• الموقع الرسمي للدكتور طه حبيشي

أرشيف : مقالات

فتوى الدكتور طه حبيشى فى جريدة العرب القطرية

صورة افتراضية

 

رئيس قسم العقيدة بجامعة الأزهر في حوار مع «العرب»:

توسعات الصفا والمروة.. بدعة

عدد القراء: 87

 

2008-12-06
القاهرة - أحمد حسن  
أثارت فتوى الدكتور طه حبيش رئيس قسم العقيدة والفلسفة بكلية أصول الدين جامعة الأزهر الأخيرة حالة من الجدل داخل الأوساط الإسلامية خاصة المملكة العربية السعودية عندما أفتى بأن التوسعات التي تمت مؤخراً في الصفا والمروة بدعة وليس لها أساس في الشريعة الإسلامية.
واستشهد على ذلك بأدلة كثيرة من الكتاب والسنة وآراء كبار العلماء بالسعودية.
حول ملابسات هذه الفتوى وفحواها كان هذا الحوار:

¶ نحب أن نقترب أكثر من موضوع (توسعة المسعى) فما حقيقة الأمر؟
- السعي مكان لأداء شعيرة من شعائر الحج والعمرة. وهو مستطيل واقع بين مرتفعين أو هضبتين: الأولى تسمى: (الصفا) وهو مرتفع (وليس جبلاً) كان ملتصقاً بجبل أبي قبيس انفصل عنه الآن بساحة. وهو مرتفع كان يصعد عليه النبي بما يساوى المترين (2 متر) وصخرته تتميز بلونها الرصاصي الداكن. وهو على خلاف صخرة أبي قبيس السوداء والمرتفع الثاني لاصق بجبل يسمى جبل قعيقعان. وهو مرتفع كذلك كان يصعد فوقه النبي. ويتميز لون صخرته باللون البني.
¶ هل هذه المساحة مقدرة معروفة؟
- هذه المساحة كانت محل عناية كثرة من العلماء عبر التاريخ وتم قياسها وتسجيل هذا القياس. وتمت اختبارات لتلك المسافات وقياسها بعد أصحابها للتأكد من صحتها. وكانت النقطة الثابتة التي بدأ القياس منها في كل عصر هي الحجر الأسود.
ومن الأقيسة المسجلة قياسات الأزرق في القرنين الثاني وبداية الثالث الهجريين ثم توالت الأقيسة بعد ذلك مع تعدد أدوات القياس إلى آخر عهد الدولة العثمانية. وهي من الرصانة والثبوت بحيث يصعب الاعتراض عليها.
¶ وماذا تقول في توسعة المسعى أيام الملك سعود؟
- في أيام المغفور له الملك سعود رغبت الدولة السعودية في توسعة المسعى ضمن مشروع عام يهتم بتوسعة المسجد كله. وليس في توسعة المسجد مشكلة شرعية، ولما كان المسعى أمرا مختلفا عن المسجد رغب الملك يومها إلى استطلاع رأي العلماء وذهب المفتي وهو من آل الشيخ بنفسه مع لجنة شكلها لاستيفاء مساحة المسعى الذي لم يكن قد فصل رسمياً عن الشارع. وقد استوفاها بالفعل. ثم طلب من المسؤولين وضع جدار على آخر حدود المسعى وصرح يومها بأنه قد استوفى أرض المسعى كاملة ولم يعد خلف الجدار ما يمكن إدراجه داخل المسعى. وتم الأمر على هذا النحو.
¶ وما الذي يريده هذا المخطط الجديد الذي نسمع عنه اليوم؟
- المخطط الجديد يريد أن يضيف مساحة خلف الجدار الموضوع أيام التوسعة السعودية التي استوفت مساحة المسعى، مساحة أخرى تساوي في العرض مساحة المسعى القديم.
¶ قديماً قيل: إن أهل مكة أدرى بشعابها. فماذا تقول أنت؟
- أنا أستطيع أن أقول: إننا جميعاً كمسلمين من أهل مكة. ومن له علاقة فقهية بهذه المسألة يكون أدرى بشعاب مكة. ومع ذلك فإن هيئة كبار العلماء بالسعودية جزاهم الله خيراً تحملوا عنا هذه المسؤولية منذ سنة 1427 هجرية. حيث طلبت إليهم الدولة السعودية أن يوافوها بالموقف الشرعي لمسألة توسيع المسعى. واستجابت هيئة كبار العلماء وقررت بجلستها بتاريخ 22 صفر سنة 1427 هجرية قرار رقم (227) رداً على الكتاب الوارد إليها بهذا الخصوص رقم 751078 / 3 س والوارد بتاريخ 6/8/1426 هجرية بما هذه عبارتهم (... بعد الدراسة والمناقشة والتأمل رأى المجلس بالأكثرية أن العمارة الحالية للمسعى شاملة لجميع أرضه. ومن ثم فإنه لا يجوز توسيعها).
ومن المعروف أن هيئة كبار العلماء لها من اسمها نصيب كبير. فهم كبار العلماء المتخصصون. وهم الرسميون المسؤولون. وقد تحملوا مسؤولياتهم فنشروا أفكارهم في كل مكان. وعدد أعضاء الهيئة 18 عضواً. الذين قالوا بجواز التوسعة عضو واحد هو د/ عبدالوهاب بن إبراهيم أبو سليمان حيث تحفظ على قرار الهيئة. والذي أرجأ الموضوع إلى مزيد من الدراسة د/ أحمد بن علي المباركي. وبقية أعضاء الهيئة قد حزموا رأيهم.
¶ لكن القائلين بالجواز لديهم أدلة، ويقولون بأن المصلحة تقتضي التوسعة.. فما رأيك؟
- قلت فيما سبق إن المصالح المرسلة لا تكون دليلاً إلا بضوابطها. ومن أهم الضوابط أنها لا تخالف دليلاً اعتمدته الأمة. ولا تخالف مقاصد الشريعة. فإن خالفت فهي بدعة. وما معنا من هذا القبيل فهي تخالف اجتماع الأمة. والأمة بنص الحديث لا تجتمع على ضلالة. وفيما ذكره قرار هيئة كبار العلماء كفاية لإبطال الاستدلال بالمصلحة.
¶ بحكم خبرتك هل هناك ضرورة لهذه التوسعة؟
- إن ما يستشعره الناس من شدة الزحام سببه بصراحة سوء التنظيم.
إن الجدار الفاصل بين الشارع والمسعى فيه عدد هائل من الأبواب يستعمله الداخلون إلى المسجد والخارجون منه وهم يعترضون مسيرة الذين يقومون بشعيرة السعي. ولو أننا أغلقنا الأبواب عند الذروة وحولنا حركة الدخول والخروج إلى أبواب أخرى. ثم تركنا بابا واسعاً عند المروة. وهى التي ينتهي إليها أشواط السعي. ثم طلبنا من كل من ينتهي من سعيه أن ينسحب إلى الخارج من هذا الباب الواسع. ثم نمنع الصلاة في مكان السعي أو الاعتكاف فيه. أو انتظار الصلاة لينتظم المسير في اتجاه واحد ذهاباً وإياباً. لما شعرنا بما يسمونه الزحام الشديد.. خاصة لو أضفنا إلى ذلك نوعاً من التحكم في الدخول إلى المسعى لتنظيمه في ساعات الذروة.
إننا بهذا التنظيم لن نشعر بالاحتياج إلى التوسعة ولا الاحتياج إلى الطابق الثاني الذي قال العلماء إنهم لا يذهبون إليه إلا مضطرين.
¶ لكن القائلين بالجواز يستدلون بالقياس وهو دليل شرعي كما تعلم. فهم يقيسون التوسعة في المسعى على التوسعة في المسجد النبوي والمسجد الحرام؟
- يا أخى: إني أعجب إن القياس لا يستعمل دليلاً إلا إذا أصبحت له شروطه. وهنا قياس مع الفارق. فالتوسعة في المسجد النبوي والمسجد الحرام لاستيعاب المصلين. والمكان الذي تقع فيه الصلاة ليس محدوداً. حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وجعلت لي الأرض مسجداً» أما المسعى فهو إحداث السعي بوصفه شعيرة في مكان بعينه (القياس مع الفارق على كل حال).
¶ وماذا تقول في الشهادة والشهادة بينة. وقد شهد مجموعة كبيرة على أن المسعى كان أكبر من ذلك وأن مرتفعي الصفا والمروة كانا ممتدين في الساحة؟
من حسن الحظ أن شهادات هؤلاء قد سجلت في المحكمة الشرعية بين يدي القاضي. ولا تكون الشهادة بينة إلا إذا تطابقت أقوال الشهود تطابقاً تاماً. ومن يطلع على محضر هذه الشهادات المعتمد من قاضي المحكمة الشرعية واسمه (القاضي عبدالله بن ناصر الصبيحي) وقد حرر المحضرين لديه بتاريخ 24/12/1427 هجرية. أقول من اطلع على هذا المحضر لا يجد أن شرط البينة في الشهادة متوفراً.
¶ لقد استدل القوم بالقواعد الفقهية من نحو أن الفرع يتبع أصله وغير ذلك؟
- إن القواعد الفقهية ليست أدلة شرعية. وإنما هي على غرار النظريات التي تجمع شتات المسائل. وأنا ألوم أشد اللوم من استدل بالقاعدة الفقهية على مسألة من المسائل.
¶ إن القائلين بالجواز يقولون إن السعي يمكن أن يكون جذور الصفا والمروة تحت التربة كجذور النبات يبحث عن أسباب حياته.... ما تعليقكم؟
- أنا ليس لي تعليق هنا ولكن هل يتسع صدر النص لقبول هذا التخريج. وفيه أننا نسعى بين مشعرين هما من شعائر الله. مرة أخرى لا تعليق.
¶ أنت خبير ولا شك أن كل مسألة يقع فيها الخلاف ويدلي فيها الحاكم المسلم برأيه يكون رأيه قاطعاً للنزاع؟
- عزيزي: هذا كلام مرسل. لأن العلماء حين قالوا ذلك قالوه في المباحثات. وهو لا ينطبق لا على الواجب ولا على المندوب ولا على الحرام ولا على المكروه من أحكام الشريعة.
¶ وإذا ثبت أن السعي في الجزء المضاف باطل فماذا يقول علماء الأمة من فقهاء المذاهب في حكم الحج والعمرة إذا تم السعي خارج المسعى؟
- الشافعية والمالكية ورأي للإمام أحمد يؤكدون أن السعي ركن وإذا سقط الركن بطلت العبادة.
أما الأحناف ورأي آخر للإمام أحمد يقولون: إن السعي واجب يجبر بدم. وعليه فمن بطل سعيه ولم يتمكن من إعادته فعليه دم. وتصح عبادته.
لكني أضع هنا تحذيرا مهماً وهو أن الأحناف لا يقولون بإسقاط السعي ووضع الذبح مكانه في جميع الأحوال. إذ لو حدث ذلك لكان أمراً خطيراً. وإنما هم يقولون بالذبح بدل السعي في حالات استثنائية على ما أعتقد.
¶ ونعود مرة أخرى إلى أمر أن أهل مكة أدرى بشعابها فما رأي علماء المملكة العربية السعودية المحدثين؟
- أنا هنا لا أنقل إلا رأي جهة رسمية معتمدة مشهود لأفرادها بالعلم والفضل مثل هيئة كبار العلماء. وأعضاء هذه الهيئة لم يخرجوا على رأي الفقهاء.
أما فضيلة الشيخ صالح السويدان فقد رأى أنه يمكن لمن حج أو اعتمر أن يعتبر نفسه في حالة إحصار ويذبح «فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي» وأما الشيخ صالح اللحيدان فقد أفتى بما يقتضيه رأي الشافعية والمالكية وأحد آراء الإمام أحمد.
¶ قال قائلهم: إن الله عز وجل قد نص في القرآن على جواز السعي خارج المسعى. حين قال «فلا جناح عليه أن يطوف بهما» والباء للإلصاق. والإلصاق يعني الخروج والمجاورة. وعليه فيكون القرآن قد أخبر بجواز خروج السعي عن بينية «الصفا والمروة» فهل يريحك هذا الكلام؟
- المسألة ليست مسألة راحة وقلق. وإنما المسألة مسألة مطلوب الشارع من العباد.
ومن حكمة الله أنه قد أوحى إلى نبيه قرآنا وسنة. فلا يجوز أن يفهم القرآن بمعزل عن السنة وإلا كان الفهم مشبوهاً ففي مسلم عن السيدة عائشة قالت: «لعمري ما أتم الله تعالى حج من لم يسع بين الصفا والمروة ولا عمرته».
والسيدة عائشة هي صحابية وأم للمؤمنين ولا تقول إلا ما تسمعه من رسول الله. فهذه المسألة ليست محلاً للرأي.
وما سمعته هي وغيرها من رسول الله أنه قال: «اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي» (أخرجه الدارقطني) ومن رواية طويلة رواها ابن شهاب عن عروة وهي مشهورة كما رواها البخاري جاء في إيرادها: (.. ثم سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بينهما. فليس ينبغي لأحد أن يدع الطواف بينهما). وكلمة (سن) تعني: رسم وشرع على سبيل الوجوب. وهو مفهوم من حديث الدارقطني الذي قال فيه رسول الله: «إن الله قد كتب عليكم السعي فاسعوا». والدارقطني قد صححه.
¶ ما الذي استفدته من إيراد هذه النقول؟
- إن السنة النبوية ومن ورائها أقوال العلماء قد بينوا أن المراد بقوله تعالى: «بهما» هي هذه البينية ولم نر واحداً من العلماء فهم «بهما» على المجاورة.
¶ إلى الآن لم نعرف رأيك في مسألة الاستشهاد باللغة على ما فعل بعضهم. والتركيز على أن (الباء) في قوله «بها» للإلصاق أو المجاورة؟
- لقد تحدث ابن مالك عن معنى الباء في بيت مشهور فقال:
بالبا استعن وعد عوض ألصق
ومثل مع ومن وعن بها انطق
ومن يتأمل في هذا البيت عليه أن يجد المعنى المناسب بغير التواء ثم إلى أي سبب نذهب بعيداً. والمنهج في فهم القرآن بالقرآن ثم يوجب فهمه بالسنة. فإن لم نجد من ذلك شيئاً ذهبنا إلى اللغة والسنة فيها غنية.
¶ عفواً هل تمت مراجعة كتب التفسير خاصة المحدثين منهم والذين عاصروا التوسعة في عهد الملك سعود؟
- الذي كتبناه بحث والبحث يقتضي المراجعة. وجميع كتب التفسير لا تستثني منها شيئاً قد تحدثوا عن البينية لتكون محلاً للسعي.
أما الشيخ أحمد مصطفى المراغي فقد نص على محل النزاع بوضوح فقال رأيه في المسألة. وهذه عبارته من تفسيره (والأحكام الشرعية قسمان: 1- نوع يسمى بالشعائر وهي ما تعبدنا الله تعالى به كالصلاة على وجه مخصوص. والتوجه فيها إلى مكان معين سماه بيته. مع أنه خلقه كسائر العالم. وكمناسك الحج وأعماله. فمثل هذا شرعه الله لنا لمصلحة لا نفهم سرها تمام الفهم ولا نزيد فيه ولا ننقص. ولا يؤخذ فيه برأي أحد ولا باجتهاده إذ لو أبيح لهم ذلك لزادوا فيه بفرق بين الأصل المشرع والدخيل المتبع. ويصبح المسلمون كالنصارى ويصدق عليهم قوله «أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله».

 http://C:\Documents and Settings\User\Desktop\صحيفة العرب القطرية -- العدد - 7482 - السبت 6 ديسمبر 2008 م ـ الموافق 8 ذو الحجة 1429 هـ.mht and Settings\User\Desktop\صحيفة العرب القطرية -- العدد - 7482 - السبت 6 ديسمبر 2008 م ـ الموافق 8 ذو الحجة 1429 هـ.mht