإيجابية .

وهذه لفتة منهجية تُحسب للقرآن الكريم حين نقارن بين النظم في مجال اصطناع المناهج .

ونعود إلى الصورة المحسوسة التي يوضح الله بها هذه الصورة المعقولة لحقيقة الكفر والكافرين والجزاء المترتب على ذلك .

 ولقد ذكر القرآن الكريم هذه الصورة من واقع التاريخ المصري.

وفي التاريخ المصري أن اللقب السياسي لرئيس الدولة في إحدى حقب التاريخ في مصر هو : ( فرعون ).

وفي عصر موسى عليه السلام كان لمصر فرعون مريض بالغرور، وعلمت بطانته عنه هذا العيب ، فاستغله فيه النهازون ، وأخذوا يمنحونه الألقاب في غير استحقاق إلى أن منحوه لقب (الألوهية) ، فاغر هو بلقبه حين قال : " ما علمت لكم من إله غيري " وحين دلل على ما يعتقده  بقوله : " أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي " .

ولقد حكى التاريخ عنه أنه  قد استخف قومه فأطاعوه .

وعلى الجملة ، فقد صار مناخ حكمه مناسباً لفتح الأبواب أمام أصحاب المصالح الذين اغتروا بمصاحبتهم للملك الفرعون .

ونبه الله فطرتهم المرة بعد المرة فلم ينتبهوا .

والشئ العجيب أنهم جميعاً يعلمون حجم الضلال الذي يسيرون فيه ، حيث حكى القرآن عنهم قائلاً : " وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلوا " ، فحين وصل بهم الكبرياء إلى مداه ، أخذهم الله بالعذاب بسبب ما هم عليه من كفر وعناد وغرور ، فأغرقهم في البحر ولم تنفعهم توبتهم حينئذ .

وهذه الصورة التاريخية لا تقل في الوضوح والإيضاح عن الصورة المحسوسة ، فصلحت من أجل ذلك أن تكون وسيلة إيضاح .

والقرآن يعرض الصورة المعقولة والمحسوسة معاً في مثل ظاهر لا يخطئه ذوو الألباب ولا يخطئهم حيث يقول : " إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك هم وقود النار  * كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبـوا بآيـاتنا فأخـذهم الله بذنوبـهم والله شديد العقاب " (آل عمران : 10 ، 11).

* * *

    د/ طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة

 


من مطلوبات جريدة الجمهورية                       للنشر في رمضان 1429هـ

أ / فريد إبراهيم 

----------------------------------------------

مثل في آية ( 17 )

هذا مثل من أمثلة القرآن الجادة والتي لها صلة بتصحيح عقيدة البشر في ربهم ؛ إذ إن مشيئة الله عامة وقدرته مطلقة و " ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن " وهو " إذا أراد شيئا قال له كن فيكون .

منذ ألفي عام مضت أو يزيد قليلاً أراد الله عز وجل أن يحدث في المجتمع الذي تعلق بالمادة رجفة تلفته إلى الحياة الروحية فأرسل الملك إلى مريم البتول وصار بينهما الحوار المعهود وحملت مريم بسيدنا عيسى ثم ولدته على غير سنتي الحمل والوضع .

وهذا الحدث العجيب استقبله المغرضون من اليهود استقبال من يريد الترويج للشائعات " قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فرياً "  " قالوا يا مريم ما كان أبوك امرء سوء وما كانت أمك بغيا " .

هذه هي الصورة المعقولة التي ألقى بها في المجتمع اليهودي الذي هو مجتمع بني إسرائيل لإحداث الرجفة فيه وخلاصتها : أن سيدة جاءت بولد تحمله على ذراعها وهي غير متزوجة ودعواها أنها قد أتت بوليدها هذا دون أن يمسسها بشر . والقوم يضعون أيديهم على رؤوسهم اندها شامما تقول .

وهذه الصورة المعقولة قد عالجها القرآن في موقفين .

أحدهما : يتلخص في استحضار مثل من التاريخ لا ينكره إلا من ينكر وجود نفسه وهذا المثل من التاريخ يكون أكثر إيغالا في الغرابة لو لم يكن المستقبل له ذا عقيدة راسخة وعلى بينة كاملة بمنهج التاريخ .

إن هذه الصورة التاريخية هي حادثة خلق آدم عليه السلام إذ من حق الإنسان أن يتساءل عن بداية خلق الكون كيف كانت وقانون الأحياء يقول : إن التكاثر لا يكون إلا من اجتماع نصفي الخلية الجنسية المودعين في الرجل والمرأة .

ويرتبك العقل الإنساني حين نسأله كيف خلق النوع الإنساني ؟

ولم تحل المشكلة إلا من خلال التسليم بخلق آدم أو التردي في مزبلة الكون للبحث عن كائن في مستنقع ذي خلية واحدة يرقى لكي يكون بشراً سوياً .

وجميع العقلاء من مؤمنين وفلاسفة يقولون بأن آدم قد خلق من العدم وكذا حواء " يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها " .

إن آدم إذاً قد خلق بشهادة العقلاء جميعاً وبشهادة التاريخ وبشهادة النصوص الدينية في كل دين صحيح .

وإن آدم حين خلق خلق مخالفاً لقانون الأحياء حيث خلق بالأمر المباشر من الله فأئتلف خلقه من قبضة من طين الأرض ونفخة من روح الله.

وآدم على هذا النحو لا أب له ولا أم إنه لم يخلق من تخصيب بويضة حيوان منوي (زيجوت).

ويقدم القرآن هذه الصورة من عمق التاريخ والمسلَّم بها من جميع العقلاء ليوضح بها صورة عيسى بن مريم وأمه وهي صورة معقولة.

والشأن في المثال أن يكون أوضح من الصورة المعقولة وهذا ما حدث بالفعل ؟ فآدم عليه السلام خلق من غير أب ومن غير أم والصورة المعقولة التي معنا فيها أن عيسى خلق من غير أب وأمه التي حملت به ، فمن سلم بخلق آدم سَلَّم بخلق عيسى ضرورة .

قال تعالى : " إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون (59) " ( آل عمران ).

أما الموقف الثاني الذي اتخذه القرآن إذاً هذه الصورة المعقولة المتصلة بعيسى بن مريم وأمه فهي تدور حول الاستدلال في وجه اليهود الذين تعسفوا في موقفهم الذي اتخذوا في عيسى وأمه وظنوا أنهم مانعتهم حججهم ، فأتى الله حُجَجَهم من القواعد ، فهم إن كانوا قد استدلوا على انحراف مريم بما تحمله على يدها من الولد وهي غير متزوجة ، فإن الله القادر قد استخرج لمريم دليل البراءة من دليل الإتهام فقال : " فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فرياً (27) يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوءٍ وما كانت أمك بغيا (28) فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا (29) قال إني عبد الله ءاتاني الكتاب وجعلني نبياً (30) وجعلني مباركاً أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً (31) " ( مريم : 27 : 31 ) .

* * *

    د/ طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة

 


من مطلوبات جريدة الجمهورية                       للنشر في رمضان 1429هـ

أ / فريد إبراهيم 

----------------------------------------------

مثل في آية ( 18 )

إنفاق على غير أساس لا ثمرة له

        ومرة أخرى يعود القرآن الكريم إلى بعض قضايا المال يكون في يد غير المؤمن ينفقه في أوجه البر فلا يغني عنه شيئاً .

          وفي آية من سورة آل عمران يتحدث الله عن الكافرين يكون في أيديهم المال وتكون لديهم الذرية يملأ أفرادها الفتوة والشباب .

          وبالمال والأولاد يتفاخر الكافرون وبهما يعتزون .

          ومن المال والأولاد يتخذ الكافرون معايير التميز فهم لمَّا كانوا في الدنيا أكثر أموالا وأولاداً اعتقدوا أنهم أحسن الناس سلالة وأعلاهم مركزاً وأعزهم نفراً.

          وعلى ظهور المال والأولاد ظن الكافرون أنهم أموالهم وأولادهم هما مطايا النجاة في الآخرة كما كانا مقاييس التميز في الدنيا .

          وربما يعمد الكافرون إلى أموالهم فينفقون منها في أوجه البر بحيث يظن من رآهم ورأى أفعالهم في الدنيا أن هذه الأفعال ستنجيهم يوم القيامة. غير أن تصرفهم في المال بالإنفاق فيه شر مدمر وغطاء خادع .

          فعملهم هذا من حيث الشكل مقبول يريح الناظرين فما هو إلا مال ينفقه صاحبه في أوجه البر .

          ولكنه من حيث الموضوع مرفوض لاضطراب الهدف بين يدي صاحبه. فصاحب المال الذي ينفقه في أوجه البر لابد أن تكون له غاية من هذا الإنفاق تمثل عائداً يعود عليه بالنفع .

          والكافر حين ينفق يكون هدفه الرياء والسمعة أو تحصيل المنفعة الدنيوية أو ليقول الناس عنه ما يرضيه .

          وهذه كلها أهداف ـ كما نرى ـ لا تحقق لصاحبها نفعاً ولا تهيئ له سبل السعادة كما أنها لا تمهد له سبل الرشاد .

          إنفاق الكافر إذن يحتوي من حيث الشكل على شئ مبهر ويتضمن من حيث الموضوع شيئاً مدمراً .

          والعاقل الثقف يستطيع أن يفهم أن الكافر الثري المنفق في سبيل الله لا يعود عليه عمله بطائل .

          هذه هي الصورة المعقولة ، وهي صورة ربما تمر على بعض الأذهان لا تلفت النظر ولا تستقطب الفكر لافتقارها إلى مزيد بيان.

          ومزيد البيان من خلال أساليب القرآن يكون من خلال وسيلة إيضاح . تشكل المادة المحسوسة لُحمتها وسُداها .

          ووسيلة الإيضاح هنا تكونت من مادة تشاهدها الأعين وتلمسها الحواس الأخرى بكثير من اليسر والسهولة .

          وهذه المواد التي تكون وسيلة الإيضاح هنا هي : أولاً : الريح.

          والريح هو الهواء ، والهواء فيه عنصر الحياة لكل حي، فالأحياء التي تتنفس تحتاج إلى الهواء والأحياء التي تحتاج إلى التمثيل الغذائي تحتاج كذلك إلى الهواء .

          والهواء يفيد الأحياء كذلك خاصة منها الأحياء الدنيا كالنبات في نقل حبوب اللقاح للتكاثر.

          إن الهواء على كل حال شئ مفيد لا تستغني الأحياء عنه.

          ثانياً : الصر . والصر معناه : البر الشديد فهو صفة تلحق المادة فإذا اشتد كان قاتلاً للأحياء مستلبا لصفة الحياة منها .

          ثالثاً : النبات يكون في الحرث .

          والحرث مكان الإنبات والتكاثر على العموم وقد سُمى كذلك لأنه لا ينتج ثمرته إلا بالمعالجة من نحو تقليب التربة وإثارتها ليسهل على النبات تحصيل عناصر الحياة منها .

          وهذه المواد التي بين يديك يمكن أن نشكل منها صورة على النحو التالي.

          إنه بالإمكان أن نضيف الصر إلى الريح فيصير الريح بارداً برودة شديدة فيكون من حيث إنه ريح شيئاً طيبا ومن حيث إنه ريح بارد يكون شيئا ضاراً .

          وهذا الريح الصر ( البارد ) يذهب إلى حرث قوم ظلموا أنفسهم فبدلاً من أن يفيدوا النبات بعنصر النفع فيه ، يقتله بعنصر البرودة التي لا تسمح للحياة النباتية أن تواصل مشوارها إلى غايتها .

          والصورة التركيبية تظهر لنا في هذا المثال ريح صر ذهبت إلى حرث قوم فأهلكته بسبب أنهم قوم ظلمة وما ظلمهم الله إنما كانوا هم الظالمين . يذكر الله هذه الصورة الحسية ليوضح بها هذه الصورة المعقولة، صورة الكافر ينفق ماله في أوجه البر ولكن على غير هدف مقبول فالإنفاق في الظاهر خير كالريح ولكنه يشتمل على وصف قاتل سيئ كالصر فيبطل عمل الكافر كما يقتل الصر النبات بظلم العباد وما ربك بظلام لأحد ودونك النص القرآني يقول : " إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (116) مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله . ولكن أنفسهم يظلمون (117) " (سورة آل عمران : 116، 117).

* * *

    د/ طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة

 


من مطلوبات جريدة الجمهورية                       للنشر في رمضان 1429هـ

أ / فريد إبراهيم 

----------------------------------------------

مثل في آية ( 19 )

الإعراض عن منهج الله يؤدي إلى التيه والضلال

        لقد أمر الله نبيه أن يخبر أمته عن هذه الصورة المعقولة لعل عقولهم تستقبلها فتقع من نفوسهم موقع الموعظة .

          فهذا رجل آتاه الله عز وجل الحقيقة كاملة من خلال الأدلة الكونية الدالة على تصرف الله في كونه ، ومن خلال الآيات القرآنية التي ترسم الطريق إلى الله كما ترسم للإنسان نظام الحياة .

          هذا رجل آتاه الله عز وجل هذه النعمة وتعرف عليها فصارت له كاللباس يحيط به ويستره ، وكالمرشد يحافظ عليه ويسلك به طريق الهداية إلى غايته .

          وبدلاً من أن يقوم هذا الرجل بشكر نعمة الله عليه ، اجتهد في التخلص من هذه الآيات مع سطوعها وظهور فائدتها ، ثم أدار ظهره إلى هذا الطريق الوحيد للنجاة .

          وهو حين فعل ذلك قد تخلص من هذا الستر السابغ الذي يحميه من غوائل الاجتماع البشري حين يكون الاجتماع شاذاً ، والذي ستره من عيون تبحث عن معايبه وتُنقب عن مسالبه ، فهو بدلاً من أن يتخذ من نظام الإسلام ستراً ، ومن علاماته على الطريق المستقيم هادياً ومرشداً ، تخلص منه .

          ولو قد شاء ربه أن لا يفعل ذلك ما فعله ، ولكنها منطقة الاختيار التي قد جعلها الله في الإنسان أساساً للتكليف ، وقاعدة للمسئولية ، ومبرراً للجزاء .

          أمر الله نبيه أن يحكي هذه الصورة ، ويحكي معها نتيجتها ، وهي أن صاحبها قد عَدَل عن التسامي والعلو إلى الخلود إلى الأرض ، وقد عَدَا عن إتباع المنهج القويم إلى إتباع الهوى الجامح حتى انتهى به الحال إلى أن الله قد أتبعه الشيطان ليضله ويغويه ، فتفرقت به السبل وتقطعت به الأسباب وأخلد إلى الأرض ، فلم يستطع أن يحدد هدفه السامي، ولا أن يبلغ غايته التي تحافظ له على مميزاته من التكريم.

          هذه هي الصورة المعقولة .

          وهي صورة قد يظن بعض الناس أنها من الأدبيات الطوبية التي تغذي الأشواق ، وترتفع بملكة النحل .

          والقرآن بعيد كل البعد عن هذا النوع من الشقشقات ، وعن هذه النماذج من الأدبيات ، لأنه كتاب هداية ، ودين في نظام أو نظام في دين.

          ومن هنا جاءت الصورة الأخرى المحسوسة في مثل أو وسيلة إيضاح ، وهي وسيلة إيضاح منتزعة من البيئة ، تتسم بالعمومية لوجود مادتها في كل بيئة على اختلاف خريطتي الزمان والمكان .

          فهذا حيوان يسمى الكلب يتخذه أهل القرى والمدن للحراسة ، ويتخذه أهل البوادي للصيد وللحراسة معاً .

          وفي طبيعة الكلب المادية أنه دائماً يلهث ، فإن حمل عليه صاحبه أو غير صاحبه فضربه أو طرده فإنه يلهث ، وإن تركه صاحبه ولم يحمل عليه بشئ من ذلك أو غيره فإنه كذلك يلهث .

          إنه يلهث في جميع الأحوال .

          وهذا الفعل من الكلب فعل مقزز تشمئز النفوس لرؤيته، وتمتعض الطباع بمشاهدته.

          إنها صورة مادية على كل حال يكون الكلب فيها لاصقاً بالأرض يسيل من فمه ما يسيل ، يتبع من يُطعمه، ويذل لمن يظل أن حاجته عنده ، ولا يملك وسيلة ترتقي به وق حالته .

          وهذه الصورة المادية يسوقها القرآن وسيلة إيضاح تقرب صورة هذا الرجل الذي جاءته الآيات من ربه ، تمثل أجنحة يطير بها إلى السماء ، فانسلخ منها انسلاخ الحيوان من إصابة ، وأخلد إلى الأرض مكشوفاً مفضوحاً ، لا يهتدي إلى شئ ولا يصل إلى غرض .

وهو حين ابتع هواه أتبعه الله الشيطان .

          وليس له مثل في الواقع إلا هذا المثل السيئ ، مثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث .

          وهذا المثل في القرآن يمثل أقصى الغايات في استثارة النفس خلف الفكرة تستوعبها .

          فدونك النص . فتأمل .

          " واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين * ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون " ( الأعراف : 175 ـ 176 ).

* * *

    د/ طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة

 


من مطلوبات جريدة الجمهورية                       للنشر في رمضان 1429هـ

أ / فريد إبراهيم 

----------------------------------------------

مثل في آية ( 20 )

مثل الحياة الدنيا والمغترين بها

        حين أرسل الله رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم إلى أمته أرسله ليتلو عليهم الآيات ، وليعلمهم الكتاب والحكمة ، وليزكي نفوسهم ويصفيها.

          وأسلوب التربية يقتضي أن يبين الله عز وجل للناس طبيعة نفوسهم ، وما جُبلت عليه من خير وشر ، كما يبين لهم المنهج الذي اختاره لهم وأراد منهم أن يسلكوه ، ثم يبرز لهم بعض المؤثرات التي تؤثر على نفوسهم فتدفعهم إلى معاندة المنهج ، ثم يبين لهم نتائجها إذا انحرفت بأصحابها ، كما يبين لهم النتائج التي يحصلها أولئك الذين يسيطرون على المغريات ويستقيمون على الجادة .

          والصورة المعقولة التي نعرضها اليوم خلاصتها على النحو التالي: وهي أن الله حين خلق الناس كانوا في أولهم أمة واحدة ، ثم تنازعتهم الأهواء والأغراض فاختلفوا ، وكان من الممكن لو قد شاء الله عز وجل أن يحسم بينهم الخلاف ، ولكن سبقت كلمة الله عز وجل واقتضت حكمته أنهم يزالون مختلفين إلى أن يقضي الله أمره . ولقد جاء المعاندون لرسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك الأحاديث الخالية من اللياقة ، فقالوا له ولمن يسمع : لولا أنزل عليه آية من ربه فتوعدهم الله عز وجل حين قال لنبيه أن يقول لهم : إنما الغيب لله ، وأن ينتظروا الموعد وأنه معهم من المنتظرين.

          وسبب هذه الغطرسة وهذا الغرور أن الله قد أنعم على هؤلاء بالأموال والبنين ، وأسباب التميز عموماً والتي نراها في الدنيا ، فظنوا أن هذه الأشياء ستدوم لهم ، ولم يلتفتوا إلى السنة الكونية والاجتماعية فيما حولهم ، فالوحد منهم يركب البحر، أو ينظر لمن يركبون البحار فتهيج بهم الأمواج ، وتعصف بهم الرياح ، ويزول عن الفطرة الإنسانية غبار قد تراكم عليها بفعل الزمن ونسيان حقيقة الفطرة ، فلجئوا إلى ربهم وعاهدوه لو قد أنجاهم مما هم فيه لاستقاموا على الطريقة ، فحين ينجيهم يعودون لما كانوا عليه .

          والحقيقة الكبرى الكامنة خلف هذا الانحراف هو اغترار المعاندين بالدنيا وهي لا تدوم ، واعتزازهم بأسباب تحصيل معايشهم ، والأسباب والمسببات سنن لم تخرج عن آثار قدرة الله فيها .

          تلك هي الصورة المعقولة التي يقدمها الله عز وجل ضمن إطار منهج الإصلاح والذي يجب على كل إنسان عاقل أن يستوعبها .

          وقد تكون هذه الصورة المعقولة متأبية على الفهم ، فتحتاج إلى مثل محسوس ليكون بمثابة وسيلة الإيضاح التي تقرب المعقول إلى الذهن، وتعين على فهمه .

          والصورة المحسوسة هي تلك الصورة التي يدركها البدوي وساكن المدينة أو القرى على السواء .

          فهذا الماء ينزل من السماء بمواصفات خاصة فيختلط هذا الماء بتربة الأرض ، أو يختلط بهذا النبات الذي وضع في تربة الأرض ، أو يختلط بهما معاً، فهو يختلط بتربة الأرض فينال من صلابتها ويجعل عناصرها في حالة تكون من البساطة بحيث يسهل على النبات امتصاصها.

          والماء النازل من السماء يخالط النبات كذلك حين يمتصه النبات مع عناصر التربة ، أو يسقط على ورقة فيستفيد النبات به من خلال عملية التمثيل الضوئي.

          والتعبير القرآني قد حكى أن الماء ينزل من السماء فيختلط ، ولم يوضح لنا أن الماء يختلط بالتربة أو بالنبات ليترك للمعلم الحكم ، حسب العصر الذي يحكم أهل العلم فيه ، ولا بأس عند أهل العلم أن يكون الماء النازل من السماء قد اختلط بالتربة، أو اختلط بالنبات ، أو اختلط بهما معاً ، (وسبحان من هذا كلامه).

          والمهم الذي ينبغي أن نلتفت إليه ليكتمل المثل بين أيدينا ، أن الماء عندما خالط الأرض والنبات اهتزت الأرض وربت ، واستعادت فتوتها وازينت.

          والأرض حين تتخذ هذه الصورة يظن المرء أنه هو القادر على أن يمنح الأرض صورتها ، ويعطيها زينتها ، وأنه هو المالك لأسباب الحياة المانح لها ، فتحيط به حالة من الغرور التي تحيط بكل إنسان هيأت له نفسه أنه هو المستقل بصناعة القرار .

          وحينئذ ينزل القضاء بهذه الأرض النضرة ، وتسبق الإرادة الإلهية إلى هذه الحقول الغنَّاء ، فتصيبها آفة من السماء ، أو يستكمل هذا الزرع مدته في الأرض فينظر الناس إلى هذه الحقول فيجدون كل واحد منها حصيداً كأن لم تكن هذه الحقول غناء بالأمس .

          والأرض الحصيد هي تلك الأرض التي نالت منها المناجل فقطعت زرعها من أصوله ، فتحول وجهها الأخضر النضر إلى وجه أسود نكد ، وتحولت أسباب الحياة فوقها إلى آثار دمار وتخريب .

          هذا هو المثل المحسوس ، وتلك هي وسيلة الإيضاح لصورة الحياة الدنيا التي نعيش فيها ، فتخدعنا بهجتها وهي إلى زوال .

          وهذا هو مصير الإنسان .

          ولنذكر بين يديك الصورة المحسوسة التي ذكرها القرآن للدنيا ، ثم  نتيجة الإقبال على المنهج واستدباره لتقرأ أنت الآيات السابقة عليها فيتضح لك المقام .

          يقول الله تعالى : " إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون " ( يونس : 24 ).

* * *

    د/ طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة

من مطلوبات جريدة الجمهورية                       للنشر في رمضان 1429هـ

أ / فريد إبراهيم 

----------------------------------------------

مثل في آية ( 21 )

موازنة بين طالبي الحق ومتبعي الضلالة

        إن في تجارب الناس أمثالاً يستعملونها ، كل مثل منها يلخص تجربة أجيال في كلمات قلائل ينقلها إلى أجيال تالية .

          ومما نجب أن نشير إليه هنا ما سمعناه من موروثات أسلافنا حين قالوا " الضد يظهر حسنه الضد " أو " وبضدها تتميز  الأشياء " .

          ولما كان جمع الضدين في مكان واحد يفيد الرائي والسامع فهما أعمق ووعيا وبصيرة أشد رأينا أصحاب المناهج التربوية يستعملون هذا المنهج حين يريدون من الناس أن يفقهوا عنهم قولهم وأن يفهموا مرادهم.

          والقرآن الكريم يحتل المرتبة الأولى في مجال التربية ولذا لم نجده يترك منهجاً من المناهج المثمرة أو يتخلص من طريقة من الطرائق المفيدة في مجال التربية.

          والمثل الذي نعرض إليه اليوم إنما يأتي لإنصاف منهج المقابلة بين النقيضين والإشارة إلى نفعه وأهميته من خلال صورتين إحداهما معقولة ربما يستعصي على العقول إدراكها أو هو يستعصي على بعض العقول في أقل القليل . وثاني هاتين الصورتين هذه الصورة المحسوسة التي تعد بمثابة وسيلة الإيضاح بقصد تقريب الصورة المعقولة إلى الفهوم .

          والصورة المعقولة هنا هي أن الناس في الدنيا ينقسمون إلى فريقين أمام منهج الهُدى وطريق الرشاد الذي جاء به النبيون بلاغاً عن ربهم .

          فمن الناس من أداروا ظهورهم إلى منهج الله وأعرضوا عنه ولم  يسمعوا للأنبياء كلامهم الذي يبلغونه عن الله للناس كي يسمعوه ويتدبروه ويتأملوا فيه .

          ومع أن هذا الفريق لم ينصتوا إلى الأنبياء فهم بالتالي لم يهتدوا عملياً إلى معالم الطريق الذي يهديهم إلى الله ويصل بهم إلى رضاه.

          إنهم لم يسمعوا للأنبياء ولم يبصروا معالم الطريق .

          ولقد كانت الثمرة التي جناها هؤلاء مُرة في الدنيا وهي في الآخرة أشد مرارة وأكثر إعناتاً .

          هذا هو الفريق الأول من الناس .

          أما الفريق الثاني فهم أناس سلمت فطرتهم واستجابت طباعهم فأصغوا إلى منهج الله واستوعبوه وأبصروا معالم الطريق إلى الله وعلموها.

          ولم يقفوا عند هذا الحد ولكنهم فَعَّلوا هذا المنهج في أنفسهم فاقتنعوا بمنهج الله وآمنوا به واستقر هذا المنهج عقيدة في قلوبهم عقيدة لا ترتد وإيمان لا يتزعزع ولا يقبل المنافسة ولا المزاحمة .

          ولم يكن إيمان القوم إيماناً سلبياً عقيماً تنتهي عنده حركة الإنسان إلى التطلع والسير خلف الأهداف وإنما هو إيمان مثمر.

          ولما كان هذا الإيمان مثمراً فقد تفرَّع عليه العمل الصالح، العمل الصالح في علاقة الإنسان بربه والعمل الصالح في علاقة الإنسان بالمجتمع الذي يحيط به ، والعمل الصالح في علاقة الإنسان بالكون والبيئة.

إنه العمل الصالح على إطلاقه.

وهذا الفريق لو وقف عند هذا الحد لكان إيمانه وما تفرّع على هذا الإيمان عملان جامدان يفتقران إلى دفء الحياة الحية، كما يفتقران إلى الحرارة التي تدفع الحركة نحو التقدم .

ومن أجل ذلك وجدنا هؤلاء القوم الذين آمنوا وعملوا الصالحات قد رغبوا إلى الله وسلكوا إليه الأرض المهاد طمعاً في رحمته ورغبة في رضاه في شوق مشوق وإخبات مستمر.

هذه هي الصورة المعقولة من خلال هذه الموازنة الدقيقة بين ضلال ورشاد وبين ضالٍ ومهتديٍ ، وبين ناجٍ ومرتكسٍ أمُّةُ في النار هاوية .

 وهذه الصورة المعقولة تحتاج إلى تقريب من خلال وسيلة إيضاح محسوسة.

وأنا الآن أريد أن أبصرك من خلال هذه الصورة المحسوسة بحقيقة هذه الصورة المعقولة لكي تكون أقرب إلى عقلك وأطوع إلى فهمك.

والقرآن الكريم يرسم الصورة المحسوسة من خلال هذا المثل.

فأنت تستطيع أن تتصور إنساناً قد خسر من حواسه حاستين هما السمع والبصر وهو يريد أن يسير في الطريق والطريق غير مُعبدة وليس معه مرشد، ونحن إذا أردنا أن نتأمل هذا السائر في طريقه لا مرشد له وهو لا يسمع ولا يبصر. إنه بفقدانه للبصر لن يرى المخاطر والعقبات التي تعترض طريقه وهو في نفس الوقت لن يسمع من يهتف به ويحذره ، وقد اتفقنا أنه لا مرشد له . مسكين هذا الذي لا يسمع ولا يرى ولا يجد له على الطريق معينا. إنه مسكين حقاً لأن مصيره أصبح محتوماً. إنه سيصطدم بالعقبات على الطريق ولا شك . تصور هذا وتصور معه ذلك الذي يسمع ويرى وستجد أمام هذا الأخير الطريق معبدة وسلسة وطريق مفهومه ومصيره محقق ودونك هذا المثل في القرآن فتأمله " مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا تذكرون " (هود : 24) .

* * *

    د/ طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة

 


من مطلوبات جريدة الجمهورية                       للنشر في رمضان 1429هـ

أ / فريد إبراهيم 

----------------------------------------------

مثل في آية ( 22 )

المتقون في نعيم دائم

       حين يتحدث القرآن الكريم عن الإنسان يتحدث عنه باعتبار أنه كائن مسئول ، ولا تتحقق المسئولية إلا إذا ارتبطت بالجزاء ، والجزاء في الإسلام يمتاز عن غيره في الشرائع الأخرى ؛ إذ الشرائع الأخرى لا تفهم من الجزاء إلا العقوبة لمن تتأتى منه المخالفة ، أما الذين لا يخالفون فإنهم أناس جاءوا على أصل ما يراد منهم، ومن جاء في سلوكه على أصل ما يُراد منه فإنه لا يستحق على ذلك ثواباً .

          ولقد لخص أصحاب هذه التشريعات مذهبهم في نفس استحقاق الثواب لمن أحسن في مثل سائر خلاصته : ـ لا شكر على واجب ـ .

          أما الإسلام فهو حين تحدث عن الإنسان بأنه كائن مسئول ربط هذه المسئولية بالجزاء ، فقد وضع لوناً من العقوبة لمن أساء، ووضع للمحسن ثواباً متضاعفاً ، فكان أسلوب التربية في الإسلام أسلوباً متميزاً عن أساليب التربية في كل نظام علمناه أم لم نعلمه .

          وقد بين الله أن هذا الإنسان المسئول سيجازي بالثواب على عمله الصالح في الدنيا بزيادة في الرزق ، وبركة في العمر، وصحة في بدن ونفس .

          وهو قد يحصل على ذلك كلَّه ، وقد يحصل على بعضه ويُبْتلى بحرمانه من البعض الآخر ليكون كفارة له .

          أما في الآخرة ، فله جزاء في دار إقامته، وهذه الدار منها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر .

          إن هذه الدار فيها من ألوان المتاع ما قد يعلو على الإدراك والفهوم ، وهي مسألة ما دامت قد علت على الفهوم ، فإنها تحتاج إلى أمثلة من المحسوسات تقربها للأذهان.

          وهذا ما فعله القرآن من خلال هذه الصورة  المحسوسة التي يدرك الإنسان موادها، وإن كان يحتاج إلى التنبيه على أن هذه المواد قد نحى الله عنها نقائصها .

          وهذه الصورة المحسوسة قد حرص القرآن الكريم على أن ينتزع موادها من الأشياء التي تمد الإنسان بأسباب الوجود وعوامل الإمتاع .

          فالإنسان يحتاج إلى طعام وشراب، والطعام والشراب يحتويان على عناصر هذه العناصر تغدي خلاياه ، وتمنحه الطاقة، وتمده بما عسى أن يكون قد أصابه التلف من مواد تكوَّن منها جسمه ، ومواد الطعام والشراب مع ما فيها من مميزات إلا أنها محفوفة بكثير من المعايب ، فهي سريعة التلف بفعل العاديات من المناخ ، أو مما يهجم عليها من صغار الكائنات.

          وهذه المأكولات كذلك يعيبها أنها موسمية لا يجدها الإنسان في كل وقت، ولا يتمكن من إشباع نفسه منها عندما تطوق نفسه إلى هذا الإشباع.

          فإذا ما نحى الله عن المأكولات أسباب الانقطاع، ورفع عنها تأثير عوامل المناخ ، وحماها من سائر العاديات ، انفرد الاستمتاع بها في الآخرة بنوع من الامتياز ليس موجوداً في الدنيا.

          فلو أننا أضفنا إلى ذلك أن المأكولات في الدنيا لا تحدث متاعاً عند الآكلين إلا إذا سبقها ألم الجوع ، ومتاع ينقلب ألماً لو قد تناول منها الآكل فوق الحاجة .

          إن الاستمتاع بالمأكولات إذاً في الدنيا واقع بين ألمين، فرفع الله هذه الخاصية في متاع الآخرة ، وجعل الطعام والشراب في الجنة لا لسد النقص ، ولا لتعويض التالف ، وإنما الأكل والشرب في الجنة قد خلقهما الله للمتاع .

          وقد يحيط بالأكل والشرب والمأكول والمشروب شئ من الألم النفسي في الدنيا ، وهو شعور المرء أن استمتاعه بالأكل والشرب لن يدوم ، لأنه إما أن تذهب صحة الآكل أو الشارب فلم يعد يستمتع بأكل أو شرب ، وإما أن يذهب المأكول والمشروب فلا يجد سبيلاً إلى تناوله .

          وهذا النوع من الألم النفسي يرفعه الله عن الإنسان الصالح إذا ما أدخله جنته، حيث يؤكد له أنه سيأكل متى شاء لا يمنعه من ذلك فوات صحة ، كما لا يمنعه فوات المأكول والمشروب.

          ومن المواد التي يقرب بها الله صورة المتاع في الآخرة هذه الجنة الفيحاء فيها الظل الظليل ، وهذه الحديقة الغناء فيها جريان الأنهار من الماء ، وفيها تناسق الألوان وانسجامها، فيُشيع منظرها البهجة في النفوس .

          لكن الجنة في الدنيا ، والحديقة في هذه الدار لا يدوم ظلها لتساقط الأوراق في مواسمها ، ولتقدم السن بهذه الأشجار فتفقد القدرة على العطاء .

          وهذه الجنة بما فيها من أنهار لا تدوم أنهارها، إما لأن الماء الموجود فيها قد يعرض له الفساد بفعل العاديات كذلك ، أو بتجفيف منابعه لسبب من الأسباب .

          ثم إن هذه الأنهار قد تنهار جسورها التي تمسكها ، وقد يرتفع الطمي في مجاريها ، وهي كلها أسباب لو عرضت لأنهار الدنيا لتوقف الاستفادة منها .

          ولقد بين الله أن الأنهار التي تجري تحت الجنات لا تخضع للأسباب ، لأن الله قد قبض الأسباب إليه ، وهذه الصورة تأخذ تفصيلاتها في القرآن الكريم، حين يتحدث القرآن الكريم عن صفات المتقين ، ودونك هذا المثل . " مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار " ( الرعد : 35 ) .

* * *

    د/ طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة

من مطلوبات جريدة الجمهورية                       للنشر في رمضان 1429هـ

أ / فريد إبراهيم 

----------------------------------------------

مثل في آية ( 23  )

العقيدة السليمة

أساس الأمن الداخلي لدى الإنسان

        لقد جاء القرآن ليخاطب الخلائق على جميع مستوياتهم، فمنهم القادر على الفهم والإدراك ولا يقنع بغير معطيات العقل، ومنهم القادر على الفهم والإدراك ولكنه مع ذلك يحب أن يُخاطب من جهتين : من جهة العقل ، ومن جهة الشعور على السواء، ومن الناس من لا يهتم بالقضايا العقلية لأنه غير مدرب عليها، إذ هو منصرف لأسباب معايشه التي تشغله عن الأخذ في أسباب التأمل والفكر.

          والنبي صلى الله عليه وسلم قد أرسل إلى الجميع، والنداء الذي يجمعهم هو النداء بـ " يأيها الناس " .

          وحين جاء النبي لهذه الأمة ، كان أول ما تفتقده هذه الأمة هو الأمن الداخلي ، وفقد الأمن الداخلي سببه نقص الوعي بالتوحيد ، إذ لا يتأتى كمال الوعي بالتوحيد إلا إذا آمن المرء أن الخالق للكون والأحياء والأسباب إنما هو الله و حده لا شريك له، وإلا إذا آمن أن الذي يستطيع أن يمنع عاديات الزمن ، ويقهر الأعداء ، ويصدهم عن التخريب والاستلاب إنما هو الله كذلك .

          لو آمن الإنسان المكلف بأن الذي يخلق والذي يحافظ على المخلوقات إنما هو الله ومده ، استطاع من خلال هذا الإيمان أن يكون مستقر النفس ، طريقه واضحة ، وأهدافه لا تخطئه .

          وهذه الفكرة لسموها ربما غابت عن واقع الناس عمداً منهم أو خطأً ، فيخطئون طريق العبودية الحقة ، مع أن العبودية الحقة هي تلك العبودية التي تُنتج صفات وآثار نحن نحتاج إليها.

          إننا حين نتأمل العبودية حين تذكر في القرآن نجد أنها قد أصقلت بتصورات وأفكار زحفت عليها من واقع وخيالات الجاهلية الأولى أو المعاصرة ، أما الحقيقة التي لا جدال فيها ، فهي أن العبودية لله المبنية على كمال الوعي بالتوحيد تجعل المرء له سيدٌ واحد وهو الله ، والسيادة المنفردة تنحي عن العبد المكلف  سيادات أخرى تتنازعه ، في نفس الوقت الذي لا تستطيع فيه مجتمعة أو منفردة أن تُلبي مطالبه ، أو تنحي عنه مخاوفه .

          وإن الحقيقة التي لا جدال فيها وهي أن العبودية لله المبنية على كمال الوعي بالتوحيد ، تختلف عن تلك العبوديات المزعومة أو المستغلة ، فالعبودية لله لا تفيد السيد شيئا من عبده، وهي في نفس الوقت تجعل العبد يستفيد كل شئ من سيده .

          وإن الحقيقة التي لا جدال فيها وهي أن العبودية لله المبنية على كمال الوعي بالتوحيد ، ليس بينها وبين السيادة ستار ولا حجاب ؛ بمعنى أن العبد إذا أراد أن يلتقي بسيده الذي هو الله، لا يحتاج إلى شئ أكثر من إرادته هو التي تدفعه إلى الالتقاء بربه، وهو لا يحتاج إلا إلى أشواقه التي تدفعه إلى الحضور في حضرته، وهذا يكون من خلال الصلاة على العموم ، ومن خلال السجود على وجه خاص .

          ومن خلال فكرة العبودية في الإسلام يجد المرء نفسه قادراً على البقاء في حضرة الربوبية ما دفعته إرادته لذلك ، وما حملته أشواقه على الاستمرار فيها .

          إن الوعي بالتوحيد على كل حال ، يجعل فكرة العبودية لله عز وجل أعلى في معالجة النفس البشرية من أي فكرة عبودية زائفة ، إذ العبد في الإسلام يستطيع أن يكون آمناً على أسباب حياته ، ويستطيع أن يكون آمناً على الاستفادة من هذه الأسباب ، وهو في نفس الوقت لا يخشى شيئاً من الأغيار ، لأنه يعبد سيداً قادراً على خلق الأسباب ودفع الموانع .

          هذه الفكرة المعقولة قد عالجها القرآن في مواقف كثيرة على نحو ما عالجها في سورة الحج .

          والهدف مما نكتبه هو أن نبرز منهج القرآن في تقريب الفكرة المعقولة من خلال صورة محسوسة تجعل الفكرة المعقولة أكثر وضوحاً ، وهذا ما نسميه بوسيلة الإيضاح.

          والصورة المحسوسة هذه المرة تتخذ موادها من الأحياء الصغيرة التي تفتقر إلى الحول والطول، ومنها الذباب .

          فالذباب وإن كان لا يقدر على منح الحياة لغيره ، لكنه قد رُكب في طبعه هذا الإلحاح الشديد في الاستلاب ، ولعل في اسمه ما يدل على طبعه ، حيث يبدو لنا أن كلمة الذباب يمكن فصلها إلى مقطعين ، أولهما : ( ذُبَّ ) وثانيهما : ( آب ) .

          ومن المقطعين جميعاً نستطيع أن نقول : إن الذباب ما سمى بهذا الاسم إلا لأنه إذا ( ذُبِّ ـ آب ) وهذا يعني أنه منّح غاية الإلحاح في الاستلاب من غيره، وهذا الذباب بتلك الصفة يفهمه العالم والجاهل ، والأمي والكاتب على السواء .

          ولكي تكتمل الصورة المحسوسة كان لابد من تصور الشركاء الذين يعبدهم بعض الناس من دون الله ، وهؤلاء الشركاء أيا كانت منزلتهم في الوجود لا يستطيعون منفردين أو مجتمعين أن يخلقوا ذبابا ، وهم في نفس الوقت لو سلبهم هذا الذباب شيئا لا يستطيعون أن يستردوه منه ، ومن يتصور الذباب والشركاء لا يجد فيهما إلا ضعفاً على ضعف، وتلك صورة لا تخفى على عاقل أو متعلم ، ومن يتأملها لا يجد بداً من أن يرفع وعيه بالتوحيد " يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب * ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز "  ( الحج : 73 ـ 74 ).

* * *

    د/ طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة

 


من مطلوبات جريدة الجمهورية                       للنشر في رمضان 1429هـ

أ / فريد إبراهيم 

----------------------------------------------

مثل في آية ( 24 )

كبرى اليقينيات

          كأني لم أستشعر الهيبة منذ أن اقتحمت المجال إلى الكتابة هذه السطور، بقدر ما أستشعرها الآن.

          والسبب الحقيقي عندي في تصاعد هذه الهيبة هو أن القرآن قد وضعنا أمام حقيقة كبرى ، تركزت هذه الحقيقة في جملة مكونة من مبتدأ وخبر، المبتدأ فيها هو لفظ الجلالة ( الله ) ، والخبر فيها هو كلمة (نور) ، ومدى هذا النور على مقياس التصور البشري هو السموات والأرض وما فيهن وما بينهن .

          وأراك معي أيها القارئ ، لقد بدأت تفتح عينيك على هذه الأشياء الثلاثة: الله ـ والنور ـ الذي ملأ السماوات والأرض .

          ولست أظن أن مخلوقاً من المخلوقات قادر على استيعاب مدلول لفظة من هذه الألفاظ ؛ فالله اسم ذات ، ومدلول هذا اللفظ فوق التصور.

          والنور كلمة يسمعها الإنسان ولا يدرك منها إلا تلك الأشعة تسقط على جسم معتم ، ثم تنعكس ، أو تتشتت عن هذا الجسم الذي سقطت عليه لتسقط مرة أخرى على العين بمحتواها المعروف من خلال أسباب مخلوقة، فيبصر الإنسان الجزء الذي انعكست منه أو تشتت عليه الأشعة حين سقطت من مصدرها .

          هذه هي حدود الكائن المخلوق في فهم مدلول النور، وما يظن عاقل وما ينبغي له أن يظن أن هذا المعنى هو المراد عندما نقول : إن الله نور، إنما الذي يدركه الكائن هو هذه الرهبة والخشية التي تقع في قلبه حين يعلم أن هذا النور ليس محلاً للرؤية المحكومة بنظريات البصر.

          ولم تك السيدة عائشة تسأل عن شئ بمقدار ما كانت تعبر عن حالة من حلات الرهبة قد انتابتها والنبي يقص عليها حادثة الإسراء والمعراج ، حين قالت للنبي صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك ؟ ولقد أجاب النبي صلى الله عليه وسلم بكلمات معبرة أصدق تعبير عن حقيقة العلاقة بين الإنسان وربه حين يقال له : إن الله نور ، لقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة : " نورٌ أنى آراه "، وخلاصة هذه الجملة أن الله نور فكيف يُرى ؟

           ولو أننا انتقلنا إلى الجزء الثالث من هذه الجملة ، وهو : السموات والأرض باعتبار أنهما مُتعَلقٌ لنور الله ، ومجال من مجالاته، فإننا لا نكاد نفهم شيئاً ذا بال ، مقيساً إلى الحقيقة الكلية ، ذلك أن العقل قاصر عن إدراك هذه الحقيقة على وجهها ، وقصور العقل نقص فيه ، وتبقى الحقيقة الكلية متألقة .

          وإدراك هذه الحقيقة إذا كان غير ممكن لقصور المدرِّك ، فإن الناس أمامها على درجات ، وأعلى هذه الدرجات مستقر الأنبياء ، إذ هم يدركون من تلك الحقيقة بمقدار ما يتسع له قلوبهم، ونحن نستطيع أن نرى ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم وهو عائد من الطائف ، مشحون بالمشاعر السلبية تجاه أهل الطائف ، ومملوء بانفعالات الخوف على مستقبل الدعوة، في نفس الوقت الذي أشرق فيه نور الأمل على قلبه حين مُلئ بشئ من نور ربه ، فقال لربه فيما قال : " أنت رب السموات والأرض وأنت ربي" ، والموقف نفسه نجده في موسى عليه السلام حين جُمع له السحرة وخاف على مستقبل رسالته ، فملأ الله قلبه بنور الحقيقة حين سمع موسى أو أدرك بقلبه " لا تخف إنك أنت الأعلى " .

          وإشعاعة النور في قلب العباد له مجالات متعددة يشير إليها النبي وهو يدعو ربه : " اللهم اجعل في قلبي نوراً ، وفي بصري نوراً ، وفي سمعي نوراً ... " ثم يظل النبي يطلب النور الألهي حتى في الجهات من حوله .

          ألم أقل لك إنها حقيقة كبرى يستيقنها العبد فتلقى بالرهبة في قلبه ؟ ولكنها رهبة المحب من المحبوب ، والعبد من المحبوب .

          وهذه الحقيقة المستيقنة هي فوق الإدراك ، وكان لابد من صورة محسوسة تقربها ، ولا تكون هي هي .

          ولقد استجاب القرآن الكريم إلى هذه الضرورة الفكرية ، فأتى بتلك الصورة الحسية إلى جوار الحقيقة المجردة المتأبية على الحس ، فجاء الأمران متجاوران على هذا النحو : " الله نور السموات والأرض " فما مثل هذا النور ؟ إن مثله هو هذه المشكاة ، وهي تلك الكوة في الحائط التي تجمع النور فيها ، ألا ترى إلى هذا الجزء من المثل ، وقد استحضر أمامنا هذه الكوة تمثل السموات والأرض ، ولا تكون الكوة هي السموات والأرض، وإنما هو مثل تقريبي ، ثم يستمر المثل في رسم الصورة المادية، فالكوة فيها مصباح يخرج النور منه فتجمعه هذه الكوة ، والمصباح في زجاجة ليست من هذا الزجاج العادي ، بل هي زجاج صافي يجمع الضوء ولا يحبسه ، ويدفع عنه العاديات كالرياح ، ويُزيده تألقا ، ثم إن هذا المصباح لا يوقد من هذه الأشياء التي تحتوي على الشوائب التي إذا عُرضت على النار تلقي بمخلفاتها المؤذية والحاجبة للرؤية ، إنما يوقد هذا المصباح من شجرة مباركة زيتونة ، والإشارة إلى هذه الشجرة إشارة إلى عموم النفع ، فمن صفاء زيتها الذي يكاد يضئ بنفسه إلى عموم البركة التي تشملها ، ثم إلى ما تختص به من طول العمر ونفع الثمر والورق ... إلخ ، ثم يعود النص من هذا التضييق في المثل إلى سعة الإشارة حتى لا يحملنا الخيال على تضييق نور الله ، فينفي عن الشجرة التي هي جزء المثل أن تكون شرقية أو تكون غربية ، ثم إن زيتها يكاد يضيئ بنفسه لا يفتقر إلى غيره ، فهو مضيئ ولو لم تمسسه نار ، فإذا وصلنا إلى غاية المثل كانت غايته فيما يشبه النتيجة ، حيث إن غاية المثل يُلقي بين يدي تصورنا نوراً على نور ، وهي نتيجة بلغت من العموم حداً يجعلنا نقترب من الحقيقة التي جاء المثل لتقريبها للأذهان " يهدي الله لنوره من يشاء"، ونحن نجد ذلك كله في قوله تعالى : " الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شئ عليم " ( النور : 35) .

* * *

    د/ طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة

 


من مطلوبات جريدة الجمهورية                       للنشر في رمضان 1429هـ

أ / فريد إبراهيم 

----------------------------------------------

مثل في آية ( 25 )

أثر الرسالات في الأمم ( الجمعة : 5 )

        حين تضطرب الأحداث في المجتمعات والأفراد يرسل الله عز وجل رسله، وحين يغيب الأمن الداخلي والخارجي ينزل الله عز وجل كتبه ويوحي إلى أنبيائه ورسله بوحيه يتحمله هؤلاء الرسل والأنبياء ويبلغونه إلى أممهم.

          والله لم يرسل الرسل ، وينزل الكتب ، ويكلف الأنبياء بما يريد أن يكلفهم به عبثاً ( وحاشاه ) ، وإنما يرسل الله رسله ، وينزل كتبه ، ويكلف أنبياءه بما يريد أن يكلفهم به ، ليرفع خسيسة عرضت لجماعة من البشر حين يأخذ بأيديهم لينقذهم من هذه الوهدة السحيقة التي تردوا فيها .

          وإذا كان الله لم يخلق البشر إلا وقد تفضل عليهم برفع مكانتهم على كثير من مخلوقاته، فإنه في نفس الوقت لم يتركهم عرضة للتردي، ولم يدعهم في وجه عاديات الزمان تنزل بهم من مكانتهم على القمة إلى السفح الهابط ، فكان التكليف هو الوسيلة التي اختارها الله لرفع الإنسان دائماً من السفح الهابط إلى القمة السامقة .

          والرسل والأنبياء هم السفراء بين الله وبين عباده ، يوحي إليهم ربهم بالوحي ، ويأمرهم بتبليغه ، فيكون من أهم أدوار الأنبياء والرسل أنهم يحملوا الناس بالنيابة عن الله هذا المنهج الذي ارتضاه الله لهم ، وما على الناس إلا أن يتحملوا هذا المنهج الرباني إن أرادوا لأنفسهم السلامة.

          وهنا يجب على المرء أن يتساءل عن حقيقة التحمل التي أرادها الله وارتضاها ولا يرتضي غيرها .

          وحقيقة التحمل تمر بعدة مراحل نشير إلى أهمها في هذه العجالة.

          ومن أهم مراحل التحمل عن الله بواسطة الأنبياء هذا الإصغاء للأنبياء والرسل ، والإنصات إلى ما يقولون بغاية الاهتمام ، على نحو ما قال الله عز وجل : "وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون".  وعلى نحو ما قال : " يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم " .

          وهذا النوع من الإنصات يظل عديم القيمة ما لم يكن الإنصات مصحوباً بالتصديق القلبي ، والاعتقاد الذي لا يخالجه شك بأن هذا من عند الله ، وأنه هو خير للناس وأقوم .

          وهذا الاعتقاد هو الأساس القويم الذي تنبني عليه وتنبثق عنه جميع ضوابط السلوك الظاهري ، هذا السلوك الذي يظل معلقاً في الهواء بغير مستقر لما لم يتخذ من العقيدة قاعدة له ، وهذه الأصول إلى الآن لا تكتمل إلا إذا كان هناك نوع من الدفء الناتج من الهيبة التي تحيط بالعلاقة بين الخالق والمخلوق.        

          وهذا الربط بين العقيدة والسلوك يبقى هكذا نوعاً من الشقشقة الفارغة ما لم يكن للعقيدة والسلوك أثر ملحوظ في الواقع أو في دنيا الناس أفرادهم وجماعاتهم على السواء ، فإذا ظهر هذا الأثر يكون المنهج حينئذ قد أدى وظيفته.

          ويبقى في حقيقة التحمل أن نقول : إن على المتحمل أن يؤدي الأمانة التي تحملها استيعاباً وتأثراً ، وعملا وممارسة ، على المتحمل أن يؤدي هذه الأمانة التي تحملها لغيره من بني نوعه الذين كُلفوا بها ، كما قد كُلف بها ، ويحملهم على العمل بمقتضى المنهج الذي سبقهم هو إلى العمل به .

هذه هي حقيقة التحمل التي نجدها منثورة في نصوص القرآن والسنة، فإذا لم تتحقق هذه الحقيقة في فرد أو جماعة، يكون الفرد قد خان الأمانة، وتكون الجماعة قد سقطت من القمة التي وضعها الله عليها .

          ونحن نرى في تاريخ الأنبياء والرسل ، كما نرى في الحقب التالية لهم إلى الآن نوعين من البشر : نوع حُمِّل الأمانة فتحملها ، ونوع آخر حمل الأمانة فكان تحملهم لها شكليا لا يصل بالأفراد إلى غاية ، ولا يرتفع بهم عن منخفض.

          هذه هي الصورة العقلية.

          أما الصورة المحسوسة التي هي وسيلة الإيضاح ، والتي تقرب المعنى المعقول إلى الأذهان، فقد ذكرها الله لنا في سورة الجمعة ، حيث حكاها لنا من تاريخ بني إسرائيل.

          ومادة هذه الصورة المحسوسة هي أن سيدنا موسى عليه السلام قد جاء بني إسرائيل بالتوراة ، فحملّها لهم أمانة في أعناقهم ، وهم قد حُمُلوها ، ثم خانوا الأمانة ، ولم يؤدوها على وجهها ، فلم ينتفعوا بها في أنفسهم، ولم يؤدوها إلى غيرهم ، فكانوا كهذا الكائن من الدواب الذي نستعين به، لينقل أغراضنا، ومن هذه الأغراض هذه الكتب وتلك الأسفار التي تحتوي المنهج، والتي نعتمد عليها في تسجيل أسسه لنستعين بها تذكرنا إذا نُسينا وتعلمنا إذا جهلنا.

          وهذه الكتب تحملها الدواب على ظهورها، وليس للدابة من هذه الدواب إلا هذا الثقل الذي ينوء به كاهلها دون أن يتاح لها أن تستوعب أو أن تفقه أو أن تقوم بتعليم الآخرين، إنها صورة مزرية ولا شك ، وما علينا إلا أن نستفيد من العظة المنوطة بها فنستوعب المنهج في تحمل صادق وأمانة جادة ونحن نقرأ الصورة على وجهها من كتاب الله : " مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين " ( الجمعة : 5 ) .

* * *

    د/ طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة

 

 

 

من مطلوبات جريدة الجمهورية                       للنشر في رمضان 1429هـ

أ / فريد إبراهيم 

----------------------------------------------

مثل في آية ( 26 ) (الزمر : 29)

التوحيد حقيقته وثمرته

       لقد خلق الله هذا النوع الإنساني لا ليعيش أفراده متوحدين، بحيث يدير كل واحد منهم ظهره لبني نوعه مستغنيا عنه لا يرغب منه في خدمة ، ولا يحتاج إليه في معونة .

          لم يخلق الله هذا النوع الإنساني على هذا النمط ، إنما خلق الإنسان وفي فطرته أنه اجتماعي، وفي طبيعته أنه مدني.

          إنه اجتماعي بالطبع ومدني بالفطرة لا يستطيع أن يعيش إلا هكذا ، ولا يستطيع الفرد أن يوفر حاجته إلا بمعونة غيره من الناس.

          هذه هي حياة النوع الاجتماعية.

          أما حياته الفردية فإن طبيعتها لا تختلف عن طبيعة الحياة الاجتماعية ، فالفرد مطبوع على أشواق وتطلعات، والفرد مغروس منه مجموعة من الغرائز تتعدد بتعدد احتياجاته في نفسه واحتياج الجماعة منه ، وهذه الأشواق وتلك الغرائز لا يتم إشباعها وتحقيق وظائفها إلا من خلال الجماعة المؤتلفة من الأفراد.

          والأفراد والجماعات جميعاً ما دام هذا هو حالهم ، فإنه لا يصلحهم إلا وحدة الهدف ، ووحدة الطريق إلى الهدف، ووحدة المنهج المتبع في السير على الطريق إلى الهدف.

          وهذه النتيجة التي انتهينا إليها هي التي تقربنا من فكرة التوحيد، وتمكننا من الحديث عنها وعن جدواها.

          والرسالات السماوية من أولها إلى آخرها، والرسل والأنبياء من أولهم آدم إلى خاتمهم محمد ، كانوا جميعاً قد دعوا الناس إلى هذه الفكرة لا يشذ منهم واحد "شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه .. " (الشورى : 13).

          فكرة التوحيد في معناها البسيط هي أن المطلوب من الناس جميعاً أن يعبدوا إلهاً واحداً هو ربهم، وأن يتخذوا له سبيلاً واحداً هو دينهم الذي ارتضاه لهم، وأن يكون مصدرهم في هذا الدين نبياً واحداً هو الذي أرسله الله لهم .

          وهذه الفكرة المبسطة للتوحيد ثمرتها في الفرد توفير طاقاته ليتمكن من بذلها لتحقيق أغراضه التي توفر له سعادته.

          وهذه الفكرة المبسطة للتوحيد ثمرتها في الجماعة، أنها تجمع جهودها وتكتلها لتعمل خلف تحقيق هذا الهدف المشترك الذي يحقق للأمة رقيمها  ، ويوفر لها سعادتها .

          هذا هو التوحيد ، وهذه هي ثمرته.

          غير أن القرآن الكريم يؤكد للنبي صلى الله عليه وسلم أن هذا المعنى للتوحيد، وتلك الثمرة المناطة به قد كبرت على المشركين ، وكبر عليهم ما يدعوهم النبي إليه، من أن يكونوا موحدين ليحصلوا الثمرة  " .. كبر على المشركين ما تدعوهم إليه .. " ، ومع ذلك فإن الله عز وجل لا يُجبر أحداً على سلوكه، وإنما هو يجتبي إليه من يشاء على أصل المحبة والرضا، ويهدي إليه من ينيب على أصل من الاختيار لدى هؤلاء ، فيعينهم على سلوك الطريق الصحيح إليه.

          وهؤلاء القوم الذين تراءى لهم الإشراك فاتخذوه سبيلاً ومنهجاً قد تفرقوا ولم يكن تفرقهم عن جهل منهم، وإنما هي المصلحة القريبة، والطمع في تحقيقها، والبغي على الآخرين "وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم .. " وهم حين تفرقوا تقطعت بهم الأسباب، وتفرقت بهم الأهداف فضلوا وأضلوا.

          هذا : وإننا في نهاية المطاف قد حصلنا على نوعين من البشر : نوع اعتنقوا التوحيد فاستقروا، وسعدوا، وتوفرت لهم قواهم وطاقاتهم، وانجلت بصائرهم وأبصارهم ، وقوم آخرون تمردوا على التوحيد، فتخبطوا بين الشرائع والنظم الاجتماعية، فمن شيوعية إلى ديمقراطية رأسمالية إلى عولمة بغيضة إلى لا شئ، وعلى مستوى الأفراد نجد التخبط نفسه، فمن عبادة المال إلى عبادة الجنس إلى عبادة الفن إلى عبادة الرياضة ثم إلى عبادة  هلامية ترمي بصاحبها في تيه لا يعرف أين هو ولا أي طريق يسلك ، ولا أي إله يعبد، فإذا سألته عن ذاته ، ومشوار حياته قال لك : (أنا من ضيع في الأوهام عمري) .

          وتلك هي الصورة المعقولة ، أما الصورة المحسوسة، فقد ذكرها القرآن في مثلين من بيئة قديمة يراهما أهلها رأي العين ، وتراها الأجيال التالية بالبصيرة المضيئة والمستنيرة.

          أما المثل الأول فهو عبارة عن عبد رقيق اشترك في ملكيته جماعة متشاكسون فيما بينهم لكل واحد منهم هواه، ولكل واحد منهم رغباته، ولكل واحد منهم طلباته التي يتوجه بها إلى هذا العبد ليوفرها له بحكم حصته في ملكيته، والعبد حائر وسط هذا الركام من الطلبات التي يطلبها منه الشركاء المتشاكسون، فلا هو قادر على تحقيقها، ولا هو قادر على إرضاء الجميع.

          " أما المثل الثاني فهو عبارة عن عبد يملكه رجل حريصٌ عليه ملكية خاصة به ، ومع أنه مملوك إلا أن مالكه قد منه رجولته، فصارت العلاقة بينهما حميمة، العبد الرجل يعرف مطلوبات سيده منه، ويرغب في تنفيذها، وهو حريص على توفير أسباب رضى سيده عنه، أما سيده فهو حريص على أن لا يجهده، وهو حريص في ذات الوقت على أن يهيئ له كل شئ يسعده في  حالة من الرضا عنه والرضوان، فهل يستوي المثلان، فلنتأملهما في الآية الكريمة " ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون ورجلاً سلماً لرجل هل يستويان مثلاً الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون " ( الزمر : 29 ).

* * *

    د/ طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة

من مطلوبات جريدة الجمهورية                       للنشر في رمضان 1429هـ

أ / فريد إبراهيم 

----------------------------------------------

مثل في آية ( 27 )

وظيفة المثل في مجال الفكر

       إنه لمن الجائز المقبول في العقول أن نفهم قول الله تعالى : " ما فرطنا في الكتاب من شيئ " على أن المراد بالكتاب هو القرآن الكريم، كما يجوز أن نفهم أن يكون المراد بالكتاب هو اللوح المحفوظ .

          وسواء ساغ بين يديك هذا الاحتمال أو ذاك فإننا أمام مسألة قد طرحت نفسها من خلال القرآن الكريم لنتمكن من النظر فيها، وهذه المسألة هي الفهم من خلال ضرب الأمثال كيف يمكن استخدام منهج ضرب الأمثال لتحقيق الغاية المرجوة من استخدامه.

          وكأي فكرة يمكن طرحها للتأمل فيها فإن فكرة إمكانية الاستفادة من ضرب المثل قد فهمت على طريقتين إحداهما: خاطئة تنفر منها الطباع وتجافيها البداهة وتغص بها الحلوق لا لشئ إلا لأنها تحاول التسوية بين شيئين لا يمكن الجمع بينهما لعدم وجود الأرضية المشتركة بين هذين الشيئين، ولأن طبيعة هذين الشيئين لا تقبل الجمع بينهما لغياب الأرضية المشتركة ولغياب التشابه بينهما ولو في أقل القليل كان استعمال المثل الذي مهمته الجمع بينهما على أساس من نوع من أنواع العلاقات لون من العبث.

          وهناك طريقة أخرى للاستفادة من ضرب الأمثال قد تعتمد الفطرة السليمة والبداهة وحدها أو عليهما مع شئ من نصب الدليل واصطناع المقدمات إلى النتائج، وهذا النوع تستعمل فيه الأمثال لتقريب الشئ المعقول من الأفهام من خلال صورة محسوسة تراها العيون وتلمسها الأيدي بشئ من اليسر والسهولة.

          ومنذ حقب طويلة في التاريخ قد ضل أُناس في استخدامهم لمنهج ضرب الأمثال كما استقام آخرون على الجادة وركبوا لها الصراط المستقيم.

          تلك هي القضية التي يتصدى لها القرآن ليوضحها.

          ففي سورة النحل يبين الله حال جماعة من البشر انحرفوا في اصطناع وسائل الإيضاح فبدلاً من أن يتخذوا شيئاً محسوساً لتقريب فكرة العقيدة في الله لمن هم في أوائل الطلب من الصبيان أو لمن هم في مثل هؤلاء من حيث المستوى الفكري أو الذكاء الذهني اتخذوا أصناماً من مواد غير حية وقالوا : إن هذه آلهة يمكن إشراكها في العبادة مع الله وحملوا معارفهم وذويهم على الاعتقاد في هذه الأصنام من خلال إشاعة أنها أمثلة لله.

          وما كان لأحد عنه مَسْكة من عقل أو أثارة من تجربة أن يستوعب هذا المسلك لأنه مجافٍ للفطرة مُعادٍ للبداهة.

          كما بينت سورة النحل على الطرف المقابل لكل مُعلم أو مُربي أن الأمثال وسائل إيضاح مادية وظيفتها تقريب الفكرة المعقولة للنفوس.

          فهذان رجلان أحدهما عبد مملوك ليس له من الحرية نصيب بحكم أنه مملوك للغير، ومعنى أنه مملوك لغيره أن حريته قد صودرت تماماً فهو ليس قادراً على اتخاذ قرار في توجه أو سلوك مما أدى به إلى صفة ثانية فوق سلب الحرية منه وهو سلب القدرة الشخصية على فعل شئ معين يتوقف على الحرية وعلى طلاقة الاختيار فهو ليس حراً حرية مطلقة لأنه مملوك، وهو ليس حراً حرية جزئية لأنه غير مأذون له فيها إنه على الجملة عبد مملوك لا يقدر على شئ، وفي مقابلة هذا العبد المملوك رجلٌ حُرّ قد هيأ له ربه حريته وأفسح له في رزقه وجعل رزقه هذا حسناً فهدته حريته إلى أنه يجب عليه أن ينفق من ماله في كل مجال يستحسن الإنفاق فيه ، وعلى كل وجه من الإنفاق ينسجم مع السلوك الاجتماعي والفطرة الطبيعية، وهو قد أعانته قدرته على التصرف فيما يملك استناداً لمبدأ الحرية السالف الذكر، فما الذي يمنعه والحالة هذه أن ينفق من ماله سراً حين يستحسن الإنفاق في السر وجهراً حين يستحسن الإنفاق جهراً.

          هاتان صورتان تقبلهما الفطرة ويؤيدهما الواقع المشاهد فلا غرابة فيهما ولا نشاز ، وتبقى النتيجة المستخرجة من إيجاد الارتباط بين هاتين الصورتين وهي يمكن أن تأتي في سؤال تقريري كأن نقول عن هذين الرجلين "هل يستويان".

          ومثل آخر قريب من ه ذا المثل ؛ فهذان رجلان أحدهما فقد حاستي السمع والنطق فصار أبكما وفقد هاتين الحاستين يورث صاحبها بلاهة ونقصا في الإدراك لانسداد طريقين هامين من طرق المعرفة عنده فصار هذا الرجل أبكما لا يقدر على شئ لا لنفسه ولا لغيره حيث كان كالاً على مولاه وحيث كان أينما توجهه لا يأت بخير، وهذا الأبكم يقابله رجل آخر فيه صفتان : العدالة والاستقامة بهما يكون خيره عاما في الناس لا يخش منه جَورٌ في الحكم ولا نشاز في السلوك. فهل يستويان مثلا ؟ ، إن المثل حين يضرب على هذا النحو يكون مفيداً في مجال التعليم حيث نرقى منه من المستوى البشري لنقول : إن المشرك قد خسر عقله وسلوكه حيث سَوَّى بين الحر المالك القادر على العطاء خزائنه ملأى ويده سخاء وبين صنم ليس له من خواص  الوجود حتى عنصر الحياة ولقد شرح الله ذلك كله في هذه الآيات : " ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقاً من السموات والأرض شيئا ولا يستطيعون. فلا تضربوا لله الأمثال. إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون. ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شئ ومن رزقناه منا رزقاً حسناً فهو ينفق منه سراً وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون. وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شئ وهو كَلٌّ على مولاه أينما يوجهه لا يأتِ بخير هل يستويان هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم" (النحل : 73 : 76).

* * *

    د/ طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة


من مطلوبات جريدة الجمهورية                       للنشر في رمضان 1429هـ

أ / فريد إبراهيم 

----------------------------------------------

مثل في آية ( 28 ) ( الأنعام : 122 )

الإيمان حياة ونور والكفر موت وظلمة

       حين خلق الله عز وجل الإنسان خلقه من جسد وروح ، وإذا كان للجسد حياته وسلامته، فإن للروح كذلك حياتها وهدايتها ونورها.

          ولكل من الجسد والروح مجاله الذي يعمل فيه، ووسائله التي يحيى بها ؛ فلما كان الجسد مؤتلف من عناصر الأرض كانت أسباب حياته ممتدة منها، فخلاياه المتعددة تحتاج إلى عوامل بقائها، كما تحتاج أحيانا إلى إحلال وتبديل، وهي في الحالتين تعتمد على عناصر المادة، كما أن الجسم لا يستغني عن الطاقة، وهي الأخرى مأخوذة من المادة وعناصرها، ولا يكفي تواجد عناصر المادة في الجسم لكي يبقى الجسم حياً ، ولكن لابد أن تكون هذه العناصر ممثلة بنسب منضبطة ، بحيث لو اختلت هذه النسب بالزيادة أو النقص عرض للجسم مشاكله التي قد تنتهي به إلى التحلل والتفكك والموت.

          هذا هو حال الجسم، والحفاظ عليه بهذا الشكل وعلى هذا النحو أمر قد انفرد الله به ، وأعفى منه صاحبه، إذ لو عهد به إليه لكان تكليفا بما لا يطاق ، فلم يُبقِ الله عز وجل للمرء من عمل يقوم به في هذا المجال على اختياره ، إلا تناول طعامه وشرابه يضعهما في فيه ، ولا عليه بعد ذلك أن يدرك أين ذهب طعامه وشرابه، وهذا أمر واضح يعرفه الإنسان من نفسه.

          وعلى الجانب الآخر تكون الروح، أو النفس، أو القلب ، أو العقل ، أو بكلام مجمل تكون هذه النفخة من روح الله .

          والنفخة من روح الله يحييها الإيمان ويضيئ لها طريقها، ويميتها الكفر، وتُظلم بسببه أمامها السبل.

          فالنفخة من روح الله ليس لها ما يحييها إلا منهج الله تتلقاه فتؤمن به فيهديها سبل السلام وسط الضوء الكاشف من الحقيقة الذي يبدد كل ظلام ، وفي غياب هذا الإيمان نجد هذه النفخة من روح الله قد ضلت طريقها بعد أن فقدت حياتها وتراكمت عليها الظلمات، فمن ظلمة الهوى إلى ظلمة الوهم، إلى قمة الظلمات وهو الشرك.

          وفي القرآن الكريم قصة في بني إسرائيل تتحدث عن جماعة من البشر ضلت قلوبهم الطريق إلى الإيمان فتعلقت بالحياة وخافت الموت ، وهذه الجماعة من بني إسرائيل ائتلفت من ألوف مؤلفة ، فخرجوا من ديارهم فراراً من الموت الذي لم يذكر القرآن له سبباً قد تراءى لهذه الألوف حيث لم يتعلق به غرض في القصة، إذ المهم أن هؤلاء الناس مع كثرتهم قد خافوا الموت لانعدام الإيمان في قلوبهم، فزادهم الله بسبب نقص الإيمان عندهم من هذا الرصيد الذي بدأ بالهوى ليتلوه الوهم ليتربع قمة الشرك، إذ قال لهم الله موتوا ، فماتوا موتاً اجتماعياً لا موتاً جسدياً، وظلوا على ذلك التخبط فترة من الزمن، ثم أحياهم الله بالهداية والإيمان فأضاء  لهم الطريق، وفي ذلك يقول الله : " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون" (البقرة : 243) ، وفي هذه القصة لم يلتفت كثير من المفسرين إلى هذا الموت الروحي فظنوا أن الموت هنا موت جسدي، وأن القصة تحكي موتاً جسدياً تلاه بعث لطائفة من الطوائف من بني إسرائيل لها واقعها التاريخي مع أن القرآن الكريم يتحدث كثيراً عن موت الله وما يترتب عليه هذا الموت من آثار سلبية .

          ولكن على ما يبدو لنا أن مسألة موت الروح والإلقاء بها في الظلمات ربما يصعب إدراكها من الأفهام.

          ومن أجل هذه الصعوبة رأينا القرآن يضرب المثل من المحسوسات والذي يقربها إلى الأذهان.

          ولم يبتعد القرآن كثيراً عن حال الإنسان المخاطَب من الله بالقرآن ، فعقد مقارنة بين حالته الجسمية وحالته الروحية.

          فجسم الإنسان قد وجد من العدم، وهو قبل وجوده من العدم لم يكن شيئاً مذكوراً ، فماذا لو بقى هكذا لم يخرجه الله من العدم ؟ إنه سيكون ميتاً أو معدوماً، إلا أن الله قد منّ عليه بالحياة، وأمده بالأسباب التي تحافظ على حياته ، كما أمره بالاستعداد الذي يمكنه من الاستفادة من هذه الأسباب ، فباشر حياته في نشاط ، وسار في طريقه إلى غايته .

          وهذه الحالة المادية التي يدركها الإنسان من نفسه يماثلها تماماً حالته الروحية، إذ الله يحييها بالمنهج وبالنظام اللذين كلفها الله باتباعهما ، فإن آمنت يهبها إيمانها الحياة ، كما يهبها نورها الذي تسير به في الظلمات ، وإن كفرت أماتها الله وغمسها في الظلمات لا تخرج منها.

          وهذه الصورة التي ذكرها الله في القرآن تقرب الفكرة المعقولة لمن شاء من أصحاب الفهوم، فاقرأ إن شئت قول الله عز وجل : " أو من كان ميتاص فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون " ( الأنعام : 122 ).

* * *

    د/ طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة


من مطلوبات جريدة الجمهورية                       للنشر في رمضان 1429هـ

أ / فريد إبراهيم 

----------------------------------------------

مثل في آية ( 29 ) ( الفتح :  29 )

لوحة تسر الناظرين ( أ )

       إني حين أرصد خطواتي وأنا أتقدم إلى القرآن الكريم أستهديه فكرة هذه الحلقات الواحدة تلو الأخرى أجد نفسي كلما اقتربت من النهاية أشعر بشعور غريب.

          وهذه المرة أجد نفسي وكأن المثل في القرآن قد تحول بي عن طريقته في الإمداد ؛ فبينما المثل كان في كل مرة يملي علىّ ما تمليه وسائل الإيضاح إذا به هذه المرة يرسم لي ويرسم لغيري لوحة تنضح بالجمال وتشع بالنور على وجه كل من ينظر إليها أو يتأملها ، فلم يعد المثل هنا وسيلة إيضاح إنما صار المثل منظر جمال وواحة تضفي على ساكنيها والمحيطين بها ما يريح النفس ويهدهد الوجدان.

          وكنت أظن أن القرآن الكريم حين جاء بالصورة ( المثل ) في عصر المبعث كان قد أتى بصورة أنشأ في النفوس التي تلقتها شعوراً بها وبجمالها لأول مرة ، غير أن هذا الظن قد تبين خطاؤه لأن الله عز وجل قد ذكر أن هذه الصورة قد أرسل بها ربنا إلى الناس قبل عصر مبعث النبي بقرون سبقتها قرون، إذ إن هذه اللوحة بتمامها قد  نزلت في التوراة التي جاء بها موسى في زمانه نوراً وهدى للناس .

          وهذه الصورة أو تلك اللوحة قد أرسل الله إلينا بمفاتيح قراءتها والنظر فيها قراءة ونظراً يتخطيان الواقع المشاهد في عصر المبعث إلى التحليق في آفاق من الأحوال لم يستطع أن يبلغها الخيال فما الخيال إلا تركيبة من مواد لها بالواقع المحسوس صلة أما هذه الصورة أو تلك اللوحة فإن الذي خلقها هو الذي خلق الواقع وسبب للخيال أسبابه وارتفع بهذه الصورة فوق ما خلقه وسببه.

          لقد أعطانا الله عز وجل مفاتيح قراءة هذه اللوحة وتأملها ليسهل علينا استيعاب ألوانها بعيون قد جهزت استيعاب هذه الألوان وبقلوب قد أرهفت لتذوق معطيات هذه الصورة أو تلك اللوحة .

          ففي اللوحة وعلى القمة منها هذا المخلوق العظيم المتميز الذي يعد بمجرد تميزه عنصراً فريداً في هذه الصورة ومع ذلك فإن الله ـ وهو يمنحنا مفاتيح قراءة اللوحة ـ قد أضفى على هذا المخلوق المتميز شيئاً آخر أكسب تميزه الذاتي ميزات كثيرة ملأت الآفاق وسبقت كل تصور.

          وعلينا أن نقرأ في هذه اللوحة هذا الجزء المتميز والذي مفتاح قراءته الصحيحة هي في هذه الجملة ( محمد رسول الله ).

          إن من يقع هذا المفتاح في يده عليه إن استطاع أن يوقفني على أي حد من حدود التذوق يشعر به إنسان حين ينظر إلى هذا الجانب من جوانب تلك اللوحة ويقيني أن أحداً لن يستطيع أن يصف هذا القدر من التذوق لأنه قدر ممنوح وهو لا حدود له، فليرتشف منه من أراد كلٌّ على قدره .

          ومن خلال الرابط القوي بين النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته نجد القرآن الكريم يلقي بنا في جانب آخر من جوانب اللوحة وهو الجانب الذي يتحدث عن الصحابة وعلاقة كل واحد منهم بغيره أيا كان هذا الغير وهنا نجد الألوان المستعملة في اللوحة للتعبير عن هذه الجزئية تشع على الناظرين فتبعث فيهم الشعور بأن الله  قد جمع لصحابة رسول الله أمرين متناقضين في وقت واحد لولا اختلاف الجهة ؛ فالواحد منهم رحيم يكاد يذوب رقة حين يجلس إلى إخوانه المؤمنين ، والواحد منهم شديد صلب يملك إرادته وقراره في علاقاته مع غير المؤمنين إنك تنظر إليه في اللوحة وهو مع إخوانه فتحسبه ماءاً رقراقاً يكون سبباً للحياة في كل من حوله وما حوله، وأنت تنظر إليه أخرى حين يكون في علاقاته مع الكافرين المعادين له فتحسبه صخراً لا يلين أو صلباً قوياً لا يكسر. هذا مفتاح شخصية الصحابي الذي يمدنا به الله ويمكننا منه القرآن.

          وهؤلاء نحتاج نحن إلى مفتاح آخر يساعدنا على قراءة جانب من جوانب اللوحة يشرح لنا علاقتهم بالمنهج الذي يحدد علاقتهم بربهم، والمفتاح الحقيقي الذي يمكننا من قراءة هذا الجانب هو ما قال الله عنه : " تراهم ركعاً سجداً " ، والمتأمل في صورة القوم طبقاً لهذا المفتاح الممنوح لنا يشعر لأول وهلة وكأن هؤلاء قد ملؤا زمانهم بالركوع والسجود فإذا ما تأمل الفرد مليا وجد أن الركوع والسجود إنما هي رموز تعبر عن أن القوم دائموا الطاعة لله عز وجل.

          وينتقل بنا الفضل الإلهي فيمنحنا الله عز وجل مفتاحاً آخر لقراءة هذه اللوحة في جانب آخر من جوانب صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جانب يعبر عن التطلعات والأشواق ، ونحن حين نستعمل هذا المفتاح ، ونحن نتأمل هذا الجانب لم نجد إلا ألواناً تعبر عن جماعة لا تقف تطلعاتهم وأشواقهم عند طلب الخوف من النار وسكون الجنة ، إنما قد انتهت بهم أشواقهم إلى حيث قال الله عنهم " يبتغون فضلاً من الله ورضواناً " ، فهل هناك خيال يستطيع أن يرسم هذه الأشواق وتلك التطلعات .

          وآخر ما يمنحه الله لنا من مفاتيح قراءة الصورة أن هؤلاء القوم مهما بالغوا في إخفاء علاقاتهم بالله وتطلعاتهم إلى رضوانه، فإن الواحد منهم يصبح وقد أعلن الله عنه باعتباره عبداً من عباده الصالحين من خلال نور ينضحه على وجهه فيصير علامة له وسمة يدركها منه البار والفاجر كما قال ربنا : "سيماهم في وجوههم من أثر السجود" وما هي هذه النكتة السوداء أو الداكنة في جبهته إنما هي هذا النور ينضحه الله في وجهه، عجيبة تلك اللوحة وأعجب منها أن الله قد رسمها لهم في التوراة قبل وجودهم في التاريخ ولنقرأ : " محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة " .

* * *

    د/ طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة


من مطلوبات جريدة الجمهورية                       للنشر في رمضان 1429هـ

أ / فريد إبراهيم 

----------------------------------------------

 مثل في آية (30) (الفتح :  29)

لوحة تسر الناظرين ( ب )

          إن كل مسلم في هذا اليوم تجذبه مشاعره في اتجاهات شتى حين يرى هذا الضيف العظيم وقد طوى صحفه وحزم حقائبه حين أمر بالرحيل.

          إن كل مسلم في هذا اليوم تجذبه مشاعره في اتجاهات متعددة ، فهي تجذبه إلى الماضي البعيد يتأمل في صورة رجالٍ هم رجالُ عصر المبعث باعتبارهم الذين يمثلون القدوة ويحتلون منها موقع القمة.

          ومشاعره تجذبه إلى المستقبل يتأمل فيه ـ إن استطاع ـ صورة موقف سيكون هو أحد الحاضرين فيه وسيحضره هذا الضيف الكريم الذي يعتزم الآن الرحيل شاهداً للبعض وشاهداً على الآخرين.

          ثم إن مشاعره أخيراً تحيط به وتجعله ينظر إلى حاضره ويتأمل فيه صورته هو تأملاً يقارن فيه نفسه ويقارن حاله بحال أولئك الذين رأى صورتهم وهم يعيشون عصر المبعث، ثم هو كذلك يحب أن يقارن صورته وحاله بحال أناس سيشاركونه عما قريب في موقف بين يدي الله يشهد لهم رمضان أو يشهد عليهم.

          وأحب هنا أن نستكمل الحديث عن رجال كانوا في عصر المبعث عاشوا فترتهم التاريخية وقد رسم الله لهم صورتهم في التوراة قرأها موسى عليه السلام وأتباعه فاشتاق المخلصون منهم إلى أن يكونوا أحد مكونات هذه اللوحة التي قراؤها .

          ولقد شاء الله عز وجل أن تكون ألوان اللوحة التي رسمت صورة أصحاب النبي في التوراة غير مؤدية لتصور مادي غليط فما كان بنو إسرائيل في ذلك الوقت في حاجة إلى تنامي الشعور المادي وبناء شخصيتهم على أساس منه فلقد اكتسبت شخصيتهم من ذلك الشئ الكثير.

          أما صورة صحابة رسول الله في الإنجيل فقد ظهرت من خلال هذه اللوحة التي عناصرها قريبة من الحواس وإن كان يخالطها الكثير من مخاطبة الوجدان.

          واللوحة المرسومة في الإنجيل لصحابة رسول الله تبدأ بصورة زرع منتشر وهو في نفس الوقت متنامي من مرحلة ضعف تتلوها مرحلة قوة إلى أن يخرج شطأه في مرحلة شبابه ، وشطء الزرع الذي يظهر لنا من خلال هذه اللوحة هو فرخه أو ثمرته من سنابل وغيرها ، والنبات في هذه المرحلة يكون في كمال ندرته وشبابه ينتابه حالات متشابهة من الشد الذي يورث القوة فالفرخ يشد ساقه فيجعله غليظا قويا والساق يشد الفرخ (السنبلة مثلاً) فيجعله قائما منتصباً فيظهر النبات بساقه وفرخه في غاية من الندرة والقوة والجمال.

          وحينئذ نجد صاحب النبات يظهر لنا هنا وضاء الجبين منفرج الأسارير يخالط بياض وجهه حمرة معبرة فتترأى للناس كأنها صباح بعد ظلام وتبدي اللوحة هذا الجزء منها مع إحساس لا يخفى بأن صاحب الزرع إنما هو النبي صلى الله عليه وسلم باعتباره هو المُربي على أساس من منهج الله المشتمل على عقيدة في القلوب وشريعة تنوعت العبادات فيها لصياغة الشخصية التي تراءت لنا في جنبات اللوحة فسعدنا بها كما سعد بها صاحبها صلى الله عليه وسلم .

          وفي اللوحة أضواء وألوان تبين للناظرين على الطرف  الآخر أن هناك جماعة يعضون الأنامل من الغيظ كلما رأوا النبات يزداد قوة ونضارة يوما بعد يوم وكأنهم يعلمون أن ندرة النبات وقوته تعد رسالة قوية لكل متأمل أن كل من على الطرف الآخر ما هم إلا موجودات تمتاز بالخسة والكآبة والضعف والهزال.

          وترتفع اللوحة بأضوائها وألوانها لتقترب بنا من الجانب  الروحاني حتى لا تبهرنا الألوان وتأخذنا الأضواء المادية فنجد استعمال كلمة ( الكفار ) في رسم اللوحة لإحداث هذه النقلة ، وبعد أن ترسم اللوحة على هذا النحو وتعلق إلى جوار سابقتها التي رسمت في التوراة يبدأ القرآن الكريم من خلال هذين المثلين في جني الحصاد.

          وما الحصاد هنا إلا وعد الله عز وجل لأولئك الذين رسم الله لوحتهم في التوراة مرة وفي الإنجيل مرة أخرى ومن كان على شاكلتهم من أولائك الذين آمنوا وعملوا الصالحات استجابة لأمر الله أولاً ومحاكاة سلفهم ثانياً .

          ما الحصاد هنا إلا وعد الله لهؤلاء وأولائك بغفران ما عسى أن يكون قد وقع منهم من مخالفات بحكم بشريتهم غير المعصومة حتى يصفوا لهم حالهم فيمنحهم الله بعد ذلك الأجر العظيم .

          لقد شاء الله عز وجل أن نتتبع هذه اللوحات من خلال مثلين أحدهما في التوراة والأخرى في الإنجيل ليكون ذلك آخر العهد برمضان في العام التاسع والعشرين بعد المائة الرابعة والألف من هجرة خاتم المرسلين ونرجو أن يكون لقاؤنا به خيراً.

          وإذا كنا قد قرأنا معاً اللوحة كما جاءت في التوراة فلنقرها كما جاءت في الإنجيل لندرك هذا التطابق بين الكتب الثلاثة التوراة والإنجيل والقر آن في رسم صورة الرعيل الأول الذين هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذه الصورة كما جاءت في القرآن هي : " ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطئه فئازره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيماً " ( الفتح : 29 ).

* * *

    د/ طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة