• الموقع الرسمي للدكتور طه حبيشي

أرشيف : مقالات

الإيمان وأثره في المجتمع

صورة افتراضية

 

 

 

 

 

إذاعة القرآن الكريم                                                      الحلقة الأولى

[المجموعة الأولى المسجلة في شهر ذي الحجة 1428هـ]

----------------------------------------------الإيمان وأثره في المجتمع

فلينظر الإنسان مم خلق ؟

ــ

          يعد الإنسان هو المخلوق الأرقى الذي خلقه الله عز وجل على رأس سلم الترقي بين الأحياء.

          وإذا جاز للإنسان أن يجهل شيئاً من الأشياء، فإنه لا يجوز له أن يجهل هذه الأشياء التي التأمت شخصيته منها.

          والإنسان بقدرته وأدواته لا يتمكن من معرفة هذه العناصر التي خُلق منها والتأمت منها شخصيته إلا إذا ساعده خالقه وأعانه على تلك المعرفة، ذلك لأنه لم يشهد خلقه الأول، ولأن الله لم يأذن لأحد من الخلق أن يساعده في خَلق الإنسان الأول، حتى يكون ملماً بتلك الأمور التي التأم منها خلق الإنسان.

          وإذا كانت معرفة الخَلق الأول ضرورة من الضرورات التي يحتاج كل فرد إلى معرفتها فقد جاء القرآن الكريم ـ وهو كلام الخالق ـ ليحدثنا عن تلك الأشياء التي خَلق الله الإنسان منها، لكي يُرضي طبيعة الإنسان الطُّلعَة من ناحية، ولكي يتخذ من عناصر خلق الإنسان قاعدة يبني عليها كل فرد معرفته بأساس التكليف الذي توجه به الشارع إليه.

          والعناصر أو الأمور التي خلق الله الإنسان منها منحصرة في أمرين :

          وهذان الأمران هما :

          قبضة من طين الأرض .

          ونفخة من روح الله.

          والقبضة من طين الأرض، هي تلك القبضة التي اشتملت على مجموعة العناصر التي تُكون المادة ما علمنا منها وما لم نعلم.

          ومن ائتلاف العناصر في خلق الإنسان على النسب التي أراد الله لكل واحد منها تتكون مادة هذا الإنسان، وهي تلك المادة التي تشغل الحيز من الفراغ وتمتد فيه طولاً، وعرضاً، وعمقاً، وبالطول والعرض والعمق تتكون صورة الإنسان ، الذي مِلئُ إهابه ما يحتويه من أجهزة دورية وميكانيكية، ومن اختلافٍ نوعي بين عظم وعصب وعضلات، من خلال مجموعة من الخلايا النوعية التي لا يعرف مداها إلا الله، ولا يقدر على حصرها سواه.

          هذا فضلاً عن هذه الخلايا التي تحتوي على عدد من الكروموزومات التي تحمل الملايين من الجينات والمورثات.

          وهذا كله وكثير غيره مندرج تحت هذه العناصر التي يعتبر مجموعها قبضة من طين الأرض.

          وهو النوع الأول من هذين النوعين اللذين منهما اكتملت شخصية الإنسان كل فرد على حدة.

          وأما النوع الثاني فهو هذه النفخة من روح الله.

          وهذه النفخة من روح الله قد حار فيها العلماء قديماً وحديثاً، إذ إن الإنسان بها يحيى ، وبها يحس ويريد، وبها أشواقه ورغباته، وبها فكره وتأملاته.

          إنها على الجملة هذا الكائن الذي ربما يسمى مرة بـ (النفس) ، ويسمى مرة بـ (العقل) ، ويسمى مرة بـ (القلب) ، ويسمى مرة بـ (الروح).

          إنها أسماء أربعة لمسمىً واحد، يطلق الواحد منها على هذا المسمى فلا يخطئه، ولكن كل واحدٍ من هذه الأسماء له من الظلال والايحاءات ما ليس لغيره منها.

          فنحن حين نستعمل اسم (القلب) إنما نستحضر وظيفة هذه النفخة من روح الله في مجال العواطف والأشواق.

          ونحن حين نستعمل كلمة (عقل) إنما نستحضر وظيفة النفخة من روح الله في مجالات التحليل والبحث من خلال التأمل الصادق، أو من خلال بناء النتائج على المقدمات.

          ونحن حين نستعمل كلمة (روح) إنما نستحضر وظيفة النفخة من روح الله في مجال الحيوات المختلفة خاصة منها ما كان فوق حياة الخلية.

          ونحن حين نستعمل كلمة (نفس) إنما نستحضر وظيفة النفخة من روح الله في مجال النضارة والحيوية، وما كان يتصل بذلك من قوى النفس.

          إنهن أربع كلماتٍ على كل حال، كلهن أسماء يدل كل واحد منها على انفراده على تلك النفخة من روح الله، لكنه يكون مصحوباً بما يرتفق به من الظلال.

          هذه على كل حال هي الأمور التي تلتئم منها شخصية الإنسان، منذ الإنسان الأول إلى آخر واحد على هذا الكوكب من بنيه الذين قد انحدروا منه وهو يحمل مواصفات السلالة ينقلها إلى غيره من خلال المورثات.

          وما كان للإنسان أن يغفل عن حقيقة خلقه، وهو يريد أن يتعرف على ربه، ويعقل حقيقة ما يريده ربه منه في مجال العقيدة التي هي نشاط الجنان، أو في مجال القول الذي هو نشاط اللسان، أو فيما يتعلق من نشاطات الأعضاء من تشييد الأركان.

          ونحن نهيب بابن الإنسان بعد أن تأمل خلقه أن يتجه إلى تأمل ما يترتب على هذا الفهم، وذلك التأمل.

* * *

                                      د / طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة


تابع إذاعة القرآن الكريم  :                                                الحلقة ( 2 )

----------------------------------------------

الإيمان وأثره في المجتمع

الإيمان حقيقته وزيادته

ـ

          ما من إنسان يعرف حقيقة تكوينه إلا ويثبت لديه أنه ملتئمٌ من شيئين هذه القبضة من طين الأرض وهذه النفخة من روح الله .

          وما من إنسان تستقر في ذهنه هذه الحقيقة إلا ويثور في ذهنه هذا التساؤل: ما مناط التكليف من الإنسان ؟ هل هو هذه النفخة من روح الله ، أم هو هذه القبضة من طين الأرض ؟

          والإنسان يتساءل على هذا النحو ليعلم حقيقة الأوصاف الشرعية التي يمكن أن يتصف بها من حيث كونه مؤمناً أو غير ذلك، ومن حيث كونه مسلماً أو غير ذلك.

          وهذه الوقفة التطلعية يلزمها أن نجيب الآن إجابة مبدئية فنقول: إن المكلَّف من الإنسان هو هذه النفخة من روح الله، وهو هذه القبضة من طين الأرض على السواء.

          ونحن نريد أن نبين هنا أن النفخة من روح الله، والمعبر عنها بأسمائها المختلفة من : القلب والعقل، والنفس، والروح، هي التي قد توجه إليها الشارع الحكيم بما يناسبها من التشريع.

          والذي يناسب هذه النفخة من روح الله من التشريع هو هذه الأمور التي هي محل الاعتقاد والتصديق، وهي التي تشمل الإلهيات والنبوات والسمعيات جميعاً على نحو ما يراه علماء العقيدة .

          أما السنة النبوية المطهرة.

          وأما القرآن الكريم.

          فهما يتجهان بالإنسان اتجاهاً تربوياً في شرحهما لتكليفات النفخة من روح الله.

          ونحن نرى ذلك جلياً واضحاً في حديث عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وهو المشهور عند العلماء بحديث جبريل.

          ونحن هنا سنجتزئ من هذا الحديث ما يوضح لنا المقام ويجليه.

          وسوف نروي ما نرويه بمعناه لنقترب من ذهن المستمع رويداً رويداً، فتفصح له المسائل المعقدة عن نفسها بغاية من اليسر والسهولة.

          لقد حَدث ذات يوم أن كان النبي جالساً مع أصحابه، فإذا برجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه من الصحابة أحد، فجلس إلى النبي على طريقة المتعلم بين يدي معلمه، فأسند ركبتيه إلى ركبتي النبي، ووضع يديه على فخذي نفسه، ثم قال : يَا محمد، أخبرني ما الإيمان؟ فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم بذكر ستة أشياء، فقال له : الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره من الله، فقال له الرجل: صدقت. وقال عمر بن الخطاب : عجبنا له يسأله ويصدقه.

          وما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم هنا ليس فيه شئ  من الأمور العملية، وإنما تعد هذه الأمور الستة من قبيل عمل القلب.

          فالإيمان بالله عز وجل وصفاته، والاعتقاد في نسبة كل كمال إليه، وتنزيهه عن كل نقص، وطلاقة صفاته في الكون ... إلى غير ذلك من هذا الشأن العالي الرفيع، كل ذلك عمل عقلي تقوم به النفخة من روح الله على طريقة التفكير والتعقل، وعلى طريقة الحب والاشتياق.

          وقل مثل ذلك فيما يتعلق بالإيمان بالملائكة، وأنهم عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، من وصفهم بالأنوثة كفر، ومن وصفهم بالذكورة فسق.

          وهذا الأمر هو الآخر من عمل تلك النفخة من روح الله.

          ومن عمل تلك النفخة الإيمان بالأنبياء والرسل، وأنهم قد اصطفاهم ربهم من البشر، ليكونوا سفراء بينه وبين خلقه.

          ومن هذا القبيل الإيمان بالكتب المنزلة، وأنها كلام الله الذي يحتوي خطابه إلى عباده.

          وكذلك الإيمان بالقدر، وأنه كله من الله عز وجل، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا يقع في مُلك الله إلا ما يريده.

          هذه كلها أعمال القلب إن شئت، أو أعمال العقل إن أردت، إنها هي المحل للتصديق بها في أعلى درجاته، وهو تصديق لا يقبل الشك فيه.

          وهذا النوع من التصديق هو الذي يسمى بالإيمان، والقلب والعقل الذي يقوم به يسمى مؤمنا.

          وما دام العقل والقلب يشتركان في هذه المهمة.

          أو قل ما دامت النفخة من روح الله تقوم بهذه المهمة بظلالي التفكير والاشتياق معاً، رأينا الإيمان تشتعل حرارته كلما صادفت وقودَها؛ فبعد أن ينعقد العقل والقلب على الدرجة القصوى من التصديق، تصادف الإنسان في حياته مواقف تجلي أمامه قدرة الله، سواء كان هذا الذي يراه في أحوال النفس من الداخل والخارج، أو كان هذا الذي يراه في هذا الكون المحيط به.

          وصدق من قال : " سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق".

          وظهور الحق يختلف أثره على المتلقي، فإن كان المتلقي مؤمناً بربه ازداد إيماناً، وإن كان المتلقي من المعرضين لزمته الحجة، وكان إعراضه عن الانصياع بها طغياناً .

          يقول الله عز وجل : "وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيماناً فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون أو لا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون".

          هكذا نعلم أن النفخة من روح الله قد كُلفت بأمور العقائد يستقبلها العقل تفكّراً، ويستقبلها القلب اشتياقاً، فمن اعتقد واشتاق كان مؤمناً، وكان عمله إيماناً، ومن أدبر واستكبر كان كافراً ، وكان إدباره كفراً.

* * *

                                      د / طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة


تابع إذاعة القرآن الكريم :                                                 الحلقة (3)

--------------------------------------------

الإيمان وأثره في المجتمع

الإسلام وإسلام الوجه لله

ـــــــ

          إذا كنا فيما سبق قد تحدثنا عن الإيمان، وبينا أنه من عمل القلب والعقل أو الروح والنفس، وعلى الجملة إنه عمل النفخة من روح الله.

          إذا كنا فيما سبق قد تكلمنا حول هذا الموضوع، فإنه من المنطقي أن نتكلم عن الإسلام الذي هو طاعة الأعضاء لرب العالمين وممارستها للسلوك تحت مظلة الشريعة الغراء.

          ولا مناص هنا أن نشير من جديد إلى أن القبضة من طين الأرض التي كونت الأعضاء لابد أن تتعرض هي الأخرى إلى التكليفات على نحو ما كُلفت النفخة من روح الله.

          وتكليفات الأعضاء بالقول الصادق والفعل السديد الرشيد قد تناولها هي الأخرى  حديث جبريل عليه السلام حين جاء للنبي على صورة رجل شديد سواد الشعر، شديد بياض الثياب، لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه من الصحابة أحد.

          وبعد أن جلس بين يدي النبي مسنداً ركبتيه إلى ركبتيه، وواضعاً يديه على فخذيه على هيأة طالب العلم، سأل النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً: ما الإسلام ؟ ، وأجابه النبي صلى الله عليه وسلم بخمس خصال من أركان الإسلام الحقيقي، لا تتحقق الواحدة منهن إلا بممارسة عضو من الأعضاء.

          قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في جواب جبريل عليه السلام : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً.

          فقال جبريل بعد سماعه لهذا الجواب: صدقت.

          قال عمر: فعجبنا له يسأله ويصدقه.

          ومرجع العجب عند الصحابة أن الشأن في طالب العلم أنه يتلقى ما يُلقى إليه من أستاذه، وليس له صلاحية الحكم على ما يتلقاه، فما بال هذا السائل بين يدي رسول الله يسأل رسول الله، فإذا ما أجابه النبي حكم على إجابته بالصدق الذي يفيد أن السائل على وعي كامل بالإجابة قبل أن يسأل.

          ولقد كان جبريل على وعي بالإجابة حقاً، ولكن ما فعله بتكليف من ربه أسلوب من أساليب التعليم للصحابة يصطنع فيه جبريل أسلوب الحوار، وفيه جذب للانتباه لا يكاد يخفي.

          والمتأمل في إجابة النبي صلى الله عليه وسلم يجد أنه قد أجاب بخمس خصال يمكن تصنيفها باعتبارات عدة، فهي تنقسم إلى قسمين: قول باللسان، وفعل بالجوارح، ومن الممكن أن تنقسم إلى قسمين على غير هذا التقسيم، إذ يمكن أن نقول: إن بعضها إجابي، والآخر سلبي، كالصوم مثلاً.

          وأيا ما كان الأمر فإن هذه الأركان الخمسة قد توجه بها الشارع الحكيم إلى القبضة من طين الأرض فمن استجاب لهذا التكليف صار مسلماً، ومن لم يستجب فهو مؤمن عاصٍ أمره إلى الله، ما لم يكن قد اعترض على ربه.

          والإسلام كلمة تستعمل في النصوص الشرعية بمعنيين ، أحدهما: أن الشرع يستعملها على أنها صفة، ومعناها الذي تدل عليه هو الخضوع والاستسلام المعبر عنه في الجملة بإسلام الوجه لله.

          والإسلام بهذا المعنى يمكن أن يوصف به عبد من العباد في غابر الزمان وحاضره ما دام يعبد ربه على دين صحيح، وما دام يخضع لربه خضوعاً تاماً على نحو ما قال الله لنبيه : " قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين".

          ولقد حرص الأنبياء جميعاً كل واحد منهم بمفرده على أن يُسلم وجهه لربه، وعلى أن يحمل أمته على هذا النوع من الإسلام.

          الإسلام إذاً يستعمله الشرع بمعنى الصفة.

          وقد يستعمل الشرع الإسلام باعتباره اسما أو علما على هذا الدين الخاتم؛ فإذا كان لكل دين من الأديان السماوية اسمه أو علمه الدال عليه: كاليهودية والنصرانية... إلى آخره، فإن هذا الدين الخاتم له هذا الاسم الذي اختاره الله عز وجل له.

          وهذا الاسم المختار لهذا الدين هو : الإسلام "إن الدين عند الله الإسلام"، "ومن يبتغي غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين".

          إنها كلمة واحدة (هي الإسلام) ولكنها تستعمل في الخطاب الديني بمعنى الصفة مرة، وعلى أنها علم على هذا الدين الخاتم مرة أخرى.

          وإن تعجب فعجب ما يصنعه بعض الناس فيقولون : إن جميع الخلائق من آدم إلى من تقوم عليهم الساعة إنما هم مسلمون على دين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ثم يذهبون إلى آيات القرآن التي تتحدث عن الإسلام صفة، ويستشهدون بها على ما ذهبوا إليه من قول تنقصه الفكرة ويعُوزه التدبر والتأمل.

          وبعد هذا البيان نقول : إن الله عز وجل إذا كان قد خلق الإنسان من قبضة من طين الأرض ونفخة من روح الله، فهو قد كلف القبضة من طين الأرض ، كما كلف النفخة من روح الله.

          ولكلٍ من هذين التكليفين أحكامه التي يطلق بعضها على من استجاب، ويطلق بعضها الآخر على من قصر.

          فإذا استجابت النفخة من روح الله كانت استجابتها إيماناً، وإن أعرضت كان إعراضها  كفراً، وإن استجابت القبضة من طين الأرض كانت استجابتها إسلاماً وطاعة، وإن أعرضت كان إعراضها معصية إذا كان إيمان صاحبها باقياً " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء".

* * *

                                      د / طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة

 

تابع إذاعة القرآن الكريم :                                                  الحلقة ( 4 )

----------------------------------------------

الإيمان وأثره في المجتمع

من آمن وأسلم فقد نجا

ــ

          حين كلف الله عز وجل عباده الصالحين قلوبهم وجوارحهم وأسبغ على من استجابت قلوبهم وصف الإيمان، وعلى من استجابت جوارحهم وصف الإسلام، تساءل الناس العاميّ والعالم على السواء من الناجي يوم القيامة ومن الهالك ؟ هل الناجي هو من استجاب قلبه فآمن، وسلمت نيته وقصده، والكافر هو من انصرف قلبه وأبى أن يصدّق بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم أم أن الناجي هو من أجهد لسانه بذكر ربه ولا يلتفت بعد ذلك إلى جوارحه وإلى قلبه، أم أن الناجي هو هذا الذي انشغل بالأعمال الظاهرة يراه الناس وقد أجهد نفسه حين حملها قصراً على هذه الأعمال وهي لها كارهة، لأنها لربها غير متوجهة ؟

          المسألة إذاً على هذا النحو من الخطورة والصعوبة ، فمن الناجي ؟ .

          وهذا السؤال على بساطته قد فرق الناس شيعاً وأحزاباً، وتناسى الجميع قول الله عز وجل لنبيه: " إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شئ " .

          من الناجي إذاً يوم القيامة بين يدي الله ؟.

          ولقد قلت : إن هذا السؤال بسيط للغاية، والإجابة عليه أشد بساطة من طرحه.

          ونحن لا نبتعد عن القرآن الكريم ونحن نتصور الإجابة على هذا السؤال.

          والإجابة على هذا السؤال تكمن في معالجة القرآن الكريم لقضايا الإيمان والإسلام، أو قل لقضايا الإيمان القلبي والعمل الصالح بالجوارح.

          إن القرآن قد تناول قضيتى الإيمان والإسلام بطريقتين من التناول :

          الأولى تحدد مفهوم كل من الإيمان والإسلام، وتشرح آثارهما وقيمتهما، وأنت واجد ذلك في آية من آيات القرآن الكريم، يقول الله فيها لنبيه يخفف عنه وطأة المنة يمتنّ عليه بعض من أسلم بإسلامهم.

          والإسلام عمل ظاهري بحت يفعله المؤمن ويفعله المنافق، يفعله المطيع ويفعله المحتال.

          أما هذا الذي لا يطّلع عليه أحد إلا من خلقه فهو نشاط القلب الخفي، إنه الإيمان بالله الذي يحمل القلوب على أن تخبت لربها.

          يقول الله لنبيه يخفف عنه وطأة المنة من خلال هذه المقارنة الممتعة بين من أسلم ومن آمن "يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا على إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان".

          وهذه المقابلة الظاهرة بين الإيمان والإسلام، هي تلك التي شرحها النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل المشهور على نحو ما سبق ذكره.

          ومن يتأمل هذه المقابلة في الآية والأحاديث يعلم أن نتيجة هذه المقابلة الإشارة إلى أن للإسلام معناه الخاص به وهو عمل الجوارح منضبطة مع المنهج الإلهي، وأن للإيمان معناه الخاص به، وهو عمل القلب والعقل في أمور الاعتقاد طبقاً لما أمر الله به.

          وهذا النوع من التفريق في المفاهيم يحتاجه كل ممارس للعلم، وكل خبير بمسائله وقضاياه.

          والممارسون للعلم يحتاجون إلى الفصل بين المفاهيم لما يترتب على تلك المفاهيم من إجراءات عملية في الدنيا، بعضها معرفي يتصل ببناء العلوم، وبعضها تطبيقي عملي، إذ المؤمن في الجماعة له اعتبار وحساب وضوابط في علاقاته بين الناس، وفي علاقة الناس به، وهي تختلف اختلافاً شديداً عما يتصل بالكافر من علاقات.

          والمسلم الملتزم بالشريعة له وضعه وتقديره في الدنيا، ومن خالف الشريعة في بعض مناحيها، أو في كلها يناله من العقوبات والجزاءات تطبقه عليه الجماعة بدءاً من الردع بالقوة، وانتهاءً بالإعراض عنه بالقلب، واجتناب التعامل معه.

          هذه أمور تترتب على إدراكنا للفصل بين المفاهيم في الدنيا.

          أما في الآخرة فإننا نكون في محاسبة الحكَم فيها هو الله، والجزاء جنة أو نار، والله عندما يحاسب إنما يحاسب عباده بعد أن أقامهم في الدنيا على ثلاثة قواعد: الإلزام، والمسئولية، والجزاء.

          وهذه القواعد الراسخة إنما تجعل الحساب يوم القيامة يتميز بنوع من الشمولية.

          فالإلزام أو التكليف جاء من قبل المشرع.

          والمسئولية لها شروطها ومؤهلاتها، وقد وفرها المشرع للمكلَّف قبل أن يكلفه .

          والجزاء من المكلَّف ذو جناحين، إنه يجازي بالإحسان إحساناً متضاعفاً، ويجازي بالسيئة سيئة فقط لا يضاعفها.

          من هنا جاءت آيات القرآن تتحدث عن يوم القيامة على أن الناجي فيه من آمن بالله وعمل صالحاً، ويكون الجزاء على قدر العطاء في هذين الجانبين مضافا إليه كرم الكريم : " إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون * نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ، ولكم فيها ما تدعون * نزلاً من غفور رحيم * ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين * وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ".

* * *

                                      د / طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة


تابع إذاعة القرآن الكريم                                                    الحلقة ( 5 )

----------------------------------------------

الإيمان وأثره في المجتمع

روافد الإيمان

ــ

          حين يصبح الإيمان حقيقة واضحة، وحين يصير له وجود واقعي في حياة الناس أفراداً وجماعات ، وحين يكون الإيمان قابلاً للزيادة.

          حين يكون الإيمان على هذا النسق فإننا نحتاج إلى معرفة روافد الإيمان، ومعرفة المصب الذي يصب فيه كل رافد.

          والمشرع حين خاطب الناس في هذه القضية كان خطابه على لونٍ من الإبداع الذي لم يسبق له نظير، ولم يكن له في  الكون شبيه.

          إن المشرع في الإسلام قد جاء خطابه متميزاً وهو يحدد روافد الإيمان، كما جاء خطابه متميزاً وهو يحدد كل مصب من تلك المصبَّات التي تهدر بآثار تلك الروافد.

          أما هذه الروافد فيمكن حصرها في أمرين :

          أحدهما : النص الموحَى به المشتمل على كلام الله المباشر، أو الحاوي للمعنى يستقبله النبي صلى الله عليه وسلم ويعبر عنه بلغة مكّن الله نبيه منها، فجاء نبيُّهُ أفصح العرب، وأقدرهم على استخدام اللغة نتيجة لهذا التمكين.

          ومن يقرأ القرآن الكريم يعلم علم اليقين أنه كلام الله، وأنه هو الوثيقة الوحيدة التي تشتمل على كلام الله المباشر، وليس في العالم لها نظير.

          والمرء إذا سمع كلام رسول الله وأدرك منه نور النبوة، علم في ذات الوقت أن ما يسمعه إنما هو وحى من الله عز وجل ليس للنبي فيه إلا صياغة القوالب اللفظية المناسبة لأداء هذا المعنى.

          حين يقرأ الإنسان القرآن، ويعلم أنه هو كلام ربه.

          وحين يسمع أحاديث رسول الله ويعلم أن محتواها وحى من الله عز وجل.

          إنه حين يقرأ ويسمع يجد نفسه أمام متحدث عظيم، ومتكلم جليل، وإذا تمكّن عقله أن يستوعب أن المتكلم هو الله، لا نجد منه إلا أن يخبت قلبه ، وترتعد فرائصه وتفيض من خشية الله عيناه.

          ونحن نستطيع أن نتحدث عن ذلك كله ولا حرج.

          وهذا على إيجاز الحديث فيه هو الرافد الأول من روافد الإيمان.

          أما الرافد الثاني : فهو هذا الكون المنظور أمامنا بما فيه من طبيعة وحياة.

          والمرء ينظر في الكون الطبيعي فتأخذه الدهشة من جميع أقطاره، إذ ما يظهر لنا منه خارجٌ عن قدرتنا على إدراكه ، فضلاً عن محاكاته، فما هذه المجرة وما يحتويها إلا جزءٌ من زينة السماء الدنيا، وهي على تعدد أجزائها منضبطة في حركاتها انضباطاً يعبر عن طلاقة قدرة خالقها ومسيرها.

          أما الجانب الحي في هذا الكون المنظور، فالحياة فيه تنقسم إلى حيوات متعددة، فمن حياة الخلية إلى حياة النبات إلى حياة الحيوان إلى حياة الإنسان.

          وما من حياة من هذه الحيوات إلا وهي مثيرة العجب والإعجاب.

          فربما تكون الخلية واحدة، ولكنها متبرعمة مستعدة لكي تتشكل على نوع من الأنواع التي تبدو لنا مختلفة، كما نرى ذلك في الخلية الجنسية مثلاً.

          وحياة النبات محيرة، وحيرتها في هذا السر المكنون الذي يميز بين أنواع النبات التي تندرج تحت جنس واحد.

          وقل مثل ذلك في حياة الحيوان.

          أما حياة الإنسان فحدث عنها ولا حرج.

          وهذا الرافد بتمامه يتحدث عنه القرآن حديثاً موجزاً ومفصلاً.

          فحديثه الموجز يكمن في نحو قول الله تعالى : " سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق، أو لم يكف بربك أنه على كل شئ شهيد " .

          وهذان الرافدان على كل حال يحدثان في النفس أثراً عجيباً، يحسّه الفرد من نفسه دفئاً يملأ عليه جميع أقطاره، تصحبه قشعريرة يجدها الإنسان من نفسه على نحو ما يجدها العصفور بلله القطر.

          وربما يصاحب ذلك كله ما يسميه القرآن إخباتَ القلوب.

          وإخبات القلوب عَرَض من أعراض الإيمان، سمى  بهذا الاسم ، ومدلوله ربما يغيب عن بعض الناس.

          سئلت عائشة وغيرها من أمهات المؤمنين عن إخبات القلب ما هو ؟

          فأجابت : هل سبق لك أن رأيت عرجوناً من النخل قديماً قد أصابه القدم بالجفاف والبلى ؟ فقال السائل : نعم، فقالت أم المؤمنين عائشة له : هل رأيته يَضرم فيه النيران ؟ وكان له في هذه الحال صوتاً متميزاً ؟ ، فقال السائل : نعم، فقالت: هذا هو نظير حال القلب حينما يصيبه الإخبات.

          وهذه الحال لا تحدث للقلب إلا حين يتأمل كلام الله في كتابه المقروء أو حين يتأمل كون الله في كتابه المنظور، فيذكر اللهَ خاشعاً، أو يُذكر أمامه، فيجد نفسه قد هاجت به، ودمعت عيناه وازداد إيمانه.

          والقصة الشهيرة في كتب السنة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دعا إليه عبد الله بن مسعود، وقال اقرأ علىّ القرآن، قال : أأقرأ عليك وعليك أنزل، قال الحبيب: أحب أن أسمعه من غيري، فقال ابن مسعود يفتتح سورة النساء، فما أن وصل إلى قوله تعالى : " فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً " حتى قال النبي: حسبك يا ابن مسعود.

          يقول ابن مسعود : فنظرت إليه فإذا عيناه تذرفان.

          هذه هي روافد الإيمان التي تورث الإنسان دفئاً يشعر به وزيادة في رصيده الإيماني لا تكاد تخطئه.

* * *

                                      د / طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة


تابع إذاعة القرآن الكريم                                                    الحلقة ( 6 )

----------------------------------------------

الإيمان وأثره في المجتمع

من روافد الإسلام القرآن الكريم

ــ

          إذا كان الواقع قد أملى علينا أن الإيمان يزيد وترتفع درجة حرارته من خلال رافدين أساسين هما : استحضار عظمة الله عز وجل من خلال تدبر آياته المتلوة، واستحضار عظمة الله وهيبته من خلال مطالعة آيات الله في الكون المرئي.

          إذا كان الواقع يفرض علينا أن لزيادة الإيمان هذين الرافدين، فما عسى أن تكون الروافد التي من خلالها يُقبل المرء على ربه وقد أسلم وجهه له.

          وعلماء الفقه الإسلامي  قد تأملوا هذه الروافد ونصوا عليها بعد تأملها ومعرفة حدودها، وتوجهوا إلى العباد بها يطالبونهم أن يحرصوا عليها إن أرادوا أن يكونوا للرحمن عباداً، وهذه الروافد قد يمكن اختزالها في رافد واحد وهو: ما صدر عن الله عز وجل عن طريق نبي من أنبيائه يكلف عباده بمضمونه أمراً ونهياً.

          وهذا المجمل المختصر يمكن تفصيله وتفريعه بحسب الاعتبارات المختلفة.

          ونحن نذكر هنا تلك الروافد مفصلة ليكون المسلم على بينة من أمره، ولأن الشئ  المفصل أقرب إلى الفهم من الشئ المجمل الذي يشمل في طياته غيره.

          وهذه الروافد تسمى بمصادر التشريع، ولا فرق في التسمية بين هذا وذاك فالمدلول واحد. ومصادر التشريع على التفصيل مع تجنب الخلافات هي :

          1ـ القرآن الكريم : وهو الكتاب المنزل على سيدنا محمد الذي يبدأ بالفاتحة وينتهي بالناس على ما استقر عليه الأمر عند انقطاع الوحى.

          وهذا الكتاب الكريم يحتوي على ما يزيد على خمسمائة آية نصاً في التكليف المباشر وهو يحتوي في نفس الوقت على أضعافها لمن يتعامل مع إشارات الآيات والاستنباط منها.

          ولقد حبى الله عز وجل هذا المصدر بعنايته ورعايته، وبين أن البشر لا يستطيعون أن يغيروه أو يغيروا فيه.

          ومن أهم معجزات هذا الكتاب أنه يظهر في كل عصر بما يُعجز أهله؛ فهو في عصر المبعث كان يتحدى العرب في أعز ما يملكونه وهو اللغة والقدرة على البيان باستعمال الألفاظ بجميع الألوان الدلالة بدءاً من استعمال اللفظ فيما وُضع له، وانتهاءً بتحليق المحلقين في عالم البيان من خلال الاستعمالات المجازية.

          والقرآن الكريم كذلك قد تحدى هؤلاء الذين تأتي نبوءاتهم رجماً بالغيب، فبين لهم أن الإخبار عن الغيب يحتفظ بمصداقيته لو أن المخبر عن الغيب قد أخبر عنه كأنه يراه، وجاء القرآن ليحوز قصب السبق في هذا الميدان في نحو قوله تعالى: " الم * غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد غَلبهم سيغلبون * في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويؤمئذ يفرح المؤمنون * بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم" وفي نحو قوله تعالى في شأن يوسف وإخوته " فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون".

          وفي عصور النهضة أزاح الله بعض الستار عن قوانين الكون على نحو ما وعد عباده وعبيده " سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شئ شهيد".

          في عصر النهضة كشف الله للعباد والعبيد بعض الأسرار، وانتشرت النظريات العلمية على ألسنة الناس، يتفاخر بعضهم على البعض بقدر ما عندهم من الكشوف، وما هُيئ لهم من الكشف.

          فنزل القرآن إلى حلبة الصراع الحضاري والثقافي، وأثبت معجزته في هذا الميدان، فتحدث عن البحار والمحيطات في أكثرها عمقاً، وعن الأمواج تصنع فيها ظلمات بعضها فوق بعض، وعن الأشعة تتخلل الماء فإذا ما وصلت إلى عمق الأعماق، وعجزت عن أن تبدد الظلام كله تركت للأشياء الصلبة خيالات تشعر به العين ولا تكاد تراه، فهي ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج الإنسان يده لم يكد يراها.

          وفي عصور متأخرة أصبح الناس على الكوكب الأرضي وقد عصفت بهم المشاكل الاجتماعية، وحطمت آمالهم المظالم، فكان لابد للمسألة الاجتماعية من حل، ولم يكن الحل إلا من خلال تشريع، ووضع النظريات من خلال فلسفات اجتماعية لمعالجة تلك المسألة، وجاء القرآن فأدلى بدلوه في هذا المجال، وأثبت أنه التشريع المعجز الذي شعرت معه جميع الفلسفات بمرارة الهزيمة في الفؤاد، وانقطاع القدرة على مواصلة البحث والسير وهي تلهث خلف القرآن ، فكان القرآن معجزاً في مجال التشريع كما هو الحال في أوجه الإعجاز التي أبان عنها القرآن في مجتمعات التميز في اللغة، والإخبار عن الغيب، والكشوف العلمية.

          وما كان من هؤلاء الذين زعموا أنهم يبحثون عن الحقيقة لحل المسألة الاجتماعية إلا أن وَجدوا على الإسلام ، وحقدوا عليه، وتحولت البغضاء إلى عداوة، فأنشأوا الجمعيات السرية والمعلنة  لتشويه هذا الكتاب وصد الناس عنه بغير هدف إلا ما حدده الله حين قال : " قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجاً وأنتم شهداء وما الله بغافل عما تعملون".

          ومحاولة الصد هذه اتخذت لها أساليب متعددة، فمن التشكيك في القرآن كله إلى محاولة زعم الغيرة عليه وإلباسه لباس الشيوعية كي ينتشر، أو اعتبار أن القرآن قد جاء معاني من الله في قوالب بشرية هي في مجموعها منتج بشري وصنعة إنسانية يعد تغييرها في كل عصر ضرورة من الضرورات الحضارية التي لا يستغنى القرآن عنها.

          والقرآن يواجه ذلك كله في إطار قول الحق جل في علاه " وما الله بغافل عما يعملون"هذا مورد من موارد الإسلام من استجاب له عز، ومن تنكب الطريق إليه ضل.

* * *

                                      د / طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة


تابع إذاعة القرآن الكريم                                                    الحلقة ( 7 )

----------------------------------------------

الإيمان وأثره في المجتمع

من روافد الإسلام السنة النبوية

ــ

          لقد بينا فيما سبق أن للإسلام (بمعنى إسلام الوجه لله) روافد تغذيه وتعلي من شأنه، وتعلي من شأن من اتصف به؛ ولقد كان القرآن الكريم هو الرافد الأول من هذه الروافد.

          أما الرافد الثاني : فهو السنة النبوية المطهرة.

          وأحب هنا أن ألفت النظر إلى أن مصطلح السنة لفظ واحد لكن له دلالات متعددة بحسب اللغة من جهة، واصطلاح رجال كل فن من جهة أخرى؛ فهي تعني في اللغة الطريقة والنظام؛ وهي تعني عند علماء الفقه ما يقابل الواجب، إذ هي الشئ يفعله الإنسان فيثاب عليه من ربه، ويتركه فلا يعاقب بتركه إلى غير ذلك من معاني السنة كما يراها علماء كل فن، والذي أقصده بالسنة هنا باعتبارها مصدرا من مصادر التشريع، ورافدا من روافد الإسلام أنها هي: ما أُثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو إقرارٍ أو صفة، وكذلك ما أثر عن الصحابة رضوان الله عليهم من أمور يكون الشأن فيها أن مرجعها الوحيد هو النبي صلى الله عليه وسلم.

          والسنة بهذا التحديد تعدُّ مصدراً من مصادر التشريع، إذ النبي لا ينطق عن الهوى، وهو في نفس الوقت لا يخالف ربه (وحاشاه) ، وإنما كل ما هنالك هو أن الله يوحي بالمعاني إلى نبيه، فيعبر عنها النبي بأقواله أو أفعاله أو تقريراته، ونحن مأمورون أن نتبعه في كل ما يصدر عنه "قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم" ونحن مأمورون كذلك أن نأخذ عن النبي ما بين لنا وما فصل على نحو ما قال الله عز وجل "وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا "، والنبي في كل ذلك يأمر أمته أن يأخذوا عنه مناسكهم، وأن يصلوا كما رأوه يصلي.

          وعلى المسلم أن يكون جازماً بأن النبي لا يستقل بالتشريع "يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك" إن النبي لا يستقل بالتشريع مهما كان المقصد.

          وإجمال القول في هذه المسألة : أن الله عز وجل قد أوحى إلى نبيه بنوعين من الوحى؛ أولهما : القرآن المحتفظ بكلام الله كما أنزل ، وثانيهما : السنة التي تَلَقى النبي معناها عن طريق الوحى.

          والسنة هنا لها دورها في مجال التشريع، إذ هي في مقام الخادم للقرآن الكريم توضح منه ما يحتاج إلى توضيح، وتفصل منه ما كان مجملاً، وتضيف إلى منظومة الشريعة ما أوحى الله به إلى نبيه وأمره أن يبلغه للناس ولم يشتمل القرآن إلا على أصله فقط.

          وإذا غابت السنة عن الساحة التشريعية غاب من الشريعة أمور كثيرة لا تستقيم الشريعة بدونها ، من نحو عدد ركعات الصلاة وأوقات أدائها، ومن نحو تفاصيل ركن الزكاة من حيث المقدار الواجب، وشروط الوجوب، والأصناف التي تجب الزكاة فيها ..إلخ.

          وقل مثل ذلك في الصيام، والحج والعمرة، والمطعومات والمشروبات ما يحل منها وما يحرم، والأعراض والدماء، وتفصيل القول في العقوبات والجنايات..إلخ.

          ولقد وقعت السنة من الأمة موقع العناية والتقدير خاصة وهم يتلون قول الله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون " .

          ونحن نريد هنا أن نستعرض بعض الأمثلة مما جاءت به السنة النبوية المطهرة، ويصعب علينا أن نجده في القرآن.

          ومن ذلك : أن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر قد تحدث عن المطعومات، وتناول صنفاً منها وهي الحُمُر الأهلية، فقال مبيناً حكمها ومقدماً لذلك بما يلفت الانتباه من أنه قد أوتي القرآن ومثله معه، وأن السنة يأتي فيها مثلما يأتي في القرآن من قضايا التشريع، ثم ذكر أن الحُمُر الأهلية حرام.

          فلقد روى من أكثر من طريق روايات تنتهي إلى أكثر من صحابي جليل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وأخرجتها الكتب الصحاح أن الصحابة رضى الله عنهم نحروا يوم خيبر الحُمُر الأهلية أو الإنسية ووضعوها في القدور ورفعوها على النيران، فلما غلت القدور بما فيها سمعوا من ينادي من قبل رسول الله: إن الله عز وجل قد حرم الحمر الأهلية فأريقوا ما في القدور وحطموها، فاستسمحوا النبي صلى الله عليه وسلم في أن يجيز لهم غسل القدور بعد إراقة ما فيها بدلاً من كسرها وإتلافها، فأجاز لهم ذلك، إذ إن الماء الطهور يزيل النجاسة عن ما تنجس بها.

          وتضيف بعض الروايات أن النبي حين رأى النيران والقدور تغلي بما فيها سأل عن الأشياء التي وضعت في القدور، فأخبروه أنهم نحروا الحمر الإنسية وأعدوها للطعام، فأخبرهم أن الحمر الأهلية وكل ما كان له ناب حرام أكله.

          وهذا التحريم وإن لم يرد في القرآن إلا أن النبي قد أوتى القرآن ومثله معه، وإن النبي يحرم كما حرم الله بوحي من ربه، وبعبارة منه، أو بفعل، أو بإقرار.

          وفي يوم خيبر قد حرم النبي كذلك زواج المتعة، كما حرم على الرجل تؤول المرأة إليه أَمَةً من قسمه في الغنائم ألا يدخل عليها إلا إذا انتهت عدتها إن كان لها في الكافرين زوج.

          ومن هذه الأمثلة وغيرها يتبين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحرم أشياء ويحل أخرى، مثلما كان يحرم القرآن، وذلك بأمر ربه.

          ومن أجل ذلك فقد اشتملت السنة على عدد ضخم من الأحاديث التي لها دورها في التشريع مما يؤكد أن السنة طريق ثري ورافد يحتل من التشريع منزلاً يجمع على المسلم بالإضافة إلى القرآن أموراً ونواهي من استجاب لها فقد أسلم وجهه لله، ومن حرص عليها كان في حوزة هذا النص القرآني الذي أُمر النبي أن يكون على رأس الحوزة فيه " قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين" .

* * *

                                      د / طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة


تابع إذاعة القرآن الكريم                                                    الحلقة ( 8 )

----------------------------------------------

الإيمان وأثره في المجتمع

السنة في مواجهة أعدائها

ـ

          علمنا أن السنة رافد من روافد إسلام الوجه لله، وهي رافد مهم لاعتمادها مباشرة على الوحي من الله إلى نبيه، ولأهمية هذا الرافد فإن أعداء الإسلام الذين شعروا بالانهزامية أمامه في مجال تربية الفرد والجماعة قد امتلأت قلوبهم بالشنآن على الإسلام كله من جهة، وعلى السنة خاصة من جهة أخرى، فوقفوا من السنة موقف العداء، وهُيئ لهم أنهم قادرون على التشويش على الأمة في مجال القرآن الكريم لو أنهم اصطنعوا أسلوب الخوارج بطعن القرآن بالقرآن، وهم يستعينون على ذلك أيضاً بما للقرآن من ميزة وثائقية، وهي أنه معروف البداية والنهاية.

          أما السنة فهي مجال يصعب السيطرة عليه لاتصاله مباشرة بالحوادث في عصر المبعث وهي كثيرة، يعد حصرها من الأمور المتعسرة ومن الأهداف التي تكون صعبة المنال.

          توجه أعداء السنة إلى السنة بمعاولهم يريدون إزالة عينها ورسمها، وإزاحة مبناها وأثره الدال عليه بعد إزاحته.

          وهؤلاء الذين اتخذوا هذا الموقف ما كان يمكن لهم أن يفعلوا ذلك إلا إذا اتخذوا لهم موقفاً يشبه أن يكون ستاراً يختفون خلفه، يكون له من القدرة على التضليل أن يضفي على هؤلاء القوم مصداقية، ولو كانت مصداقية زائفة.

          ولقد هيأ لهم شيطانهم أنهم حين يريدون هدم السنة، فإن عليهم أن يتقدموا للأمة بالبديل المقنع.

          والبديل المقنع مجهد للعقل، كما أنه مجهدٌ للخطاب الذي يُطلب إليه أن يحقق المصداقية لهم.

          ولأن البديل مجهد فقد رأى حزب الشيطان أن يقسم نفسه إلى فرق، كل فرقة تصطنع لوناً من الخطاب في تحديد البديل عن السنة لا تصطنعه الفرقة الأخرى.

          وهذا ما كان .

          وبحصر البدائل المقترحة رأيناها قد تمحورت حول ثلاثة محاور.

          فالفرقة الأولى من الفرق التي أنكرت السنة قالت: إن البديل عن السنة المحمدية، هي السنة المأثورة عن إبراهيم الخليل؛ فإبراهيم الخليل هو أبو الأنبياء، وإبراهيم ، وإبراهيم الخليل هو الذي سمانا المسلمين من قبل، وإبراهيم الخليل هو الذي قد أمرنا الله عز وجل بالسير على منهجه، وإبراهيم الخليل هو الذي قال الله فيه : " إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين * شاكراً لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم".

          ولهذه الحيثيات ـ من وجهة نظرهم ـ جاز لهم أن يتخذوا سنة إبراهيم بديلاً عن سنة محمد صلى الله عليه وسلم .

          ولست أدري كيف جاز لهؤلاء القوم أن يعتمدوا سنة إبراهيم الخليل وآثاره، والتاريخ لم يحتفظ لإبراهيم الخليل بآثار قد وصلت إلى العرب عامة، ومكة المكرمة على وجه الخصوص.

          ويدل على ذلك من بين عشرات الأدلة تاريخ هؤلاء الشكاك الذين حارت بهم أفكارهم، وحاروا هم بسلوكهم وسلوك غيرهم قبيل البعثة النبوية، وهاموا على وجوههم يبحثون عن الإله الحق الذي ينبغي عليهم أن يعبدوه، ومن بينهم ورقة بن نوفل، وزيد بن عمرو بن نفيل وغيرهما.

          وإن تعجب فعجبٌ قولهم: إنا لا نستطيع أن نعتمد سنة الحبيب محمد لأنها لم تكتب ـ على حد قولهم ـ إلا بعد عدة عقود من الزمن، وعلى فرض صحة قولهم فإن السنة النبوية قد انعقدت عليها القلوب، وحفظتها في سر مكنون، على نحو ما حفظ تاريخ العرب في الجزيرة من خلال آدابهم وأشعارهم .

          وهب أن ما ذكروه صحيحا فإنه من مثيرات العجب أنهم قد ازوروا عن سنة ظلت بدون كتابة عشرات من السنين، وتعلقوا بسنة ظلت بغير كتابة مئات من السنين حتى نسيتها العقول، وانصرفت عنها الأعمال والأقوال.

          هذه طائفة من منكري السنة وتلك توجهاتهم.

          أما الطائفة الأخرى فقد رأوا أن يخرجوا على الناس بفرية غير هذه الفرية، حيث قالوا: إننا نترك السنة المحمدية ونتخذُ بدلاً منها العرف والعادة.

          ونحن نتساءل عن القاعدة التي تستند إليها السنة، ولن نجد جواباً إلا أن نقول: إن السنة تستند إلى الوحي المعصوم.

          ثم نتساءل من جديد عن العرف إلى أي شئ يستند ؟ فلن نجد إلا أن يكون العرف قد استند إلى تلقائية أفعال الناس فإذا ما تقادمت صارت عرفاً.

          والعرف في معظم الأحيان لا يصلح خلقاً، ولا يهذب سلوكاً، ولا يرتقي بفعل.

          والقاعدة التي ينبغي التفكير فيها هي : هل التشريع حماية واقع أم أنه رعاية مُثُل ؟

          والذين أجازوا أن يكون التشريع حماية واقع أجازوا من أجل ذلك شرب الخمر، والمثلية الجنسية، وإباحة سيطرة الفرد على الفرد إلى غير ذلك من مستقبحات السلوك والأقوال.

          ونحن لا نطيل هنا فالأمر واضح.

          أما الطائفة الثالثة من منكري السنة فقد رأوا أن البديل عنها هو العقل البشري؛ فالعقل البشري هو هذه الأداة السحرية التي يتم من خلالها وضع الضوابط وخلق الآليات التي على أساس منها تنضبط الأخلاق ويستقيم السلوك.

          ولقد جربت البشرية أن يشرع العقل للعقول، وذاقت البشرية ويلات نظم شرع فيها العقل للعقل، واصطلت الإنسانية بنيران الأفكار والمذاهب التي أنتجتها العقول وهي ملأى بالأهواء أو الرغبات الشخصية، أو الميول الفئوية.

          وأقرب سؤال يطرحه الإنسان على أصحاب النظريات العقلية في مجال الاجتماع أن يقول : لماذا أُسلم قيادي إلى عقل مثلي، ولماذا أُخضع عقلي إلى إنسان ربما أكون أنا قد تفوقت عليه ؟ ... إلى غير ذلك من الأسئلة التي تُطرح فتبطل هذا التوجه.

          لقد بقيت السنة هكذا شامخة في الميدان تصفع كل توجه ضال، وتبطش بكل من تنكر لها كرافد مهم من روافد إسلام الوجه لله.

* * *

                                      د / طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة


تابع إذاعة القرآن الكريم                                                    الحلقة ( 9 )

----------------------------------------------

الإيمان وأثره في المجتمع

إجماع الأمة المحمدية رافد من روافد إسلام الوجه لله

ــ

          لقد ثبت مما سبق ذكره أن هناك رافدين من روافد إسلام الوجه لله لم يخالف أحد من الأمة حجيتهما إلا ما كان من الشانئين على الإسلام وخلاف الشانئين لا يعتد به.

          والآن نريد أن نتحدث عن المورد الثالث من موارد إسلام الوجه لله، وهو إجماع أمة محمد صلى الله عليه وسلم على مسألة من مسائل الشريعة تشتمل على حكم من الأحكام.

          وإجماع أمة محمد صلى الله عليه وسلم تعد مورداً من موارد الشريعة المأمونة عند جماهير العلماء.

          والإجماع إنما يعني الموافقة والإزماع.

          وأفراد الأمة إذا توافقوا على شئ وأزمعوا على إنفاذه وفعله والعمل بمقتضاه، سمى هذا الكل إجماعاً.

          والإجماع دليل شرعي، وهو دليل مُلزم يلتزم به كل مسئول ويحاسبه الله على أساس منه.

          ووجه دلالة الإجماع على الصدق في النقل ما لهذه الأمة من ميزة تحدث عنها القرآن، وتحدث عنها النبي صلى الله عليه وسلم وهي ميزة لا يخالف فيها العقل ولا يأباها الوجدان.

          أما ما جاء في القرآن فهو وإن لم يكن قطعي الدلالة إلا أنه في الوقت نفسه قطعي الثبوت، وهو صحيح النسبة إلى الله عز وجل.

          فالله يقول عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم : " كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله " وآيات كثيرة من هذا القبيل، لكنا نتوقف عند واحدة منها لنفصل القول فيها شيئاً من التفصيل، قال تعالى في سورة البقرة : " وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً " .

          ومحور التكريم في هذه الآية هو تلك الوسطية التي وصف الله بها هذه الأمة.

          والوسط هنا لا يعني الوسط الرياضي الذي يكون على نقطة في شئ له طرفان ، المسافة التي تفصله عن كل منهما متساوية، وإنما الوسط في هذه الآية إنما يعني المحور ونقطة الارتكاز كما هو ظاهر في وسط الدائرة مثلاً، ووسط الدائرة فيه عدة مميزات : أولها : أنه مصون، إذ لا يُخلَص إليه ومحيط الدائرة قائم على وضعه، وثانيها : أن فيه إشارة إلى العدل، وذلك أن نسبة هذا الوسط في الدائرة إلى كل نقطة على المحيط متساوية، وثالثها : أن الوسط عزيز مكرم على نحو ما يظهر في وسط القلادة، إذ أكرمُ شئ في القلادة أوسطها.

          وإذا جمع الوسط هذه الخواص، فإن الله إنما يجمعها لهذه الأمة بهذا اللفظ، وما يدل عليه ليؤكد أنها صالحة للشهادة، والشهادة عنصر مهم ومرتكز أصيل في مجال الحكم، وفي مجال نقل الأخبار على السواء.

          وأهمية الشهادة في مجال الحكم أنها هي الأساس لإثبات الحق، ورفع المظالم، والشهادة في مجال الأخبار أساس مهم للثقة فيها.

          ولما كانت الشهادة على هذا النحو من الخطر كان لابد أن يكون الشاهد عدلاً، وأن يكون الشاهد أعلى كعباً في مجال الأخلاق، وفي قبوله للمصداقية فيه من المشهود عليه.

          وآية البقرة التي نحن بصددها تؤكد ذلك صراحة أو ضمناً "وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً " .

          ولو أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم أجمعت على شئ ، وقالت: إن هذا الشئ من الدين، وجب على الأفراد الانصياع له انطلاقاً من هذا التحليل الذي رأيناه في الآية .

          ولقد وردت روايات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هي أوضح في الدلالة وإن كانت ظنية الثبوت، ومنها : " لا تجتمع أمتي على الخطأ " وهذا المعنى وإن لم يتواتر لفظه إلا أنه قد تواتر بنفس المعنى بألفاظ متعددة عن كثير من الصحابة يرفعونه إلى رسول الله، منهم : عمر وابن مسعود وأبي سعيد الخدري وأنس بن مالك وابن عمر وأبي هريرة وحذيفة بن اليمان وغيرهم .

          ومن الألفاظ التي عبرت عن هذا المعنى ضمن هذا التواتر المعنوي "لا تجتمع أمتي على الضلالة" ، "ولم يكن الله ليجمع أمتي على الضلالة"،  "وسألت الله تعالى أن لا يجمع أمتي على الضلالة فأعطانيها".

          والمتأمل في هذا المعنى والألفاظ التي أداه النبي بها يجد أن ما قاله النبي يشهد به لأمته قطعي الدلالة في أن الإجماع معتبر، وإن كان قطعية الثبوت فيه نسبية إذا قيست إلى القرآن، في نفس الوقت الذي يعد فيه ما قاله القرآن عن هذه الأمة قطعي الثبوت، وإن كانت قطعية الدلالة على اعتبار الإجماع حجة أقل إذا قيست إلى النص النبوي.

          ونحن بعد ذلك لا نشك في أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم قد نزهها الله أن تجتمع على ضلالة كما ابتلى الله غيرها من الأمم كأمة اليهود بالاجتماع على الضلالة وسعادتهم بما يجتمعون عليه من الزيغ والإثم.

          وهذا هو الأساس المتين الذي جعل علماء الأمة يعتمدون على الإجماع رافداً يثري إسلام الوجه لله بما يحتاج إليه من العناصر المعبرة عن إسلام الوجه لله.

          وكثير من علماء الفقه، بل الأكثرية الغالبة تعتمد الإجماع دليلاً في الفروع إلى جوار الكتاب والسنة.

          ومن أنكر ما أجمعت الأمة عليه يكون قد ارتكب في أعين العلماء أعلى درجات الإثم.

ومن خالف الإجماع فقد ضل وهلك.

ومن ند عن الجماعة لا يبالي الله به.

والذئب إنما يفترس من الغنم الشاة القاصية التي ندت عن الجماعة وتركت القطيع.

ويد الله عز وجل مع الجماعة.

ألا فليبقى الإجماع مورداً يثري إسلام الوجه لله.

* * *

                                      د / طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة


تابع إذاعة القرآن الكريم                                                 الحلقة ( 10 )

----------------------------------------------

الإيمان وأثره في المجتمع

الإجماع حقيقته ـ مكانته ـ حجيته

ــ

          ذكرنا فيما ذكرناه الإجماع بوصفه رافداً من روافد الإسلام الذي هو إسلام الوجه لله.

          وكان ما ذكرناه عاماً في موضوع الإجماع يحتاج هنا إلى شئ من التفصيل.

          فإذا سأل سائل مثلاً : ما الإجماع الذي تقصدون إليه ؟

          فإنه من حقه أن يعلم حقيقة هذا الإجماع.

          والإجماع في لغة العرب يطلق على أمرين : أحدهما : العزيمة، فيقال فلان أجمع رأيه على كذا، وثانيهما : الاتفاق، فيقال : أجمع المجتهدون على كذا.

          ونحن لا نقف طويلاً عند الاستعمال اللغوي، إذ الواجب علينا أن نفهم معنى الإجماع عند الفقهاء والأصوليين.

          والإجماع المصطلح عليه عند العلماء هو : " اتفاق جماعة من المجتهدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بعد وفاته على شئ يتصل بحادثة معينة، وفي عصر من العصور بحيث يؤمَن تواطؤهم على الكذب " .

          وهذا التعريف وذلك المفهوم يمكن أن يندرج تحته أنواع ثلاثة يتسع التعريف لها بنسب مختلفة.

          وأولها : اتفاق جماعة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم على نقل شئ عنه في أمر من الأمور وهم مجمعون على نقله منذ العصر النبوي إلى ما بعده من العصور.

          وهذا النوع من الإجماع على النقل مع نفي احتمال الاتفاق على الكذب يعد من باب التواتر في الرواية.

          والتواتر في الرواية أحسن ما قيل فيه : أن الله يخلق عند السامع الذي يتلقى الأمر الذي تم التواتر فيه علماً ضرورياً لا يمكن رده أو الشك فيه.

          وهذا نوع من الإجماع ظاهر

          وثانيها : أن تقع حادثة في أكثر من مكان من العالم الإسلامي، وليس لها دليل معروف نصاً فيها من الشريعة، واجتمع مجتهدو كل محلة للبحث والنظر في هذه الحادثة وما تحتاج إليه من الأحكام، وقد توصلوا على اختلاف أماكنهم وتباعد أوطانهم إلى حكم واحد في هذه الحادثة التي عاصروها.

          وهذا النوع من الإجماع يؤكد فيما يؤكده سلامة الفطرة عند الإنسان، ووضوح المنهج الإسلامي الرشيد، وإلا لما كان من الممكن أن تتطابق العقول، وتجتمع الفهوم، ويتوحد الاستنباط على هذا النحو.

          وثالثها : أن تجتمع أمة محمد صلى الله عليه وسلم على نقل حكم في حادثة معينة لم يقترن هذا الحكم بدليل، ويعد نقله على هذا النحو هو دليله الوحيد.

          وهذا التعريف بهذا الشمول قد اعتمده كثير من الناس خاصة الشافعية، يتقدمهم  محمد بن إدريس الشافعي إمام المذهب في الرسالة على ما حكاه الزركشي، وتابعه جمهور المذهب فيه.

          وهذا التعريف على نحو ما قاله المتمسكون به، لم يكن محل اتفاق بين العلماء.

          وعلى كل حال فأنت خبير ولا شك أن ما أجمع عليه الناس من قبيل الخبر نقلاً عن رسول الله فهو خارج الخلاف قطعاً، ويبقى خلافهم منصباً على ما أجمع عليه المجتهدون في استخراج الأحكام لما يظهر من ندرة اجتماع الناس على حكم واحد.

          ويتجرأ بعض الكاتبين فيقول : إن الإجماع لا يُصَور حصوله فهو من قبيل الأمر المستحيل.

          وهذا التصريح فيه جرأة شديدة، ذلك أن البشر يعيشون على مساحة شاسعة من هذا الكوكب تستغرقه كله، وهم من أهم مميزاتهم  أنهم يستفيدون من تجاربهم الماضية، حتى يمكن القول في تعريف الإنسان بأنه حيوان له تاريخ، وأن التاريخ هو سجل تجاربه.

          ومع اتساع خريطتي الزمان والمكان، واحتياج الإنسان لتاريخه، كان لابد من اعتبار الإجماع مصدراً من مصادره.

          فإذا كانت الحادثة محل النقل قد وقعت في الزمن الماضي اكتفينا برواية الإجماع.

          وإذا كانت الحادثة معاصرة كان لابد من الرواية والرؤية جميعاً.

          ومن يقولون : إن الإجماع أمرٌ غير متصور عقلاً فعليهم أن ينظروا في شبه أصحاب الشبه والبدع ليعلموا أنهم مطبقون على شبههم مجمعون عليها، فأصحاب الحق في حقهم أولى في الإجماع عليه.

          وإذا كان الإجماع ممكن عقلاً، فإنه يثبت به الاستدلال ولا شك، وهو ما قال به جمهور علماء الأمة.

          وقليلون من الناس هم الذين رفضوا القول باعتماد الإجماع حجة، ولم يقل بذلك إلا النظام من المعتزلة، والإمامية من الشيعة.

          ولئن كان للإمامية موقفهم الفلسفي المنحصر في اعتقادهم بالإمام المعصوم الذي لا يخلو الوقت عنه، وهو مسئول عن توجيه المجتمع، فإن موقف النظام لا يكاد يُفهم.

          وأيا ما كان الأمر، فالاستدلال بالإجماع يشبه أن يكون بديهة من البدهيات العقلية، خاصة فيما كان النقل فيه بالإجماع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

          والمجال الذي يعمل فيه الإجماع مجال رحب، فهو في الشريعة والفقه يعتبر حجة على نحو ما رأيت لا يخالف فيه إلا الأقلون.

          وهو في مجال العقائد يحتاج إلى شئ من التفصيل؛ إذ من العقائد ما وَكَل الله معرفته إلى العقل، كإثبات وجود الله مثلاً .

          ومن العقائد ما يُقدَّم الشرع فيه على العقل من نحو أسماء الله، وصفاته، وأخبار اليوم الآخر، ومشاهد القيامة، وهذا مجال يتأتى الإجماع فيه.

          وهكذا يثبت الإجماع رافداً من أهم روافد الإسلام ـ إسلام الوجه لله ـ.

          ونعود فنؤكد أن الإجماع في هذه الأمة خاصية من خواصها أخبر بها القرآن، وطلبها رسول الله صلى الله عليه وسلم من ربه فأعطاه الله إياها.

* * *

                                      د / طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة


تابع إذاعة القرآن الكريم                                                 الحلقة ( 11 )

----------------------------------------------

الإيمان وأثره في المجتمع

المناسب المرسل أو المصالح المرسلة

ومتى تكون مورداً من موارد إسلام الوجه لله

ــ

          معلوم أن إسلام الوجه لله ليس شعاراً فارغاً يردده العباد، وإنما إسلام الوجه لله يتم من خلال العمل بمقتضى الشريعة التي جاءت لتكلفهم بأعمال معينة.

          وطرق وصول هذه الأعمال إلينا هي ما نسميه بموارد إسلام الوجه لله، وقد ذكرنا منها القرآن والسنة والإجماع ...

          وها نحن الآن أمام مسألة مهمة، وهي أن الأحداث اليومية التي تحتاج إلى أحكام شرعية كثيرة، تكاد تخرج عن الحدود وتعز على الحصر.

          والأدلة الشرعية محدودة.

          فكيف نتغلب على هذه المعضلة الناتجة من محدودية النصوص في نفس الوقت الذي جاءت الحوادث فيه لا حدود لها ؟

          أما الشريعة الإسلامية فقد تغلبت على هذه المعضلة ببساطة شديدة، حيث اتخذت من المصالح المرسلة في حالات معينة دليلاً شرعياً يقف خلف بعض الأحكام يؤيدها ويناصرها.

          والمصالح المرسلة لا تتضح إلا إذا فهمنا أمرين :

          أما أحدهما : فهو أنه ما من حادثة أو عمل يقوم به الإنسان العاقل إلا وله غاية أو هدف.

          وثانيهما : أن الشريعة الإسلامية التي طلب الشارع من الإنسان أن يحققها في ذاته فرداً وجماعة، قد جاءت لها مقاصد وأهداف.

          واستناداً إلى هذين الأمرين رسم الشارع لعباده المؤمنين هذه الطريق التي حملهم على السير فيها، وجعلهم يتخذون منها دليلاً شرعياً.

          وخلاصة هذا الطريق أن نقول : إنه إذا استحدثت حادثة أو واقعة لها غاية ولها هدف، وهي لا تخالف دليلاً شرعيا، وكانت في ذلك الوقت لا تخالف مقصداً من مقاصد الشريعة، وقد جاءت مندرجة تحت نص عام من نصوصها، كان عدم مخالفتها لدليل شرعي واندراجها تحت مفهوم نصٍ عام وموافقتها لمقاصد الشريعة مؤهل شرعي وعقلي لاعتبارها دليلاً شرعياً معترفاً به من قبل الشارع لمساندة حكم من الأحكام مرتبطاً بما استحدث من الوقائع.

          وهذا النوع من الاستدلال، واعتباره مورداً من موارد إسلام الوجه لله، قد اعترف به جميع علماء الأمة الذين تُناط بأمثالهم مهمة البحث في الأدلة الشرعية والأحكام التي تُستنبط من هذه الأدلة.

          وما من عالم من هؤلاء العلماء إلا وهو يعلم علم اليقين، أن المصالح المرسلة لا تعتبر دليلاً إلا وهي مقيدة بما ذكرناه من القيود .

          وما من عالم من العلماء أرباب الاختصاص إلا وهو يعلم علم اليقين، أن اللجوء إلى المصالح المرسلة والاستدلال بها لا يحتل مكانه ومكانته إلا بعد استفراغ الجهد وبذل الوسع في البحث عن الأدلة الشرعية الأخرى، كالقرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة.

          وما من عالم من العلماء إلا وهو يعلم علم اليقين، أن هناك مفاهيم لو لم يُلتفت إليها لدخلت على الاستدلال بالمصلحة المرسلة وأفسدتها، من نحو المنفعة المطلقة من كل قيد، ومن نحو الهوى الجامح الذي قد يقود النفوس فيجعلها تقدم المصلحة المرسلة والاستدلال بها على القرآن الكريم والسنة النبوية، وعلى الإجماع والقياس، تحت شعار عام وغير مقيد يقول أصحابه في التعبير عنه: (كلما وجدت المصلحة فثم شرع الله)، وهي قاعدة رددها ابن القيم وتابعه في تردادها كثيرون من المحدثين.

          وابن القيم رجل ماهر بالتعبير عن مقاصده، الأمر الذي جعله لا يتورط فيما تورط فيه أحد معاصريه الذي جمع بينه وبينه الزمان والمكان، حيث التقيا في كثير من الأحيان.

          وهذه الشخصية التي ننبه عليها، ونلفت النظر إليها هي شخصية سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم بن سعيد بن الصفي، وهو الذي نسب إلى طوف أو طوفي وهي محلة بالعراق من أعمال بغداد، وأحياناً ينسب إلى صرصر وهي بالعراق كذلك، ولقبه نجم الدين.

          وشخصية سليمان الطوفي شخصية مضطربة في توجهاتها العقدية والسلوكية على السواء، فأنت تراه مرة يعتنق مذهب الشيعة وينسب إليه أنه نال من بعض الصحابة فيما كتبه فيهم شعراً، ثم يعلن أنه من أهل السنة وعلى مذهبهم.

          وأنت تراه مرة يتحمس إلى المذهب الحنبلي، وأخرى يظهر وكأنه صاحب آراء شخصية.

          ولكنه في جميع الأحوال قد تمسك برأيه الأصولي على هذا النحو الذي قال فيه : إن المصلحة المرسلة أو المناسب المرسل هو المحور الأساسي الذي تدور الشريعة حوله، بحيث لو تعارضت الأدلة الشرعية مع المناسب المرسل أو المصلحة المرسلة، كان العمل بمقتضى المناسب المرسل، ثم بعد ذلك يتم التصرف في النص الشرعي من كتاب أو سنة، أو في القياس الذي ظاهره التعارض مع المناسب المرسل بالتأويل أو التخصيص أو ما شابه ذلك.

          ويبدو لنا أن الطوفي كان مقدمة مبكرة لأولئك النفر الذين يزعمون في هذا الزمان بأنهم يملكون التصرف في الشريعة على أساس من المصلحة العامة أو الخاصة التي يرونها ، وهي تختلف باختلاف الزمان.

          وأولئك المحدثون الذين تابعوا الطوفي هم الذين يسمون أنفسهم بالعلمانيين أحياناً، أو التنويريين أحياناً أخر.

          وتوجهم هذا توجه ضار بالمجتمع والناس، وفي مثله قال بنتام ما خلاصته: إن هؤلاء الذين يحملون الشرائع على ما يرونه هم نافعاً من وجهة نظرهم أناسٌ طلاب هوى، وهم محكومون بالرغبات الشخصية، وهي رغبات فيها من الضرر ما يصعب على المصلحين تحمله، ألا فلتبقَ المصلحة المرسلة مورداً شرعياً من خلال الضوابط التي تحكم صلاحيته على نحو ما ذكرناه.

* * *

                                      د / طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة


تابع إذاعة القرآن الكريم                                                 الحلقة ( 12 )

----------------------------------------------

الإيمان وأثره في المجتمع

المصالح المرسلة والبدعة على ألسنة الناس

ــ

لقد ظهر من حديثنا السابق أن المصالح المرسلة أو المناسب المرسل يعد بعد تكييفه تكييفاً شرعياً مورداً من موارد إسلام الوجه لله.

          ولكن هذا المورد مع صفائه ربما ينمو على سطحه ما يشوش عليه، كما ينمو ورد  النيل على سطح النهر، يذهب ببهائه، وينتقص من جماله.

          ومن الأشياء التي تشوش على المصالح المرسلة باعتبارها رافداً من روافد إسلام الوجه لله ما يجري على ألسنة غير الفاهمين من استعمال كلمة (البدعة) ، يتخذون منها سلاحاً يرمون به كل برئ، ويزعزعون مكانة العالم النحرير في قلب أتباعه ومريديه.

          والمسألة في غاية البساطة.

          إنه لمن المعلوم الذي لا يحتاج إلى جدل ما لفتنا إليه النظر من قبل، من أن هناك أموراً تقع في طريق الناس لأول مرة على غير مثال سابق فيبحث الناس لها عن حكم في الشريعة يأخذونه من دليل معتبر فلا يجدون.

          إلى هنا تبدو المسألة عادية، فما على العالم إلا أن يتأمل هذا الأمر الحادث، يتأمله ليعلم الغاية التي ينتهي إليها، فإن رأى أن الغاية التي ينتهي إليها موافقة لمقصد من مقاصد الشريعة خادمة له، ولا تتعارض مع دليل من أدلتها المعتبرة، وليس لها في الشريعة دليل تُحمل عليه لتستنبط منه الحكم المناسب لها.

          إذا وجد الفقيه الحادث على هذا النحو، جزم بأن الشريعة لا تقف في وجهه، وتكون المصلحة نفسها هي الدليل الذي يستنبط الحكم منه.

          ويختلف الحكم باختلاف المقصد الذي يتفق معه هذا الحادث الموافق.

          ومن أجل ذلك رأينا العلماء يقولون: إن الأمر الحادث تعتريه الأحكام الخمسة على العموم على نحو ما صرح بذلك العز بن عبد السلام.

          والعالم ينظر في هذا الأمر الحادث من حيث هدفه وغايته فيجد أنه مخالف لمقاصد الشريعة، أو لواحدٍ منها، أو معارض لأحد أدلتها.

          إن الباحث في الشريعة يصادفه هذا الأمر، فما عليه إلا أن يحكم على هذا الأمر الحادث حكماً يُعرب عن أنه ليس من الأمور التي أوجبها الشرع، أو ندب الناس إليها، أو أباحها، وإنما هو بحسب موضعه دائر بين الكراهة والحرمة، وهو يسمى بدعة.

          وتسميته بالبدعة تكون قد جعلته يشارك المصلحة المرسلة في هذا الاسم.

          ولذلك صلح أن يقال : إن البدعة تنقسم إلى قسمين : بدعة حسنة، وبدعة سيئة.

          فمن البدع الحسنة مثلاً : صلاة التراويح في رمضان في جماعة، حيث رأى عمر بن الخطاب الناس قد تفرقوا في مسجد رسول الله يصلون صلاة القيام في جماعات متعددة، فقال معلقاً على صلاة القيام في جماعة (نعمت البدعة هذه) ، ولكنه أدخل على هذا العمل (البدعة) تعديلاً طفيفاً ، ولكنه جوهري حيث أمرهم أن يجتمعوا على إمام واحد.

          ومن البدعة الحسنة ما أفتى به علي بن أبي طالب ، حيث سُئل عن الرجل يستعير من أخيه شيئاً، فتلف هذا الشئ تحت يده هل يعوض مالكه أم.لا ؟ قال الإمام علي : صحيح إن المستعير لا يضمن العارية إلا إذا أهمل في حفظها، أو استعملها في غير ما استعارها له، لكن الذمم قد انتابها ما يعيبها، ومن أجل ذلك : (أُفتى ـ والكلام للإمام علي ـ بأن المستعير يضمن العارية، بحيث تكون يدُّه عليها يد ضمان في جميع الأحوال).

          وهذه بدعة ، ولكنها توافق غرض الشريعة في الحفاظ على الأموال.

          ومثل هذا ، ما حدث في عصر الصحابة من زيادة حد شارب الخمر من الأربعين إلى الثمانين، وهي مصلحة اقتضاها مقصد من مقاصد الشريعة أو أكثر، فشارب الخمر إذا شربها هذى، وإذا هذى ربما ارتكب بعض الجرائم الأخرى كالقذف مثلاً ، وهو النيل من أعراض الناس.

          ومن الأمثلة في عصر التابعين ما رواه ابن القيم وغيره من أن إمام الحديث في زمانه، وهو الإمام ـ أحمد بن حنبل ـ سئل عن المصحف يكتب بماء الذهب ، وهي مسألة مستحدثة على غير مثال، فأجاز ذلك ، معلقاً بما مُفاده : إذا لم يكن كلام الله مستحقاً أن يكتب بماء الذهب فأي كلام غيره ينال هذا الاستحقاق.

          علماء الأمة إذاً يعلمون أن هناك (بدعة حسنة) وحكمها من موافقتها لمقاصد الشريعة، وعدم معارضتها لدليل من أدلتها.

          وإلى جوار هذه ـ البدعة ـ  ـ البدعة السيئة ـ  وهي التي لا توافق مقصداً من مقاصد الشريعة، أو تعارض دليلاً من أدلتها.

          وفي ساحة العلوم، وحين كانت الكلمة للعلماء كان المجتمع المسلم آمنا من الخلاف ، متأبياً على الشقاق، فحين مات العلماء أو أكثرهم موتاً طبيعياً أو اجتماعياً، وظهر بين الناس رءوس جهال يفتون الناس بغير علم، سمعنا على ألسنتهم أن كل جديد مرذول، وكل مستحدث بغيض، وكل حادث بدعة، وهم في كل ذلك لا يلتفتون إلى النظر في مقصد الحادث مع مقاصد الشريعة، ولا يلتفتون إلى هذا الحادث إن كان يشمله حكم منتزع من دليل أو. لا، وإنما صارت ـ البدعة ـ سلاحاً في يد الطائشين، يهددون به مراكز مرموقة، وينالون به من كل عالم عملاق، ولا سبيل لهم إلى ذلك إلا بتهييج العامة.

          وأغرب الغرائب ما قالوه من أن الترك يعد دليلاً شرعياً فما الترك إلا أن يقول القائل: إن هذا الأمر بدعة وحرام لأن النبي لم يفعله، ولأن الصحابة لم يفعلوه، ولو لم يكن بدعة مرذولة لكان النبي والصحابة أولى بفعله.

          وفي هذا الكلام مغالطة شنيعة، ذلك أنه لم يوجد بشر من الناس على اختلاف مستوياتهم قادر على استيعاب الحوادث يمارسها بنفسه من أول رسالته إلى أن تقوم الساعة.

          هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن السنة النبوية المطهرة على ما عرفها العلماء لا تشمل الترك، وإنما قصارى ما تشتمل عليه أنها ما نسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير.

          فتأمل .

* * *

                                      د / طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة


تابع إذاعة القرآن الكريم                                                 الحلقة ( 13 )

----------------------------------------------

الإيمان وأثره في المجتمع

المصلحة المرسلة ومذهب المنفعة

ــ

          إن المصلحة المرسلة بوصفها رافدا من روافد إسلام الوجه لله لا يصفو لها الجو بعد ما ذكرناه إلا إذا نحينا عنها ظلالاً يمكن أن تطرأ عليها من استعمال ألفاظٍ يروج لها الآن في الأسواق، ومن أهم هذه الألفاظ كلمة ـ المنفعة ـ .

          والمنفعة استعملها كثير من الفلاسفة ، وكثير من الباحثين في أصول الشرائع بشئ من الاهتمام والتقدير، وربما يكون من أكثر الناس الذين استعملوا هذه الكلمة على هذه الصفة ، هذا الكاتب المعروف باسم ـ مسيو بنتام ـ ولقد ضمّن آراءه مجموعة من الأوراق المتفرقة جُمعت بعد وفاته في كتاب ترجم إلى العربية باسم (أصول الشرائع) ، وما يهمنا هنا ونحن نتحدث عن المنفعة أن نذكر رأى بنتام في تعريف المنفعة وأهميتها وغايتها، لنتمكن من المقارنة بينها وبين المصلحة المرسلة أو المناسب المرسل.

          ولقد عرف بنتام المنفعة فقال : [المنفعة لفظ لمعنى معقول وهو خاصية في الشئ يكون بها مجلبة لخير أو مبعدة عن شر].

          ومن يتأمل هذا التعريف لا يجد أنه مستعصٍ على الفهم، فالمنفعة اسم لمعنى معقول فيه خاصية تمكنه لو تحقق في شئ جعله مجلبة للخير، مبعدة للشر.

          ويبدو أن بنتام يحاول هنا أن يقول : إن الخير يتحقق في الشئ بذاته، وإن الشر يتحقق في الشئ بذاته كذلك.

          لكن بنتام لم يستطع أن يحل لنا مشكلة معيار الخير والشر، وإلى أي شئ نقيس الخير الذي نريده، والشر الذي ننفر منه، ولا سبيل له إلا هذه المنفعة يعقلها الإنسان فيحدد الضرر الذي ينفر منه، والخير الذي يريده.

          أما المصالح المرسلة فهي وإن كانت قريبة في دلالتها على المقصود من المنفعة، إلا أن المرجع في تحديد المنفعة من حيث أنها مجلبة للخير مانعة من الشر هو الله نفسه أو المشرع ذاته.

          ومن أجل ذلك فإنك ترى جمهرة كبيرة من المسلمين يقولون : إن الشئ الحسن هو ما حسنه الشرع، والشئ القبيح هو ما قبحه الشرع.

          وعليه : فإن الخير ما أمر الشارع به وكلفنا بفعله.

          وأن الشر هو ما نهى الشارع عنه وحذر من الاقتراب منه.

          وعلماء المسلمين يكادون يجمعون على هذا المبدأ لولا ما كان من تصرف المعتزلة الذين قالوا بالحسن والقبح الذاتيين.

          ونحن على كل حال لا نهتم بهذه النظريات القديمة بقدر ما نهتم بآثارها في المجتمع الحديث.

          فكثير من أبناء أمتنا اليوم يأخذون بمبدأ الاستحسان العقلي، والاستلطاف الذاتي، ويعتبرون العقل هو المرجع الأول والأخير.

          وهم بتصرفهم هذا قد فتحوا علينا باباً من الشر عانت منه أمم غيرنا، ذلك أن العقل إذا أصبح مقياساً تقاس إليه الكليات والجزئيات أوقعنا في خلافات لا يعلم مداها إلا الله، ذلك أن كل فرد منا معتز بعقله، معجب بفكره.

          ومن خلال هذا الاعتزاز لا يقبل الواحد منا أن يُسلم قياده إلى غيره، وحجته أن يقول : أنا لماذا أسلم قيادي لك، ولماذا أخضع عقلي لعقلك، والفرض أننا متساويان ؟

          وهذا الخطر الظاهر في مسلك المعاصرين اليوم قد زحف على القرآن، وزحف على السنة، وزحف على الإجماع.

          فعلى الساحة اليوم من يقولون : إن القرآن الكريم ينقسم إلى مكي ومدني، وأن القرآن المكي يخاطب الناس بأمور عامة في كثير من الأحيان، وأن القرآن المدني يتحدث إلى المسلمين في قضايا التشريع.

          وهؤلاء المتنورون  حين أرادوا أن يحكموا العقل رغبوا في إزاحة هذا القرآن المدني، واكتفوا بعموميات القرآن المكي، وتعلقوا بمبدأ مقلوب حيث قالوا: إن القرآن المكي قد نسخ القرآن المدني وأبطل عمله، أو في أقل القليل: إن القرآن المكي عندهم يحملنا على تعليق القرآن المدني وإيقاف العمل بمقتضاه ولو إلى حين.

          وهذا الذي نقوله ليس من صنع الخيال، وإنما الذين كتبوه وأذاعوه ما زال الكثير منهم حي يرزق، وما زالت كتبهم موجودة في الأسواق.

          والاحتكام إلى العقل قد مكن لبعض الناس أن يزحفوا على السنة، وهي المورد الثاني من الموارد التي تمد إسلام الوجه لله وتثري قيمته، فقالوا: إننا نحكم على السنة بالعقل، فنقول هذا قد ثبتت نسبته إلى النبي، وهذا مكذوب عليه، وأن العقل قادر على إصدار هذه الأحكام، ويجب على الكل أن يأخذ بالحكم الصادر من العقل على السنة لا يرده ولا يتشكك فيه.

          والشئ الغريب أن نسمع هذا الكلام يقال ونحن في الألفية الثالثة وقد تقدمت العلوم بسبب تقدم مناهج البحث فيها.

          ومن المعروف أنه للعلوم التاريخية منهج يختلف عن العلوم الطبيعية.

          وأعلى مراتب هذا المنهج اصطناع الرجال ينقلون الحدث أو القول عن مصدره طبقة تسلم إلى طبقة، وجيلٌ يروي عن جيل، أو ثقة يأخذ عن ثقة.

          وهذا المنهج في علو قامته التي أصبحت تطاول السحاب وتحاكيه لم يستعمل إلا في نقل سنة رسول الله، ولم يقوَ علماء التاريخ في أي أمة أن يصطنعوا هذا المنهج كي يتمكنوا من الانتفاع بثمرته.

          والاعتماد على العقل جلب إلينا بعض المفاسد فألقت بجرانها بين أبناء مجتمعنا، حيث عمد أصحاب هذا المبدأ إلى الإجماع، وحملوا إليه معاولهم لضرب أفراده، كأن يدعوا أن مجتمع الصحابة قد خلا من العدول، أو أن يعمدوا إلى بعض الصحابة فيتهمونهم في خلقهم ودينهم، وكل ذلك بجرأة غير معهودة في أمة من الأمم، إذ لا تقبل أمة أن يعتدي بعض أفرادها على رءوس سلفها.

          إنه لا يمكن على أي حال أن نتخذ من العقل مرجعاً نحدد به المنافع في الأشياء، وإنما يجب علينا أن يكون مرجعنا أعلى منا وهو الله.

* * *

                                      د / طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة

 


تابع إذاعة القرآن الكريم                                                 الحلقة ( 14 )

----------------------------------------------

الإيمان وأثره في المجتمع

الإسلام بين الاسم والصفة

ــ

          مرة أخرى نعود إلى الإسلام لنتحدث عن مدلول هذه الكلمة في الخطاب الإلهي لهذه الأمة.

          ولابد أن يكون واضحاً أن الله قد توجه لعباده بتكليفات، ومن هذه التكليفات ما يتوجه الله به إلى الجوارح في الإنسان الفرد والسلوك المتبادل بين الأفراد في الجماعة؛  إذ الإنسان الفرد له جوارح، والجوارح محل التكليف بالأشياء العملية والقولية، من نحو، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت.

          والمجتمع المسلم، والجماعة الموحدة، لا تكون جماعة إلا إذا كان لها هذا السلوك المتبادل، والعلاقات المتداخلة، وهذا السلوك الجماعي وتلك العلاقات المتداخلة هي محل التكليف للأمة من الله عز وجل.

          وتوجه الشرع إلى الأفراد يجعل استجابتهم له فرض عين ، أي أن كل فرد مطالب بأداء ما وُجِّه إليه.

          وتوجه الشرع إلى الجماعة يجعل استجابتها لما كلفت به فرض كفاية، بمعنى أنه إذا فعله البعض سقط الحرج عن الباقين، وإذا لم يفعلوه تحملت الجماعة كلها مسئوليتها عن هذا التقصير.

          ولنا أن نتصور الأفراد والجماعات وقد استجابت إلى ربها بقدر الاستطاعة، ثم نتساءل عن شكلها الظاهري وهي مستجيبة إلى ربها خاضعة له.

          إننا لن نجد شيئاً نَصِف هذه الأمة به إلا أن نقول : إنها من خلال هذه الطاعة قد أسلمت وجهها لله في خضوع مطلق، وتبعية لا تشوبها شائبة.

          وهذا مطلبٌ راقٍ وأمل يبتغيه كل إنسان سليم الفطرة، عظيم القصد، ومن الفطر السليمة التي ابتغت هذه المرتبة وتطلعت إليها سيدنا إبراهيم وولده إسماعيل عليهما السلام، حيث توجها بالرجاء إلى الله عز وجل بعد الانتهاء من بناء البيت العتيق قائلين : " ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم " .

          هنا دعوتان :

          الدعوة الأولى : دعاها كل واحدٍ من النبيين لنفسه، ومنتهى الأمل أن يجعلهما الله عز وجل مسلمين له.

          وليس لهذه الدعوة من معنىً إلا الرغبة في الخضوع والانكسار والاستسلام، المشتمل على الإخلاص الذي يجعل التوجه خالصاً لله بغير شائبة.

          أما الدعوة الثانية : فقد توجه بها إبراهيم وإسماعيل أن يجعل الله من ذرية إبراهيم من فرع إسماعيل أمة في هذا المكان، تكون صفتها هذا النوع من الاستسلام والخضوع، والتوجه بغاية الإخلاص لله عز وجل.

          ثم توجها إلى الله، ورغبا إليه أن يخصص لهذه الأمة رسولاً منهم لا من بني إسرائيل يقوم بمهمتين في وقت واحد، يتلوا عليهم آيات الله ويبلغهم وحيه، ثم يشرف على الرعيل الأول منهم وهم الذين يعاصرونه في حياته، فيدربهم على تطبيق شرع الله تزكو به نفوسهم، وتعلو  به هامتهم "ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم".

          وهذا الذي فعله إبراهيم هنا من الرغبة إلى الله يجعله مسلماً هو وابنه إسماعيل ومن ذريتهما أمة مسلمة، هو نفسه الذي فعله مع فرعه الثاني الذي انحدر منه بنو إسرائيل أعني يعقوب عليه السلام "ووصّى بها إبراهيمُ بنيه ويعقوبُ يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون".

          وهكذا قد استعملت مادة الإسلام بمعنى الصفة التي لا تعني إلا إسلام الوجه لله من خلال الخضوع إلى أوامره ونواهيه.

          والإسلام بمعنى الصفة شائع في الرسالات السماوية بتمامها ليكون صفة للأنبياء والرسل جميعاً من جهة، ولكل من اتبعهم وسلك طريق هداهم إلى الله من جهة أخرى.

          وكل نبي من الأنبياء جاء بدين له اسمه الذي يدل عليه كاليهودية والنصرانية ... إلخ.

          وكل اسم من هذه الأسماء لا يظهر مرتبطاً بالرسالة والرسول اللذين يدل عليهما إلا بعد ظهور الرسالة وظهور الرسول، إذ من المنطق أن الشئ يوجد أولاً ثم يوضع له الاسم الدال عليه.

          أما رسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

          وأما أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فلها امتياز خاص يتجلى في بعض الصفات التي امتن الله بها على هذه الأمة، كأن تكون هي الأمة الوسط، أعني العدول، وأن تكون هي الأمة المختصة بالشهادة على الأمم، وأن تكون هي الأمة التي أخبر الله عنها في الرسالات السابقة بعد أن وضع لها الاسم الدال عليها وأعلن عنه فيما أوحى به إلى الأنبياء من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أعلن عنه بعد مجئ النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم.

          فالدين الذي أعلن الله عنه من قبل القرآن وفيه هو الإسلام .

          والأمة التي ستتلقى هذا الدين قد سماها الله من قبل القرآن وفيه بالمسلمين.

          ويظهر هذا الامتنان مجملاً ومفصلاً حين نتتبع آيات القرآن الكريم.

          وهذه آية من كتاب الله شاملة يقول الله فيها : "وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على الناس".

          ولسائل أن يقول : من الذي سمانا المسلمين  من قبل وفي هذا القرآن؟ والجواب هو : أن الذي سمانا المسلمين من قبل وفي هذا القرآن هو الله لا غيره، ومن قال هو سيدنا إبراهيم يعدُّ مجازفاً ، ففي السياق أن الله اجتبانا ، وأنه ما جعل علينا في الدين من حرج ، وأنه سمانا المسلمين من قبل في الديانات السابقة ، وسمانا المسلمين في هذا القرآن، والأمر ظاهر، وقد اتضح الفرق الآن بين الاسم والصفة.

          فتأمل .

* * *

                                      د / طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة


تابع إذاعة القرآن الكريم                                                الحلقة ( 15 )

----------------------------------------------

الإيمان وأثره في المجتمع

الإيمان بوجود الله إعلاء لكرامة العقل

ــ

          إن الإيمان إذا ما وقر في القلب أحدث فيه طمأنينة لا يشعر بها من خلا قلبه من الإيمان.

          وهذه نتيجة لا نتعجل الوصول إليها قبل أن ننشغل بوسائل خطاب الله عز وجل عباده الذين يريد منهم أن يؤمنوا بتلك القضايا التي هي موضوع الإيمان.

          وأعني بقضايا الإيمان ما ورد في حديث جبريل، حين سأل جبريل رسول الله عن الإيمان ما هو ؟ فأجاب النبي صلى الله عليه وسلم (حسب رواية عمر بن الخطاب رضى الله عنه) قائلاً : الإيمان أن تؤمن بالله ، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وأن تؤمن بالقدر خيره وشره من الله.

          ومن هذا الجواب يتبين أن جوهر العقيدة وروح الإيمان، وسنام اليقين كله هو الإيمان بالله عز وجل.

          الإيمان بالله ذاتاً موجودة لها وجودها المتميز.

          والإيمان بالله صفات كاملة له صفة واحدة من كل نوع لا تتكرر، وليس لغيره صفة تشبه صفته.

          والإيمان بالله أفعال كاملة ليس لغير الله فعل يشبه فعله.

          والإيمان بالله باعتبار أن له الأسماء الحسنى إذا دُعىّ بها أجاب، وإذا استُنصر بها نصر، وهي أسماء غير محصورة، من أحصى منها تسعة وتسعين اسماً دخل الجنة.

          الإيمان بالله على كل حال هو سنام العقائد كلها، وذروة اليقين على الإطلاق، وجوهر الإيمان الذي يهدي إلى الحق وإلى صراط مستقيم.

          ومن رحمة الله بنا وبالناس أنه جعل قضية الإيمان بوجود الله تمر من خلال العقل الإنساني فتُعلي من شأنه، وتمنحه وجوداً متميزاً بين قرنائه فيمضي بينهم عزيزاً مرفوع  الرأس عالي الهامة.

          وخطاب العقل في القرآن خطاب متنوع، بحيث يجد كل متخصصٍ الوسيلة التي يثبت من خلالها أن الله موجود إثباتاً يجعله ينظر إلى عقله بغاية الاحترام والتقدير.

          والشئ بالشئ يذكر.

          حيث إنه في الماضي القريب حين تقدمت العلوم سأل نابليون القائد الفرنسي المعروف العالم في الفلك واسمه لابلاس قائلاً : حدثنا عن الله، وكيف وجدته من خلال تخصصك ؟

          فأجاب لابلاس قائلاً : إني لا أجد لوجود الله أثرا في تخصصي يا سيادة القائد.

          ولقد علق بعض الكاتبين على عبارة لابلاس قائلاً : إن ما قاله لابلاس في إجابته لقائده وزعيمه لا يعدو أن يكون معبراً عن مستوى يشبه مستوى الأطفال، لأن نابليون حين سأله عن السبب الذي ترجع إليه الكواكب والأجرام السماوية على العموم في حركتها، أي من الذي يحركها، فأجاب لابلاس : هي هكذا تتحرك بغير محرك.

قال العالم العربي والأديب معلقاً : إن هذه الإجابة تشبه إجابة الأطفال حين يحطمون بعض الأكواب أو التحف في المنازل، فإذا سألت الطفل : من الذي حطم هذه الأشياء ؟ لقال لك : هي التي تحطمت، فإذا سألته ولماذا تحطمت ؟ قال لك : لأنها تحطمت.

هذه هي إجابة لابلاس ، وهي إجابة أقل ما يقال فيها : إن الرجل قد أطلقها من غير تفكير أو تروي، فجاءت إجابته سلبية كما نرى.

وعلى الطرف الآخر فإننا نجد في الغرب رجلاً مسئولاً في النصرانية أراد أن يستوثق من رعيته ويطمئن على قومه بوصفه رجل علم ودين، فقام بهذه التجربة الذكية حيث أتى بورقات وكتب عليها خطابات موجهة للعلماء في جميع تخصصاتهم، وكلها يحمل سؤالاً واحداً وهو : كيف تجد الله من خلال تخصصك؟.

والذي يبدو أنه لم يهمل واحدٌ منهم خطاب هذا المسئول الديني، بل إن كل مسئول عكف على ميدان بحثه يتأمل قضاياه ويصعد فيها من السبب القريب إلى السبب البعيد حتى ينتهي في النهاية إلى سبب واحدٍ هو المسبب لجميع الأسباب وهو الله عز وجل.

لقد جاءت الخطابات لهذا المسئول الديني الراشد، فأخذ ينسق الإجابات ويرتبها حتى استقامت له على وحدتها الموضوعية فكتب لها مقدمة ونشرها بين العالمين كما هي، وسمى هذه الدراسة بـ ـ الله يتجلى في عصر العلم ـ.

وتُرجم هذا الكتاب للغة العربية في أوائل النصف الثاني للقرن العشرين، فلاقى بين العالمين استحسانا، وخضعت عقول الكافة لما جاء في هذا البحث، لا لشرع إلا لأنه منسجمٌ مع العقل في نتائجه كما انسجم مع العقل في مقدماته.

ومن يقرأ القرآن الكريم يجد أنه قد ركز في خطابه لأمة محمد صلى الله عليه وسلم في كثير من آياته على العقل يخاطبه ويستحثه ويحفزه وينشطه.

فهنيئاً لمن استجاب عقله لنداء القرآن.

وهنيئاً لمن أخضع فكره لهوى الشرع يدور معه حيث دار.

ولعلنا في الحلقات القادمة نضع أيدينا على خطاب الله للعقل في إثبات أن الله موجود.

لعل لفت النظر إلى مثل هذه القضايا في القرآن يقطع عنق الجدل العقيم، ويهدي الناس إلى الصراط المستقيم.

* * *

                                      د / طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة

 

تابع إذاعة القرآن الكريم                                                  الحلقة (16)

---------------------------------------------

الإيمان وأثره في المجتمع

نموذج من خطاب الله للعقل في القرآن يثبت وجود الله

ــ

          لقد خلق الله الإنسان ويعلم ما يصلحه وما يضر به.

          ومما يُصلح الإنسان أن يجعل اللهُ كثيراً من قضايا الدين يمر من خلال عقل المخاطَب بهذا الدين.

          والحديث عن إثبات وجود الله حديث من أكثر الأحاديث أهمية على القمة.

ومن هنا كان خطاب العقل في هذا الحديث أمرا يعد من الضروريات في عالم الفكر ودنيا التأمل.

          والقرآن الكريم بوصفه الوثيقة التي تحتفظ بكلام الله كما هو، وبوصفه آخر خطاب السماء إلى الأرض، حرص على الإشادة بالعقل وحَفزه إلى التأمل في كبريات المسائل التي يُطلب إليها أن تكون من أهم اليقينيات .

          وهذا ما كان.

          ونحن نحب هنا أن نشير إلى آية من هذا القرآن المجيد فيها دليل على وجود الله ، ولكن على غير طريقة أهل الصنعة، إذ هدف القرآن أن يخاطب العقول في غير تقعر، وفي غير إعنات أو إجهاد.

          والنموذج الذي نريد أن نتحدث عنه الآن هو هذا النموذج الذي تحتويه هذه الآية من فواتح سورة النساء.

          قال تعالى : " يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً ونساء " .

          ونحن نقف عند هذا الحد من النص القرآني لنتأمله وحده.

          ولكننا لا نستطيع أن نتأمل هذا النص إلا إذا كنا على بصرٍ بأبسط قواعد الإحصاء، وإلا إذا كنا على بصر بأبسط قواعد الأحياء على السواء.

          إننا نحتاج إلى أبسط قواعد الإحصاء لنستعملها في إجابة هذا السؤال، سواءٌ كان محتواه على الحقيقة ، أو كان محتواه فرضاً من الفروض.

          فنحن نبدأ ونسأل عن عدد سكان العالم اليوم ؟

          ولتكن الإجابة كما تكون .

          فلنفترض أن عدد السكان اليوم مليون من البشر.

          وبعد هذا الافتراض نقول لنخضع هذا العدد إلى قاعدة تتبع الزمن في الماضي، فنسأل : كم عدد سكان العالم قبل قرن من الزمان؟ ولتكن الإجابة مثلاً : نصف المليون، ثم نتراجع إلى قرن آخر، لتكن الإجابة مائة ألف، ثم نتراجع في الزمن، إلى أن نجد العدد عشرة، ونسأل بعد العشرة لتكون الإجابة خمسة ثم أربعة ثم اثنتين، ثم نسأل : كم كان عدد سكان العالم قبل الاثنتين ؟

          وهنا لا إجابة ، لأن علم الأحياء سيتدخل ويقول : إن الخلية الجنسية لم تخلق كاملة في رجل أو امرأة، وإنما الخلية الجنسية مقسومة بينهما، وحظ الرجل منها ثلاثة وعشرون كروموزوم وحظ المرأة كذلك، ناهيك عن آلاف الجينات على كل كروموزوم منها.

          وطبقاً لحقائق الأحياء فإنه لا يمكن بحال من الأحوال أن يزيد عدد النوع الإنساني فرداً واحداً لو كان هناك اتحاد في الجنس، كأن يكون الجميع رجالا، أو يكون الجميع إناثا.

          هنا تتعقد المسألة تعقيداً شديداً، ولا يستطيع أهل الأرض ولا أهل السماء مجتمعين أو منفردين حل هذا الإعضال.

          وكأني بالقرآن الكريم يقول للناس على اختلاف عقائدهم وتوجهاتهم، ماذا تقولون لمن يتدخل لحل هذه الإعضال ؟ ليس أمامكم إلا شئ واحد، وهو أن تعترفوا له بالألوهية، وأن تدينوا له بالربوبية، وهو أن تتقوه وتحسبوا للقائه ألف حساب.

          ولقد تحدث القرآن في هذا المجال فقال : إن الله عز وجل قد خلق رجلاً من العدم، خلقه من قبضة من طين الأرض، وخلقه من نفخة من روح الله، التأما معاً فكان الإنسان الرجل.

          ثم خلق لهذا الإنسان الرجل أنثى من نفس طبيعته، خلقها كذلك من العدم، قبضة من طين الأرض ونفخة من روح الله.

          ثم بعد أن خلق الرجل والمرأة، وأودع في كل منهما ما يخصه من أسرار الخلق، يظهر في شكل أنصاف خلايا جنسية أو نوعية أباح لهما الزواج ؛ وما الزواج إلا إحداث بيئة مناسبة، وجو ملائم لالتقاء نصفي الخلية، حتى يعانق كل نصف من النصفين النصف الآخر داخل غلاف واق، ثم يتكامل نوع هذه الخلية في قرار مكين؛ ومن خلال هذه الخلايا التي تكاملت ما يعيش حملاً  تثقل به المرأة، ومنها ما يغيض في الأرحام لا يعرف أحدٌ أين ذهب، ومنها ما يسقط من الرحم في حالة من الإهمال التي تفقده الأمل في الحياة.

          والله عز وجل يعلم ذلك كله "الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شئ عنده بمقدار عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال ".

          وهكذا نرى المعضلة قد حُلّت ، فماذا بعد علمنا بحل المعضلة، خاصة إذا كان الواحد منا ماهراً في علم الإحصاء، أو ماهراً في علم الأحياء.

          إنه ليس أمامنا إلا أن نعترف بأن الذي حل المعضلة هو فوق القانون، وخارج نطاق الأسباب فلا تحكمه ولا توجهه وهو الله عز وجل.

          ونعود إلى النص من جديد لنتأمل الأداء القرآني فيه.

          فالله عز وجل يؤدي المعنى المراد بما يتطلبه هذا المعنى من حيث الأداء ومن حيث التلقي على السواء.

          ولننظر معاً ، فلن نجد إلا حكمة الله البالغة وهو يقول في غياب قانون النسل والتكاثر : " يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها ".

          هنا يستعمل القرآن لفظة ( خَلَق) ولا معنى لها إلا الإيجاد من العدم، ثم نجده بعد أن خلق الرجل والمرأة ووضع فيهما سر الخلق أطلق القانون الذي يُظهر المكنون ولا يُوجد من العدم" وبث منهما رجالاً كثيرا ونساء " .

          انظر إلى خطاب العقل كيف يكون ؟

* * *

                                      د / طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة

تابع إذاعة القرآن الكريم                                                الحلقة ( 17 )

----------------------------------------------

الإيمان وأثره في المجتمع

الفطرة شاهد صدق على وجود الله

ــ

          إن مسألة وجود الله وتدبيره للكون والحياة تدل عليها أدلة كثيرة بحيث كلما توجهنا وجهة معينة وجدنا أدلة إثبات وجود الله تجاه وجوهنا وقلوبنا.

          ومن أدلة وجود الله عز وجل هذه الفطرة التي فطر الله الناس عليها.

          والفطرة في لغة العرب هي الخِلْقة، ففطرة الله خِلْقَته التي فطر الناس بمعنى أبدعهم وخلقهم عليها.

          ولصدق هذه الفطرة وشفافيتها في مجال الدلالة على وجود الله ألزم الله عباده بها يحتكمون إليها إذا اختلطت الأمور، ويلوذون بها إذا اشتدت المواقف وصعبت على الناس الحياة.

          ففي خطاب الأمة من خلال رسول الله نجد ربَّنا يقول لنبيه " فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون".

          ومن عجائب الأداء في الأسلوب أن جاءت كلمة (فطرة) هكذا منصوبة، وعلامة نصبها الفتحة، ونصب هذه الكلمة يحتاج إلى فعل يسبقها، وتقديره : ـ الزم فطرة الله التي فطر الناس عليها  ـ وهو أسلوب فيه إغراء وتشويق.

          إغراءٌ بالموقف الأمين، وتشويق إلى التزام وسيلة النجاة التي لا يتطرق إلى الشك فيها أدنى احتمال.

          إنها فطرة الله ، وكفى.

          وفطرة الله هذه هي التي بنى على أساسٍ منها ميثاق الفطرة الوارد في سورة الأعراف : " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون".

          وبعد تقدم العلوم على هذا النحو خاصة ما يتصل منها بالأحياء، سَهُل علينا أن نفهم ميثاق الفطرة، فعلماء الحياة يؤمنون بالمورثات عن طريق الكروموزومات والجينات، فالخلية النوعية قد خلقها الله قسمين : أحدهما في الرجل، والآخر في المرأة، ليحتوي كل قسم ثلاثة وعشرين جزءاً، نسمي الجزء منها كيف نشاء، فلا مشاحة في المصطلحات، ولنتفق على تسمية الجزء الواحد ـ كروموزوم ـ .

          وما من جزء من هذه الأجزاء إلا وهو يحمل صفة أو عنصراً ينقله من الآباء إلى الأبناء وَضع سره فيما يسمى بالجينات.

          وخلاصة القول في هذه القضية التي تتصل بالأحياء والمورثات أنه ما من شخص من بني آدم إلا وفيه جزءٌ من آدم وحواء.

          وهذا الجزء هو الذي شهد في آدم ميثاق الفطرة.

          وإذا كان الأمر كذلك فإن هذا الجزء الذي شهد ميثاق الفطرة هو المسئول عن لجوء الفرد إلى ربه مهما كانت شخصيته عندما تنقطع عنه أو توشك أسبابُ الحياة، فإذا مس الإنسانَ الضرُ في ليل أو نهار دعى ربه، وإذا ما هاجت به الرياح والعواصف  في البر لجأ إلى الله، وإذا ما مسه الضر في البحر لا يدعو إلا ربه.

          وهذه كلها شواهد حق، وعلامات صدق على أن الفطرة الإنسانية إنما تنطق بوجود الله عز وجل إذا ما زالت عنها الحجب، وأزيحت عنها الأتربة.

          وهذه الفطرة يكدرها ويذهب ببريقها أحياناً لون أو أكثر من ألوان الشهوة الاجتماعية أو الفردية.

          ودونك فرعون موسى تتخذه مثالاً يوضح ما يعرض للفطرة من كَدَورة.

          ففرعون موسى قد ألمت به شهوة التميز بين الناس وهي شهوة فيه قد استغلها دعاة السوء وبطانة النفاق، فأخذوا يرسمون أمامه طرقاً وردية، يقولون من خلالها له إنه متميز بالذات، ومرتفع بين الناس بالعنصر، فهو إله وما تحته عبيد له، وحملوه بالإغراء على إعلان ذلك، فقال للملأ حوله " ما علمت لكم من إله غيري" وقال لهامان في صلف : " فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحاً لعلي أطّلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين ".

          لكن هذا السبب الذي تعرضت له فطرة فرعون، وإن كان قد أصاب هذه الفطرة بالكدورة، فإنه لا يستطيع أن يقتلع أصولها من طبيعة الخِلْقَة فيه أو في أتباعه.

          ولقد أخبرنا الله عز وجل بذلك في القرآن المجيد، حيث قال في عبارة قاطعة وجازمة: " وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً " .

          والمتأمل في هذا النص الكريم إنما يجدُ أن للفطرة التي فطر الناس عليها نوع أصالة وتمركز واستمرار ، يصعب على أي هوىً جامح أن يقتلعَها من الإنسان، لأنها جزء مكون من شخصيته منذ خلقه الأول.

          ولما كان الأمر كذلك حكم الله عز وجل على طمس هذه الفطرة والتشويش عليها بأنه ظلم مجاوز للحد، دفع إليه هوى الاستكبار، والرغبة في العلو، واللجوء إلى الاستعلاء بين الناس.

          وما للظلم من أصالة تحميه.

          وما للاستعلاء من عُمُدٍ تقيه عوارض الانهيار والسقوط.

          ولقد جاءت نهاية فرعون وقومه تؤكد انهيار الاستعلاء في أكثر من مظهر تعرض له فرعون في حياته وعند مماته.

          فهم حين أخذهم الله بالشدة من نحو جدب السنين، ومن نحو القمل والضفادع والدم، تحولوا من الاستعلاء إلى الاسترحام، وبذل الوعود الكاذبة ، "قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل * فلما كشف عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون" ، وهم حين انقطعت بهم أسباب الحياة كان ملجأهم إلى ما حكى القرآن عنهم: " وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين * آلأن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين " .

* * *

                                      د / طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة

تابع إذاعة القرآن الكريم                                             الحلقة ( 18 )

----------------------------------------------

الإيمان وأثره في المجتمع

فعل الله على مقتضى الأسباب دليل وجوده

ـ

          لأهمية قضية وجود الله وإثبات هذه القضية أمام عباد الله حتى لا يكون لهم حجة يتمسكون بها إذا سألهم الله عن هذه الحقيقة.

          لأهمية هذه القضية ولخطرها أقام الله عليها في القرآن المسطور وفي الكون المرئي عشرات الأدلة، يدركها كل إنسان بنفسه ومن نفسه.

          ومن هذه الأدلة ما نراه من فعل الله المحكم على مقتضى الأسباب.

          ولكي يتضح أمامنا ما نريد أن نقوله نحب أن نُطلع غيرنا على ما نعتقده من أفعال الله عز وجل.

          فالله عز وجل له نوعان من الأفعال : أحدهما : هذه الأفعال التي تأتي على مقتضى القوانين ، وتفعل فعلها على مقتضى الأسباب، وهذا النوع من الأفعال أمثلته كثيرة ، يجدها كل إنسان فيما حوله ومن حوله ، فهو إذا ألقى بقطعة خشب في الماء لاحظ أمراً عجيباً ، إنه يلاحظ أن جزءاً من قطعة الخشب هذه قد طفى فوق سطح الماء ، وجزءاً منها قد غمره الماء، ولو أنه ألقى بقطعة أكبر من القطعة الأولى، لتجلت له الظاهرة عينها مع الاحتفاظ بالنسبة بين الطافي والغاطس، وهي نسبة تختلف من قطعة إلى أخرى.

          وباستقراء وتتبع هذه الظاهرة يتضح أن وراءها قانوناً عاماً يضبطها، وهو يسمى قانون الطفو، وهو هذا القانون الذي يستفيد منه اليوم الناس في عالم السفن العملاقة، تمخر البحار، وتسير فيها كأنها الجبال، تنقل الأفراد من مكان إلى آخر كما تنقل المتاع.

          وقل مثل ذلك في الفعل ورد الفعل، وفي الأشياء يُقذف بها من أعلى فتسقط إلى أسفل  بفعل الجاذبية والضغط الجوي، وأشياء كثيرة يراها الإنسان في الكون الخارجي، فلا يرى إلا الأسباب مرتبطة بمسبباتها، وهذا النوع من فعل الله معروف ظاهر لا سترة به.

          وثانيهما : هذه الأفعال التي تأتي مخالفة لتلك القوانين دون تعطيل لهذه القوانين.

          والمعنى الذي نقصده ، هو أن القانون تتوفر له جميع أسبابه، وتنحى عنه جميع المعوقات، ومع ذلك لا ينتج نتيجته التي تعوّد أن ينتجها على مر الثقلين كلما توفرت الأسباب وارتفعت الموانع.

          وأمثلة هذا النوع كثيرة، وهي التي تسمى بالمعجزات، ولسنا الآن في مجال شرحها أو التمثيل لها.

          أما ما نهتم به وندخله في بؤرة الشعور منا إنما هو أفعال الله التي تجري على الأسباب ونحن نطلق عليها اسم سنن الله الجارية.

          وأفعال الله التي تجري على الأسباب تدل على شيئين لا يحتاج الواحد منها إلا إلى مجرد لفت النظر.

          وأحد هذين الشيئين اللذين تدل عليهما سنن الله الجارية هو وجود الله نفسه، ذلك أنه من خطل القول وسوء الفهم أن يظن ظان أن الشئ من الأشياء يقع في هذا الكون من غير فاعل يفعله، أو من غير مُوجد يُوجده.

          إذ كل موجود من العدم يحمل في داخله دليلَ وجود من أوجده.

          والعلماء قديماً وحديثاً مؤمنهم وكافرهم قد تساءلوا عن السبب والمُسَبَّب، هل هما كافيان إذا ارتبط أحدهما بالآخر لتفسير وجود هذا الكون وهذه الحياة ؟

          وجمهرة العلماء قد ذهبوا إلى أنه لا يجوز أن نتصور لمجرد التصور أن الوجود- أعني وجود هذا الكون ووجود هذه الأحياء- يكفيه ارتباط المسببات بأسبابها، لا لشئ إلا لأننا سنضطر إلى القول بأن كل موجود أوجده الذي قبله، وهكذا بغير نهاية، وتلك مسألة لا تقنع العقل ولا ترضي الوجدان، إذ العقل لا يحب أن يسبح في الماضي بغير انتهاء، بل لابد أن يقف عند حد يعتبره هو سبب الأسباب من غير احتياج إلى سبب فوقه، وهذا الذي سينتهي إليه العقل هو الله المنفرد بالكمال.

          وثاني هذين الشيئين اللذين تدل عليهما سنن الله الجارية هو حكمة الله في خلقه، ووصفه من هذه الحكمة أنه الحكيم.

          والحكمة معناها أن الشئ صغيراً كان أو كبيراً إنما يقع في موقعه من الكون كله، بحيث لا يكون في خلقه نشاذ، ولا في وجوده إعوجاج، وبحيث لا يكون منقطع الصلة عن هدفه الذي هو الغاية من خلقه.

          والمتأمل في هذا الكون لا يرى من الأجرام السماوية إلا أن كل واحد منها قد وقع في مداره الذي خُلق فيه، يؤدي دوراته التي أُريد له أن يؤديها.

          والمتأمل في هذا الكون لا يرى من النبات إلا أن تكون آحاد نوعه قد اختلفت في شكلها وثمارها، كما يختلف أُكلها حين تؤتي أُكلها كل حين بإذن ربها، مع أن نوع النبات يُسقى بماء واحد، ويلقى في تربة واحدة، غير أنه بدون توجيه يأخذ من عناصر الأرض ما يُصلحه، ويأخذ من عناصر الأرض ومن ضوء الشمس ومن عناصر الهواء ما يميزه عن سواه.

          والمتأمل في الكون والأحياء لا يخطئه مثل هذا النظام الذي وجده في الكون المادي، سواء توجه ببصره إلى السماء أو إلى الأرض إلى أن يتحقق في الجميع قول الله " سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شئ شهيد " .

          وننتهي مما ذكرناه- وله شواهد كثيرة في القرآن وفي الكون -إلى أن سنن الله الجارية دليل صدق وشاهد حق على أن الله موجود، وأنه متميزٌ في وجوده وصفاته عن كل موجود.

          فهل من مدكر.

* * *

                                      د / طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة

تابع إذاعة القرآن الكريم                                                 الحلقة ( 19 )

----------------------------------------------

الإيمان وأثره في المجتمع

ضوابط الأخلاق لدى الفرد والمجتمع دليل على وجود الله

ــ

          قد يبدو هذا العنوان غريباً لأول وهلة.

          وقد تبدو حالة من الدهشة على من يقرأه بادي الأمر، لكن الغرابة تزول عنا والدهشة تفارقنا إذا نظرنا إلى المسألة في حقيقة أمرها.

          وحقيقة الأمر أن الله قد خلق الإنسان في جماعة لا يستطيع أن يعيش وحده ولا أن يمارس حياته بمفرده.   

          وحياة الفرد في جماعة تعني أن يكون هناك علاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان، ولابد أن تكون هذه العلاقة سوية حتى تعيش الجماعة آمنة، ولا تكون العلاقة سوية ولا الجماعة آمنة إلا من خلال دستور أخلاقي يحرم المظالم ويعاقب على ارتكابها، ويحمل على الفضائل ويحض عليها، ويمتدح الخيرات ويثيب أصحابها.

          وبغير هذا الدستور الأخلاقي لا يمكن للحياة أن تستقر على الأرض، وعندها يفقد الناس أمانهم الداخلي وأمانهم الخارجي على السواء.

          ونحن لا نستطيع أن نتصور دستوراً أخلاقياً إلا من خلال ثلاث دعائم أساسية هي : الإلزام والمسئولية والجزاء.

          والإلزام لا يكون إلا من خلال مُكلِّف ملزم قادر على صياغة دستور للأخلاق يوائم الحياة الفردية والاجتماعية ويثري أسباب وجودهما.

          وهذا المشرع الملزم يلزمه أن لا يكون منتفعاً بهذا الدستور الذي يضعه لا هو ولا من ينحدر منهم انحدار السلالة، ولا ما ينتمي إليهم انتماء الطبقة أو الفئة.

          وهذا المشرع الملزم يلزمه أن يكون واعياً بجميع الأفراد على اختلاف مستوياتهم وما يحتاج إليه كل فرد منهم بحيث يلبي له حاجته من خلال الدستور الموضوع بطريقة منظمة وعلى حسب الأولويات.

          وهذا المشرع الملزم يلزمه أن يكون على بصر بالجماعة وما تتكون منه من الأفراد من حيث احتياجاتها الاجتماعية، ومن حيث ترتيب هذه الاحتياجات ومعالجتها على حسب الأولويات كذلك ... إلى غير ذلك من الصفات التي يجب أن تتحقق في المشرع الملزم، والتي يجمعها جميعاً أن يكون قد توفر له العلم المحيط بالحاضر والمستقبل، وبظواهر الأشياء وبواطنها؛ علمٌ تصاحبه إرادة مرجحة وقدرة منفذة.

          وإذا توفر لنا المشرع على هذا النحو وتعرفنا عليه بالقدر الذي يجب علينا أن نتعرف به عليه، فإنه ينبغي أن نعلم أن دستور الأخلاق لم يكتمل عند هذا الحد الذي هو حد الإلزام، وإنما نحن نحتاج إلى شئ آخر، وهو المسئولية.

          والمسئولية هي الركن الثاني أو الدعامة الثانية التي يقوم دستور الأخلاق عليها.

          والإلزام لا يعني إلا أن يكون الفرد، وأن تكون الجماعة قد خلقا على هيئة مستعدة كي تكون مسئولة عن ما يقع منها من فعال؛ وهي لا تكون كذلك إلا إذا توفر لها مجموعة من الأدوات ، أهمها العقل المتلقي والمستوعب تسانده إرادة وعزيمة، وتطيع أمره قدرة قادرة على الأداء.

          فإذا ما انضمت المسئولية إلى الإلزام، أوشك دستور الأخلاق أن يكتمل.

          لكنه لا يكتمل كماله التام ، ولا يحظى بصورته النهائية التي تعبر عن تميزه إلا إذا أضفنا إلى هاتين الدعامتين (الإلزام والمسئولية) الدعامة الثالثة وهي الجزاء.

          والجزاء هو الدعامة الثالثة من هذه الدعائم التي يقوم عليها بناء الدستور الأخلاقي.

          ومن العبث العابث أن يقوم دستور أخلاقي على مجرد الإلزام والمسئولية، على أساس أن يكون تقدير العمل كله على ميزان الضمير في الأفراد، وعلى ميزان العرف في الجماعات، إذ لو كان الأمر كذلك لاعتدى الإنسان على أخيه الإنسان، ولم يكن هناك من رادع يردعه، ولا من حاكم يمنعه، حيث صار كل فرد قد وُضعت حَكمته في يده من خلال ضميره الشخصي، وصارت كل جماعة قد وضعت حَكمتها في يدها من خلال الأعراف السائدة.

          واستقلال الفرد بحَكَمته، واستقلال الجماعة بكوابحها يجعل العلاقات علاقات إنسيابية، كالشئ يخر من السماء تتخطفه الطير، أو تهوي به الريح في مكان سحيق.

          ومن العبث العابث كذلك أن نعترف بالجزاء ونضعه في يد سلطة تنفذه في الدنيا، فإذا ما مات الجاني والمجني عليه دون فصل في قضاياهم بطلت القضية وارتفع الجزاء ؛ وحين يعلم الجناة والظلمة أن التبعات تسقط بالموت، والمسئولية ترتفع عند انقضاء الحياة الدنيا، احتالوا على الأسباب، واحتالوا على كيفية الحصول على ما ليس لهم بحق، وأفسدوا في الأرض بقدر ما تمكنهم حيلهم، وذهب الظالم بظلمه، ومات المظلوم بحسرته (وكأن ما كان لم يكُ كان).

          وليس هناك من حل لهذه المعضلات إلا أن يكون هناك نوعان من الجزاء يفرضهما الملِّزم والمشرع، وينفذهما بنفسه أو بمن يأذن لهم في ذلك، أحدهما في الدنيا، وثانيهما في الآخرة، لا يضيع معهما شئ من الحقوق، لا. ولا قلامة ظفر، بل قل لا . ولا مثقال ذرة، بحيث من يعمل مثقال ذرة خيراً يره ، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره.

          ومن خلال هذا الدستور الأخلاقي وتصوره، نجد أنه لا قدرة لأحد على تصميمه نظرياً، وتفعليه عملياً إلا الله وحده، كما تصور ذلك شيخ العلمانيين "جان جاك روسو" ، وكما تصور ذلك شيخ الفلاسفة المثاليين "عما نويل كانت" ، فالأول يقول : إن القدرة على التشريع والإلزام في حالتها المثلى لا تكون إلا لله، وحيث يقول الثاني : إن ثمرة تطبيق القانون الأخلاقي لا تتوفر إلا بالاعتراف بوجود إله  تكون صفاته وأسماؤه ووجوده متميزة عن صفات وأسماء ووجود غيره.

          وهكذا نرى الأخلاق تلقى بنفسها في حلبة الفكر دليلاً ساطعاً على وجود الله عز وجل.

* * *

                                د / طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة


تابع إذاعة القرآن الكريم                                                الحلقة ( 20 )

----------------------------------------------

الإيمان وأثره في المجتمع

الإيمان بوجود الله وأثره على الفرد

ــ

          إن مسألة الإيمان بالله من أهم الكبريات اليقينية في هذا الكون ، وهي مسألة يترتب عليها أمور كثيرة، يتصل بعضها بالفرد كما يتصل البعض الآخر بالمجتمع.

          ونحن نستطيع أن نتصور الفرد من حيث هو على أن الله قد خلقه وفيه صفات الجماد، فإذا رفع إلى شاهق وليس له مُتمسِّك سقط على الأرض بتحكم بعض القوانين فيه كقانون الجاذبية والضغط  الجوي.

          والإنسان الفرد فيه نباتية، وبهذه النباتية ينمو بانقسام الخلايا الحية فيه، يؤدي إلى ذلك الانقسام قوانين الأحياء، ولا علاقة للإنسان بهذا الانقسام المؤدي إلى النمو بكثير من الحكمة والانضباط.

          ولقد خلق الله الإنسان الفرد وفيه صفات الحيوانية، وهي مجموعة الغرائز والإحساس، والقدرة على التنقل في المكان.

          وإلى هنا يكون الإنسان الفرد كتلة من العناصر خلقها الله وأخضعها لمجموعة غير يسيرة من القوانين والأسباب ، يمضيها فيه إذا شاء، ويقبضها عنه إذا أراد.

          ثم هو قد خلق الإنسان الفرد وفيه امتياز عن سائر المخلوقات بصفات عليا، يحكمها العقل والإرادة والقلب، فجاء الإنسان بهذه الصفات العليا وهو قادر على التفكير والتحليل، وعلى الإرادة والاختيار بين البدائل، ثم هو مع ذلك يكابد الأشواق ويُسّر بتحقيق آماله، ويعاني الآلام عندما لا تتحقق هذه الآمال.

          هذا هو الإنسان في أعلى قائمة الموجودات، لكنه مع ذلك ناقصٌ هيّاب.

          إنه ينقصه في الحقيقة أمران عظيمان.

          تنقصه القاعدة التي يحب أن ينطلق منها، يؤمن انطلاقه ثبات تلك القاعدة ورسوخها، وثبات تلك القاعدة ورسوخها علامته الأساسية تقدير العقل واحترامه، وعدم مناوءته أو ازدرائه، لأن الإنسان إذا تصادمت الأشياء مع قوانين عقله حار وارتبك، فلا يجوز بحال من الأحوال أن نقول للإنسان الفرد : إن الذي خلقك مركب من أجزاء، أو إن الذي خلقك عاجز عن نصرتك، أو إن الذي خلقك له شريك في الملك وفي خلقك ... أو غير ذلك من الأقاويل التي لا يستريح إليها الفرد في داخله.

          وما من أمر من الأمور يؤدي إلى نقص الوعي بالتوحيد إلا وهو يتناقض مع فكر الإنسان ويدفعه إلى البحث عن قاعدة انطلاق في داخله تكون أكثر أماناً، وما هو بواجد ذلك إلا في موجود أعلى منه، ومتميز عليه في الوجود.

          وهكذا يحتاج المرء إلى قاعدة انطلاق صلبة، ينطلق منها وهو آمن على حركته من الزلل، وعلى استقامته التي يبغيها من أن يضل بها الطريق.

          والفرد من ناحية أخرى يحتاج إلى المستقر الآمن الذي ينتهي إليه من مشوار حياته اليومية .

          وإذا فقد الفرد أيا من هذين الأمرين القاعدة التي ينطلق منها، والمستقر الآمن الذي ينتهي إليه خلا قلبه من الأمن الداخلي.

          وسبب هذا الخلو هو نقص الوعي بالتوحيد أو انعدامه.

          ومن هنا. ومن هنا فقط يدرك الفرد من نفسه أن الإيمان بوجود الله ضرورة يحتاج إليها  الفرد لتحقيق أمنه الداخلي من خلال قاعدة انطلاقه والغاية الآمنة التي ينتهي إليها في سلوكه.

          وإذا خلا القلب من الإيمان بوجود الله، وترتب عليه ما ترتب من فقدان الأمن الداخلي، لم يستطع الإنسان الفرد أن يعيش هكذا خالي القلب فارغ الفؤاد؛ ذلك أن الإنسان الفرد لا يمكن أن يعيش إلا في كنف موجود يعتقد فيه أنه متميز بالعلم والإرادة والقدرة، بحيث يجد عنده الخير الذي يحب أن يحققه لنفسه، والوقاية من الشر الذي يخشاه، فإذا خلا قلبه من الإيمان بوجود الله بحث عن البديل.

          وإذا كان الطريق إلى الله طريقاً واحداً مستقيماً، فإن الطرق البديلة متعددة وملتوية عن يمين الطريق المستقيم وعن يساره.

          وإذا ما فقد الإنسان الطريق المستقيم بحث عن البدائل في الطرق المعوجة، وهذه الطرق المعوجة لا تريحه في سلوكها، ولا تنتهي به إلى غاية، وإنما هي في نهاية الأمر إما أن تلقي به في بيداء الحيرة والاضطراب، وإما أن تبتعد به عن الحقيقة، وتقطع عليه خط الرجعة كلما أوشكت الحقيقة أن تقترب منه أو يقترب منها.

          والله عز وجل يرسم الصورة في كتابه المجيد بوسيلة إيضاح كلامية تأخذ بتلابيب العقل، وتغمر الفؤاد في دهشة أساسها جودة الصنع، وجدية الإبداع.

          قال الله عز وجل في معرض الحديث عن شعائر الحج وشعيرة الهدى "فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور * حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق " .

          والسماء في علوها يشبهها الإيمان في عظمته وقيمته، وسقوط الإنسان من السماء صورة تمثيلية يُشّبه بها إخلاء القلب من الإيمان، فيسقط من خلا قلبه منه إلى الأرض.

          وتخبط الإنسان وهو يبحث عن بديل للإيمان بوجود الله بين المذاهب المختلفة كالحائر الذي يتردد بين المذاهب الفكرية يريد أن يملأ بإحداها قلبه، وهي تتخطفه وتتنازعه فيما بينها فيتوزع فكره القلبي أشلاءً بين تلك المذاهب حاله تماماً كالساقط من السماء تتخطفه الطير.

          والفاقد للإيمان بوجود الله الذي اختار أن يملأ قلبه بإيمان أرضي، فإن الطريق يضل به، وهو يندفع فيه بغير هدى، وهذا يشبه هذا الذي تهوى به الريح حال سقوطه من السماء لتنتهي به إلى مكان سحيق.

          هذه الصورة التي يرسمها القرآن الكريم تؤكد مدى احتياج الإنسان الفرد إلى أن يملأ قلبه بالإيمان بوجود الله إن أراد أن يحقق في الدنيا وفي الآخرة مبتغاه.

* * *

                                د / طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة


تابع الإذاعة القرآن الكريم                                                 الحلقة (21 )

----------------------------------------------

الإيمان وأثره في المجتمع

تخلق العبد بأخلاق الله تعالى بقدر استطاعته

سر سعادته في الدنيا والآخرة

ــ

          إن أهم درجات الاعتقاد وأعلى مراتب الإيمان هو ما يتعلق بصلة الإنسان بربه.

          وصلة الإنسان بالله يعلمها كل من آمن بدرجات الوجود، إذ الوجود في إجماله على درجتين :

          وجود مطلق مستوف لكل كمال، منزه عن كل نقص، ليس ممنوحاً من الغير ، لا يشبهه غيره ولا يشبه غيره.

          وهذا النوع من الوجود لا يتحقق إلا في واحد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد وهو الله عز وجل.

          وهناك وجود ناقص.

          وهذا الوجود الناقص وجود على كل حال لكنه لا يرقى إلى مرتبة الكمال.

          فالمتصف بهذا الوجود الناقص، يعلم أن وجوده هذا من غيره جاءه منحة من الكريم المتعال، وهو وجود لا يبقى إلا أن يبقيه المانح له.

          كما أن هذا الوجود الناقص قد أوقف المانح له استمراره على أمرين، هما: الإمداد بالأسباب، والاستعداد للاستفادة منها.

          ومن هنا تتكامل ثلاثية المنة، حيث يمتن الله على مخلوقاته بالإيجاد، والإمداد، والاستعداد.

          إن من يتصور الوجود على هذا النحو من التصور عليه أن يدرك العلاقة بين الوجودين، وهي لن تكون إلا علاقة محتاج بغني ولن تكون إلا علاقة ناقص بكامل، ولن تكون إلا علاقة موجود بموجده.

          والعقلاء لا يفهمون العلاقة على هذا النحو إلا أن تكون علاقة على قرب وطاعة، أكملها وأعلاها أن تكون هذه العلاقة إيجابية فاعلة، لا سلبية مقصورة على مجرد الاستفادة والانفعال.

          وفي القرآن الكريم تأسيس للعلاقة بين الموجود الناقص، والموجود الكامل في مجال تكليف المكلَّف بما ينبغي أن يكون عليه في علاقته بربه.

          ومن أوائل المبادئ التي يكلّف الموجود الناقص بها في علاقته بربه ما جاء التعبير عنه في القرآن الكريم من نحو قوله تعالى : " ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها " ، ومن نحو قوله تعالى : " سبح اسم ربك الأعلى " .

          والمرء يقف أمام هذه النصوص يحاول أن يتدبرها ليعلم مراد الله فيه منها.

          والمتأمل في النصوص التي تكلفه بالتوجه إلى أسماء الله الحسنى ليتخذ منها بداية لتأسيس علاقته بربه يمكن له أن يفهم أن علاقة المرء بما وجّه إليه من أسماء الله الحسنى هي مجرد سماع الاسم، والاكتفاء بأنه يصافح أذنيه بحروفه، ولا عليه بعد ذلك من شئ.

          وهذا فهمٌ ناقص لما خاطبه الله به.

          والنقص فيه راجع إلى أن ما فهمه العبد من النصوص الموجِّهة إلى الاعتناء بأسماء الله الحسنى، فهم قاصر على استعمال آلة السمع والتي هي الأذن، وما يخدمها من ذبذبات الهواء، وما يليها من قنوات إلى مركز الأعصاب في المخ.

          وهذه الدرجة لا تمنح صاحبها تميزاً، إذ هي درجة يشارك فيها الإنسان غيره من الكائنات الحية التي لها آلات تسمع بها من نحو : الطيور، والحيوانات، وربما يشاركه فيها أيضاً الحشرات.

          وقد يكون من بني الإنسان من يفهم النصوص التكليفية التي توجه الإنسان للاعتناء بأسماء الله الحسنى وهو يؤسس علاقته بربه، على أن المراد سماع الأسماء بألفاظها ، وفهم مدلولاتها التامة على المسمى بها وهو الله عز وجل، ولا عليه بعد ذلك من تكليف زائد على سماع الاسم وفهم مدلولاته على الله عز وجل.

          وهذا اللون من الفهم في النصوص أرقى من سابقه ولا شك، ولكنه فهم ناقص؛ لأنه فهمُ يشاركه في مستواه العوام والدهماء، بل إنه قد يشاركه في هذا المستوى كثير من الجهلاء الذين ليس لهم من العلم حظ يُذكر.

          ومن الناس من يفهمون من النصوص التكليفية التي توجه المرء إلى أن يتخذ من أسماء الله الحسنى مبادئ يؤسس عليها علاقته بربه أنه يكفيه منها حظ اللسان من التعامل معها، كأن يكرر الاسم عدداً من المرات من ليل أو نهار، أو في الليل والنهار معاً.

          وهذا المستوى من الفهم مستوً ناقص كذلك، لأن بعض الطيور كالبباوات بإمكانها أن تقوم بهذه المهمة، وهي مهمة على كل حال لا تتيح لأسماء الله الحسنى أن تدخل في صياغة شخصية العبد الذي يتحتم عليه أن يكون على علاقة بربه الذي أوجده وأمده وأعده.

          ولعلنا هنا نتساءل عن الفهم الصحيح للخطاب القرآني، أو الخطاب الديني على العموم،الذي من خلاله قد أراد المكلِّف من المكلَّف أن يتخذ من أسماء الله الحسنى تأسيس مبادئ تقوم عليه العلاقة السليمة بينه وبين ربه.

          والفهم الصحيح لما ورد في الخطاب الديني من توجيه الأفراد إلى الأسماء الحسنى يتخذون منها مبادئ لتأسيس العلاقة بين العبد وبين ربه يقوم على ثلاثة محاور أساسية : المحور الأول منها : يعتمد على تلقي هذه الأسماء سماعاً بالأذان، وترديداً على اللسان، بحيث يكون هذا السماع مُفهِماً ، وبحيث يكون دالاً على ما ينبغي أن يدركه السامع من مفهوم كل اسم تلقاه بلاغاً عن نبيه الذي أُمر أن يبلغ  هذه الأسماء للناس، ليدل كل واحدٍ منها على معناه ومفهومه الذي يرتبط هذا الاسم به.

          ولا يجوز للمرء أن يقتصر على هذا الحد كما علمت، وإنما لابد له أن يتطور في استفادته من هذه الأسماء كما تعلم.

          وأما المحور الثاني من هذه المحاور الثلاثة فإنه يعبر عنه هذه الهيبة في القلوب، والتي يستشعرها المكلَّف حين يسمع اسماً من أسماء الله الحسنى على هذا الوجه المُفهِم الذي ذكرناه .

          وهذه الهيبة إنما تحدث في القلوب عندما يدرك الإنسان ما لمفاهيم الأسماء الحسنى من كمال مطلق، يصعب على المخلوقين تصوره، كما يصعب عليهم الإحاطة به ، لأن التصور والقدرة على الإحاطة لن يتأتيا للمكلّف إلا إذا كان المقصود تصوره والإحاطة به محدودة منحصرة، أما إذا كان المراد تصوره والإحاطة به فوق أن يكون محدداً بحدود ، فهيهات أن يمكن لموجود أيا ما كان أن يتصوره محدوداً، أو يحيط به متحيزاً .

          وكل ما يمكن للمرء أن يفهمه أو يستشعره إنما هو هذا الكمال المطلق، وإنما هو هذا التميز بذلك الكمال المطلق الذي لا شبيه له  ولا نظير.

          وأما المحور الثالث من هذه المحاور ، فهو هذا المحور المتصل بفطرة الإنسان التي فطره الله عليها.

          وفي هذه الفطرة التي فُطر عليها الإنسان أنه طُلعة يعشق الكمال، ويندفع إلى محاكاته.

          ومن هنا نستطيع أن نقول : إن المرء حين يدرك الكمال في مدلولات أسماء الله الحسنى، وحين يقع أسيراً للهيبة التي تنتابه بسبب إدراكه لهذا الكمال، فإننا نجده وقد عشق أن يقلد هذا الكمال في حدود طاقته الممنوحة له.

          وهذه التركيبة من تلك المحاور هي موضع التكليف من المكلِّف إلى المكلَّف.

          فلئن أراد المكلَّف أن يستجيب إلى ما كُلِّف به فعليه أن يكون على هذا المستوى من الاستجابة.

          عليه أن يدرك هذه الأسماء الحسنى سماعاً وفهما.

          وعليه أن يستشعر من هذا الفهم مهابة في قلبه يحدثها فيه استشعار الكمال والجلال.

          وعليه بعد ذلك أن يقوم بمحاكاة هذه الأسماء كل اسم منها على حدة بقدر ما يتاح له من الطاقات.

          ونحن سوف نتوقف عند كل اسم من أسماء الله الحسنى لنذكر ما ينبغي على المكلَّف أن يستفيده من هذا الاسم، بحيث تنعكس هذه الاستفادة عليه وعلى مجتمعه بشكل فعال وإيجابي.

* * *

                                د / طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة


إذاعة القرآن الكريم                                                الحلقة (22، 23)

----------------------------------------------الإيمان وأثره في المجتمع

من أسماء الله الحسنى ( الله )

ــ

          لقد سبق القول أن لله عز وجل أسماؤه الحسنى، وأن أسماء الله الحسنى هي ما سمى الله بها نفسه وأنزل بعضها على أنبيائه ، وعلم بعضها بعض خلقه، واحتفظ بالباقي في علم الغيب عنده.

          كما سبق القول بأن أسماء الله الحسنى قد انتدبنا الله عز وجل أن ندعوه بها، فهي تكون وسيلتنا إلى الله سبحانه وتعالى ، حيث إنه إذا سئل بها أجاب، وإذا استُعطى بها أعطى " ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها " .

          كما سبق القول بأن الله قد انتدبنا أن نتعبده بأسمائه على جهة الوجوب حين قال لنبيه " سبح اسم ربك الأعلى" ، والأمثل أن في خطاب النبي خطاب لأمته.

          وما خلق الله من خلق إلا وقد حقق هذه الوظيفة فيه.

          لقد سبق هذا كله ونحن الآن وما بعده سنحاول أن نتتبع أسماء الله الحسنى واحداً واحداً، لنحقق معنى الاسم بقدر الطاقة من ناحية، ولنبين حظ الإنسان من هذا الاسم يحققه في نفسه بقدر استعداده من جهة أخرى.

          وأول هذه الأسماء ( الله ).

          ونحن إذا نظرنا إلى هذا الاسم من الناحية اللغوية، أعني من حيث مخارج الحروف، رأيناه يبدأ بحرف الهمزة (نطقاً) ، وحرف الهمزة يخرج من أقصى الحلق على قرب قريب من القصبة الهوائية.

          ومن يتأمل فيه يجد أنه من حيث صفته يمكن أن يقوم بوظيفة تنظيم التنفس.

          ثم يأتي بعد حرف الهمزة حرف اللام المشدد.

          واللام تعبر عن حركة التقاء بين طرف اللسان يلتصق بأصول الأسنان من أعلى.

          واللام هنا ساكنة ، وفائدتها أنها تُعطي جزءاً من الراحة يستغرق الثانية أو جزءاً منها، تكون الرئتان معه ممتلئتين بالهواء.

          ثم يأتي بعدها انفتاح التجويف الصدري ليندفع الهواء إلى الخارج في زفير لا يعوقه عائق، يشعر الإنسان بعده وكأن الرئتين يحتويان القلب ليشعر الإنسان مع هذا الاحتواء بشئ عظيم من الراحة.

          وينصح بعض العلماء أن يكرر الإنسان لفظة ( الله ) على نوع من هذا الترتيب الذي يسمح لكل حرف أن يأخذ مخرجه وصفته ليستفيد الإنسان من ذلك كثيراً من الراحة النفسية ، حيث تتخلص النفس من أدوائها، وأعلاها الانفعال الذي يخرج الإنسان عن طبيعته.

          وهذا الاسم بهذا الرسم إنما يدل دلالة مباشرة على الذات الإلهية، كما يدل العَلَم على مسماه في حياتنا لا يخطئه.

          لكنه لا يجوز ونحن نبحث في أسماء الله الحسنى أن نقول على هذا الاسم الدال على الذات الإلهية إنه ( عَلَم )، وإنما نقول فقط : إن هذا الاسم هو الاسم الدال على الذات ولا مزيد.

          ولقد تورط كثير من العلماء حين حاولوا أن يبحثوا لهذا الاسم عن أصل اشتقاق في اللغة العربية.

          واختلفوا في مسالكهم حين اختار بعضهم أن يسير في هذا الاتجاه اختلافاً عظيماً، وما حسموا أمرهم بعد أن جدّوا في السير في هذا الطريق الذي اختاروا أن يسلكوه خطأً.

          والحقُ ، والحق أقول : إن علينا أن نستسلم لهذا الاسم الذي وضعه الله اسم ذات لنفسه استسلاماً تاماً، ونقول مخلصين فيما نقول : إنه هكذا وُضع.

          وهو الاسم بالنسبة لله هو أخص أسمائه التي اختارها لنفسه، ويدل على ذلك أنه ما من اسم بعده إلا ويجوز أن يقع صفة له، فنقول مثلاً : (الله الرحيم) ، (الله الرحمن) ، ( الله قادر)، ( الله الملك ) ... إلخ.

          أما اسم ( الله ) فلم يقع وصفاً لأي اسم آخر من أسماء الله الحسنى.

          ومما يدل على أن هذا الاسم خاص بالله عز وجل، شديد الخصوصية في الدلالة عليه، هو أن البشر قد حُجبوا من أيام آدم إلى أن تقوم الساعة عن أن يسموا به واحداً منهم، حيث قال الله عز وجل في شئ من التحدي الكامل : " هل تعلم له سميا ".

          ومع أن هذا التحدي جاء في معرض التحدث عن هذا الاسم ، إلا أنه يعد معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم تشهد بصدقه، وأنه رسول رب العالمين.

          إذ إن الله قد تحدى البشر على لسان هذا النبي بهذه الصيغة الدالة على استمرار الزمن "هل تعلم له سميّاً " .

          والنبي له أعداءٌ كثيرون، وكان بإمكان الواحد منهم إذا رزق بمولود أن يسميه بهذا الاسم تكذيبا لهذا النبي، لكنهم لم يفعلوا ، ولن يفعلوا.

          وإننا لنميل كل الميل أن هذا الاسم ( الله ) هو اسم الله الأعظم ، إذا سئل به في ضراعة وعلى شرط الدعاء وآدابه أجاب، وإذا استُنصِر به نصر ، وإذا استُعطي به أعطى.

          هذا بإيجاز شديد ما نملكه من حديث عن حقيقة هذا الاسم ومكانته.

          فما حظ الإنسان من هذا الاسم.

          إننا لابد قبل الجواب أن نؤكد على أن علاقتنا بأسماء الله الحسنى وحظوظنا منها على دربين :

          أحدهما : التعلق.

          وثانيهما : التخلق.

          فقد يكون الاسم من أسماء الله الحسنى بحسب طبيعته ودلالته خارجاً عن مجال أن يكون لنا فيه قدر من التخلق، ولكن اللهَ مع ذلك قد ترك لنا فيه حظاً ، هذا الحظ هو مجال التعلق.

          بمعنى : أن يكون للمرء حظ من التعلق بهذا الاسم حين يتاح له أن يتضرع إلى ربه، وأن يستمسك بحبال قربه، وأن يلوذ بأستار عزه.

          وهذا الاسم الذي معنا ( الله ) حظنا منه هذا النوع من التعلق.

          ولا يظهر التعلق لذي لُب إلا إذا علم مكانة نفسه من الوجود، ومكانة ربه منه.

          فمكانة العبد من الوجود هي هذه المكانة الناقصة في جميع أنحائها في مقابل المكانة الأخرى الكاملة الكمال المطلق.

          وعلى المرء أن يفهم أنه هو الفقير في مقابلة الغني ، وهو الضعيف في مقابلة القوي، وهو الذليل في مقابلة العزيز ...

          وهذا الإدراك لهاتين المرتبتين في الوجود يحمل صاحبه على أن يجتهد في تحسين العلاقة بينه وبين خالقه، وأن يتعلق به تعلقاً يضمن له ثبات قاعدة انطلاقه، كما يؤمنه على مصيره وغايته.

          وهذا التعلق نفسه هو حظ العبد من هذا الاسم، إذ ليس بإمكانه أن يتخلق بشئ من معاني هذا الاسم إلا بضرب من التكلف، والاصطناع غير المعهود.

          ومن إيحاءات هذا اللفظ ( الله ) أنه هو المستحق للعبادة لذاته، وهو المستحق للعبادة لما يغذونا به من النَعَم.

          فعلينا أن نتعلق بهذا الاسم إن أردنا أن يكون لنا حظ من العلاقة المُثلى التي تربط بين العبد وربه.

          وإن العبد دائماً لربه لفقير.

          وإن الله دائماً بعباده لسميع بصير.

* * *

                                د / طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة

 

 

تابع إذاعة القرآن الكريم                                         الحلقة ( 24 ، 25 )

----------------------------------------------

الإيمان وأثره في المجتمع

من أسماء الله الحسنى (الرحمن والرحيم)

ما حقيقتهما وما حظ الإنسان منهما

ــ

          إن المتأمل في هذين الاسمين (الرحمن الرحيم) يجد أنهما مشتقان من الرحمة ضرورة.

          والرحمة تقتضي مرحوماً، والمرحوم ناقص محتاج إلى غيره ليوفي له حاجته من الخير، أو ليدفع عنه رهبته بإزالة الشر عنه.

          أما (الرحمن الرحيم) فكمال هذين الاسمين في الموصوف بهما أنه تنقضي بهما حاجة المرحوم من غير قصد أو إرادة أو عناية.

          وعلى ذلك فإن المحتاج إلى الرحمة لا يسمى مع حالته تلك (رحيماً) بحكم البداهة.

          وكذلك لا يسمى (رحيماً) من كان قادراً على تلبية حاجات المرحوم وإزالة أسباب الآلام عنه، ثم هو لا يفعل.

          أما الذي لا يقدر على إزالة أسباب آلام المرحوم فقد يسمى (رحيماً) ذلك أنه ربما تعتريه حالة من الرقة يشارك بها المرحوم في حالة من المواساة، أو أنه يمكن أن يجأر بالدعاء مستغيثاً بربه وخالقه لهذا الذي يحتاج إلى الرحمة.

          ورحمة الله عامة تامة لتمام إرادته وعنايته، ولتمام قدرته على تلبية حاجات المرحوم.

          ومن الأمثلة التي توضح ذلك : أننا نجد من بين الناس أناساً يستحقون الرحمة لشرور ألمت بهم، أو خير حال بينهم وبينه الأسباب.

          وهؤلاء قد يتطلع عليهم أناس يقدرون على تلبية حاجاتهم ولكنهم لا يفعلون.

          وهؤلاء لا رحمة عندهم، ولا يسمى الواحد منهم رحيماً.

          وقد يمر بمن يستحقون الرحمة أناس لديهم الرغبة في تلبية حاجاتهم، ولكنهم لا يقدرون على ذلك، فيكون من حظهم هذه الرقة تسيطر على قلوبهم يواسون بها المحتاج، وهذا الدعاء يتوجهون به إلى خالقهم عله يرفع عنهم البلاء.

          وهؤلاء رحماء ولا شك ولكن رحمتهم ناقصة.

          وهذه الرحمة الناقصة تتفاوت درجاتها من إنسان إلى آخر نظراً إلى تفاوت الحظوظ في مجالات الرقة، والمعونة، والدعاء.

          أما أن يكون الله عز وجل (رحيماً أو رحمنا) فإن هذين الاسمين يدلان على أن الله عز وجل ورحمته تامة وعامة.

          أما أن تكون رحمة ربي تامة، فلأنه لا يحول بينها وبين تلبية حاجات المرحوم حائل لتمام قدرته تعالى وإرادته وعنايته.

          وأما أن تكون رحمة الله عز وجل عامة، فلأن الله عز وجل يسبغها على من يحتاجون إليها بصرف النظر عن أحوالهم مع الله، فالطائع والعاصي، والمقبل والمدبر، بل والكافر والمؤمن، الجميع تنالهم رحمة الله تعالى.

          وذلك معنى عمومها.

          ومن يتأمل في معنى الرحمة يجد أنها لا تخلو من رقة مؤلمة يشعر بها المرء سليم الطبع إذا مر بمحتاج إلى المعونة، أو طالب للرحمة.

          وهذه الرقة المؤلمة التي تكتنف الرحمة، الله عز وجل منزه عنها.

          وهذا التنزيه لا ينال من معنى الرحمة، لأن كمال الرحمة في ثمرتها وبلوغ الغاية منها.

          والثمرة وبلوغ الغاية إنما يعبران عن المعنى الكامل للرحمة، وهو المعنى المتحقق لله عز وجل.

          والحقيقة التي لا نزاع فيها يمكن تلخيصها في أمرين :

          أحدهما : أن أصحاب الحاجات الذين يحتاجون إلى رحمة الرحماء ، لا يستفيدون شيئاً من تألم الرحمن أو الرحيم، لأن استفادتهم في إزالة أسباب الألم عنهم.

          وثانيهما : أن هذا الشعور بالألم الذي يكتنف الرحمة سببه بالدرجة الأولى، أن الراحم قد يرى أمامه صاحب الحاجة وهو لا يملك دفعها عنه، فيتألم لذلك ويكون تألمه لنقص قدرته.

          وقد نضيف هنا ثالثاً : فنقول : إن اكتناف الشعور بالألم للرحمة ربما ينتقص من كمالها، لأن الراحم المتألم قد يتغير قصده، فبدلاً من أن يكون قصده هو تلبية رغبة المحتاج ورفع الضرر عنه، يكون قصده إزالة الألم الذي يجده من نفسه.

          ومن يتأمل هذين الاسمين (الرحمن الرحيم) يجد أن (الرحمن)أخص من (الرحيم) بحيث يمكننا أن نقول : إن (الرحمن) من أخص أسماء الذات الإلهية، ولذا فإنه يكون من هذه الحيثية قريباً من الاسم الذي مرت الإشارة إليه ( الله ) .

          ولعل هذا هو سر المساواة بين الاسمين ، وتخيير المكلفين أن يدعوا اللهَ بهما أو بأحدهما، حيث قال الله عز وجل : " قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى " .

          ولهذا القرب بين الاسم (الرحمن) والاسم (الله) لم يجز شرعاً أن نسمي آحادنا بـ (الرحمن).

          وأنا لم أعلم أحداً في التاريخ أطلق على نفسه هذا الاسم غير مسيلمة الكذاب، الذي أطلق على نفسه (رحمن اليمامة).

          ولخصوصية هذا الاسم، ولأنه لا يجوز في أسماء الله الحسنى الترادف، قلنا: إن (الرحمن) يفيد نوعاً خاصاً من الرحمة هي أبعد من مقدورات العباد، وهي ما يتعلق بالسعادة الأخروية ، فالرحمن هو العطوف على العباد بالإيجاد أولا، وبالهداية إلى الإيمان وأسباب السعادة ثانياً ، والإسعاد في الآخرة ثالثاً ، والإنعام بالنظر إلى وجهه الكريم رابعاً.

حظ العبد من هذين الاسمين : ـ

          أما حظ العبد من اسم الله (الرحمن) فهو أن يملك إرادته وعنايته، وقدرته على الأداء تجاه إخوانه من بني آدم.

          فمن رآه منهم غافلاً عن طاعة ربه وعظه ونصحه إلى أن يرده إلى دينه مرداً جميلاً .

          ومن وجده منهم عاصيا اعتبره مريضا يحتاج إلى العلاج في رفق ولين إلى أن يحمله على التوبة ليسعد في الدنيا والآخرة.

          ومن وجده منهم مصرّاً على معصيته وضع نفسه مكانه ورق له وحزن من أجله ومن أجل هذا الخلل الذي سيتركه في مجتمعه.

          أما حظ المرء من اسم الله (الرحيم) فهو أن يتتبع إخوانه في هذه الدنيا، وما يشعرون به من ألم، فيساعد المحتاج منهم بماله، أو بمعونته، أو بحمله على دابته، أو بدفع الضر عنه ... إلخ.

          فإن لم يكن عنده من قدرة على ذلك أشعره بأنه قد رق له، وحزن من أجله.

          ثم هو مع ذلك كله يساعده بالدعاء أن يكشف الله عنه الضر وأن يهيأ له الأسباب.

          وقبل أن نغادر هذه المنطقة نشير إلى أمر تشتبه فيه الفهوم، فنقول: إذا كان الله عز وجل (رحمنا رحيما) فما بال البلاء نجده ينزل ببعض الناس مع علمنا بأن الله عز وجل قادر على رفع البلاء، ورفع البلاء وإزالة الضرر من أخص معنى اسمه تعالى (الرحيم) ؟

          والمتأمل في حوادث الدهر يجد أنه ليس هناك شر مطلق، وإنما قد نجد الشرور وفي طواياها أو عاقبتها خير للمبتلى بهذه الشرور، ولكنها قد تخفى على بعض الناس.

          ومن الأمثلة التقريبية لهذا المعنى هذا الإنسان تتآكل يده، فيحكم الطبيب ببترها، والبتر ظاهره الشر والقسوة، وباطنه حماية باقي الجسم من الأذى.

          والحجامة ظاهرها الضرر، وباطنها إزالة الأدواء عن الجسم.

          والتطعيم ظاهره الأذى ، وباطنه تنشيط جهاز المناعة ليستعد الجسم إلى قهر الميكروب وإزالة الفيرس.

          والله وحده هو الذي يعلم بواطن الأمور، وهو الذي يرحم عباده على أساس منها.

          وعليه فقد يكون الابتلاء رحمة .

* * *

                                د / طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة

 


تابع إذاعة القرآن الكريم  :                                              الحلقة ( 26 )

----------------------------------------------

الإيمان وأثره في المجتمع

من أسماء الله الحسنى ( الملك )

حقيقته وحظ العبد منه

ــ

عناصر الموضوع : ـ

(1)  تعريف الملك :

          الملك هو : الذي يستغني في ذاته وصفاته عن كل موجود، بل لا يستغني عنه شئ في شئ لا في ذاته ولا في صفاته ولا في وجوده ولا في بقائه، بل كل شئ فوجوده منه أو مما هو منه، وكل شئ سواه فهو له مملوك في ذاته وصفاته، وهو مستغنٍ عن كل شئ، فهذا هو (الملك).

(2) علامة المُلك التام :

          المُلك التام هو الذي يكون لصاحبه الإرادة والقدرة التامة على التصرف فيه.

          وهذا متوفر بالنسبة لله، حيث يتصرف في مُلكه بإرادته التامة وقدرته المطلقة.

(3) حظ العبد من هذا الاسم :

          وحظ العبد من هذا الاسم أنه يقدر قدرة نسبية على أن ينحى عنه تحكم الأسباب فيه.

ومن حسن حظ العبد :

          أولاً  :   أن الله قد منحه هذه القدرة النسبية.

          وثانياً : أنه لم يجعل للأسباب التي أتاحها له في منطقة الاختيار أن تتحكم فيه.

          فإذا قدِّر للعبد أن تكون تحته رعية هو مسئول عنها.

          وإذا قدِّر للعبد أن ينحي عنه رغباته وهواه.

          وإذا قدِّر للعبد أن يعيش حاضره متوكلاً على ربه لا يطارده الأسى على الماضي، ولا الرهبة من المستقبل، حيث يعتقد في الماضي أنه حدث قد انتهى لا يمكن أن يعود، وأن المستقبل غيب لا نعرف منه إلا شيئاً متوهماً ، إذا علم ذلك كله وأخذ في تطبيقه كان هذا هو حظه من اسم الله ( الملك ) ، وهو بسبب هذا الحظ يستغني عن غيره في الدنيا والآخرة ولا يحتاج إلا إلى ربه.

(4) درجات الخلائق في حظهم من هذا الاسم :

          والناس في استغنائهم عن غيرهم إلا ربهم درجات : أعلاها : الأنبياء ، ثم العلماء العاملون ،ثم الملوك المخلصون.

* * *

                                د / طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة


تابع إذاعة القرآن الكريم  :                                              الحلقة ( 26 )

----------------------------------------------

الإيمان وأثره في المجتمع

من أسماء الله الحسنى ( الملك )

حقيقته وحظ العباد منه

ــ

          لقد تحدث القرآن الكريم عن الملك في أكثر من موضع .

          ولكنه تحدث عن ( الملك ) اسماً لله سبحانه وتعالى في خمسة مواضع في القرآن.

          ففي سورة طه جاء قوله " فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه " (114).

          وفي سورة المؤمنون " فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم " (116).

          وفي سورة الحشر " .. الملك القدوس ... " (23).

          وفي سورة الجمعة " يسبح لله ما في السموات وما في الأرض الملك القدوس .. " (1).

          وفي سورة الناس " قل أعوذ برب الناس ملك الناس " (1، 2 ).

          ولقد توسع القرآن الكريم في الاشتقاق من مادة الملك وصفاً لله تعالى، فجاء فيه من هذه المادة : قوله تعالى : " مالك يوم الدين " ( الفاتحة ).

          وجاء فيه " قل اللهم مالك الملك " ( آل عمران ) .

          وقوله : " عند مليك مقتدر " (القمر).

          والدلالات كلها واضحة في إطلاق اسم الملك على الله سبحانه وتعالى.

          غير أننا نستطيع أن نقف عند آيتي ( طه والمؤمنون) لنجد فيهما وصف (الملك) بأنه الحق، " فتعالى الله الملك الحق" .

          وحين تأتي كلمة (الحق) وصفاً (للملك) فإنها تفيد أن الله هو الملك الحقيقي الذي له التصرف المطلق فيما عداه، والذي له الكمال المطلق في ذاته.

          وانطلاقاً من هذا التعبير القرآني نستطيع أن نفهم معنى (الملك) حين يكون اسماً لله عز وجل؛ إذ معناه في هذه الحال أن الله عز وجل مستغنٍ عن غيره في ذاته وفي صفاته، وأن غيره محتاج إليه في ذاته وصفاته وأفعاله بالإضافة إلى احتياجه إليه في إيجاده، وإمداده، واستعداده.

          وهذا هو الملك المطلق أو الملك الحق.

          وعلامة المَلِكْ المطلق أنه لا ينفك عن مُلكِه ، ولا ينفك مُلْكُهُ عنه، فهو يُصرِّفه حيث يشاء بتمام الإرادة وتمام القدرة اللذين تأسسا على تمام العلم الأزلي.

          وهذا المعنى الاعتقادي أو الديني لا يبعد كثيراً عن المفهوم اللغوي لهذه الكلمة.

          فبعض أهل اللغة يقولون : إن كلمة ( المُلْك ) ذات صلة وثيقة بالشد والربط، كما نقول عن المرأة إنها ملكت عجينها إذا بالغت في عجنه.

          وقريبٌ منه ما قالوه عن كلمة ( المُلك ) أن لها صلة بالقوة والقدرة والاحتواء، على نحو ما قال قائلهم :

          ملكت بها كفي فانهزت فعتقّتها      ..        يرى قائم من دونها ما وراءها

          وكذلك يقال ملكت كفي بالطعن إذا بالغ فيه.

          وأخص وصف لعقد المصاهرة أنه عقد ( الإملاك ) لأنه يرتبط بعقد التزويج وصلة ما بين الزوجين.

          وهكذا يتضح لنا عمق الدلالة للاسم ( المَلِك )، وهي دلالة تجعل عباد الله الصالحين يقفون أمام هذا الاسم بشعور الاحتياج إلى الغني، وبانكسار الضعيف إلى القوي، وباعتقاد كامل في أن ( الملك الحق ) لا تقال إلا لله .

          أما غير الله فقد يقال له : إنه ( مَلِك ) ولكن لا على الحقيقة ولا على الإطلاق، وإنما ( الملك ) غير الله إنما يكون على المجاز ، أو يكون إطلاق اسم (الملك) عليه إطلاقاً نسبياً .

حظ العبد من اسم الله ( الملك ) : ـ

          فلقد سبق أن قلنا : إن حظوظنا من أسماء الله الحسنى على ضربين :

          فمن هذه الأسماء ما يكون حظنا منها التعلق بها، وطلب سد حوائجنا وجبر نواقصنا من الله عن طريقها.

          ومن هذه الأسماء ما يكون حظنا منها التخلق بها عن طريق محاكاتها بقدر الطاقة البشرية الناقصة .

          وهذا الاسم ( الملك ) يجمع بين هذين الأمرين جميعاً.

          فنحن نستطيع أن نجعل حظنا من هذا الاسم التعلق به ؛ حيث إن الله (الملك) هو الذي اجتمعت له ملكية الأشياء الحقيقية ذواتها وصفاتها على السواء، فلا تنفك الملكية عنه ولا ينفك عنها (وحاشاه )، وهو في نفس الوقت كامل في نفسه مستغنٍ عمن سواه فكماله من ذاته لا من غيره.

          وعلى العبد أن يعلم ذلك حق العلم.

          وحين يعلم العبد ذلك حق العلم يجد نفسه محتاجاً إلى ربه احتياج الناقص إلى الكامل ، واحتياج الفقير إلى الغني، واحتياج الضعيف إلى القوي ... وهي أضرب من الاحتياج تجعل العبد دائماً يلوذ بـ ( الملك ) لتتحقق له آماله من خلاله، وهي آمال لا تقتصر على هذه الدنيا الفانية، وإنما العاقل تمتد آماله إلى الآخرة حتى يلقي مصيره الذي يرضاه في جنات النعيم  لتتحقق له السعادة الأبدية.

          ونحن نستطيع كذلك أن نجعل حظنا من هذا الاسم ( الملك ) التخلق به.

          والمرء إذا تخلق بما يعرفه من معنى اسم الله ( الملك ) عَظم في عين نفسه، وعَظم في عين الناس.

          والإنسان لا يتخلق بهذا الاسم إلا إذا ترفع عن الناس ، فلا يطلب ما في أيديهم، ولا يُظهر لهم الاحتياج إليهم.

          وهو من جهة أخرى يترفع ويتأبى على غرائزه وهواه، فلا يستجيب لقواه الشهوانية، وغرائزه التي ما خلقها الله فيه إلا لأداء وظيفة خلقه الله من أجلها.

          ولا يستجيب لقواه الغضبية إلا إذا انتهكت حرمات الله ، ولينظر في ذلك إلى النبي قدوته، الذي أدبه قولاً ، وأدبه عملاً على مقتضى الطبع والشرع اللذين خلقهما الله له.

          ففي صحيح الحديث : أن النبي لم يكن يغضب لنفسه قط، ولم يكن يغضب إلا إذا انتهكت حرمات الله.

          وفي الآثار : أن رجلاً اشتكى إلى عبد الله بن عباس تَدَنِّي حظه من الحياة الدنيا، فسأله ابن عباس : ألك بيت يظلك ؟ قال : نعم ، قال له ابن عباس : ألك زوجة تأوي إليها ؟ قال : نعم.

          قال له : أعندك قوت يومك ؟ قال : نعم ، فقال له ابن عباس : إذاً فأنت غني،

          قال لابن عباس وعندنا خادم يقضي حوائجنا ، قال : إذاً فأنت : ملك .

          وفي آثار الصالحين كذلك : أن أحدهم قد مر به أحد الأمراء فقال له : سلني حاجتك ، فقال له الرجل الصالح : أو علىّ تعرض هذا العرض ؟ !

          إن لي عبدين هما سيداك.

          قال : ومن هما ؟

          قال : الحرص والهوى . فقد غلبتُهما وغلباك ، وملكتُهما وملكاك .

          وقال بعض الصالحين لبعض مشايخه : أوصني.

          فقال له : كن ملكاً في الدنيا ، وملكاً في الآخرة.

          فقال : وكيف ؟

          فقال ما معناه : اقطع طمعك وشهوتك عن الدنيا تكن ملكاً في الدنيا والآخرة، فإن الملك في الحرية والاستغناء.

          وهكذا يكون التعلق باسم الله ( الملك ) ، كما يكون التخلق بهذا الاسم العظيم.

          والعاقل هو الذي لا يفوته من أسماء الله تعلقٌ ولا تخلق .

* * *

                                د / طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة

تابع إذاعة القرآن الكريم  :                                              الحلقة ( 27 )

----------------------------------------------

الإيمان وأثره في المجتمع

من أسماء الله الحسنى ( القدوس )

حقيقته وحظ العباد منه

ــ

          من أسماء الله الحسنى التي جاءت في القرآن وفي السنة النبوية المطهرة ( القدوس ).

          ولقد وقف العلماء أمام تحقيق معنى هذا الاسم مواقف يحدوها الأدب، ويغلفها الحياء في الحديث عن الله عز وجل وأسمائه.

          وحين يتناول المرء معنى ( القدوس ) في اللغة ، فإنه يجد جمهور أهل اللغة العربية يقولون : إن له أصلا في اللغة وهو : ( القدوس ) بمعنى : الطهارة والنزاهة.

          والمادة كلها تدور على هذا المعنى ، فما سُمى بيت المقدس هكذا ، إلا لأن الناس يتعلقون به تعلق من يريد أن يتطهر وينزه من الخبائث والمعاصي وآثارهما.

          والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويقدسون له على معنى أنهم يطهرون أنفسهم لتكون على كامل الاستعداد لتسبيح الله وتحميده.

          والسطل الذي هو إناء الماء الكبير يقال له : ( القدس ) لما يحمله من الماء الذي يُتَطهر به.

          وجبريل عليه السلام لما كان يؤدي وظيفته في البلاغ عن الله على أكمل وجه من النزاهة عن الخطأ والتقصير، سمى بـ ( روح القدس ).

          وقليل من الناس هم الذين يقولون : إن الكلمة تمت بسبب إلى بعض اللغات الأجنبية التي نُقلت عنها إلى العربية كاللغة السريانية مثلاً .

          ونحن نضرب عن هذا الرأي صفحاً .

          ومن الأشياء التي تتصل بأسماء الله ولها دلالتها ، أن وزن فُعّول لم يوجد له من الأمثلة التطبيقية في لغة العرب عند الأكثرين من العلماء إلا كلمتين اثنتين هما: ( سبوح ـ قدوس).

          والكلمتان تتصلان بالله سبحانه وتعالى وتختصان به.

          أما حين يستعمل هذا الاسم للدلالة على واحد من أسماء الله الحسنى، فإن العلماء يقفون أمام شرح دلالته بغاية من الحيطة والحذر، مخافة أن تضيق بهم اللغة في بعض المواطن فيقعون في المحظور، على نحو ما سيظهر لنا في شرح معنى هذا الاسم من أسماء الله الحسنى.

          فاسم الله ( القدوس ) معناه : أن الله هو الذي يرتفع بكماله عن كل كمال يدركه الحس، أو يتصوره خيال، أو يسبق إليه وهم، أن يختلج به ضمير، أو يقضي به تفكير.

          هكذا يجب أن يعلم عبادُ الله من دلالة هذا الاسم في جانب الله ، أنه : منزه عن كل كمال يدركه العبد بحواسه، أو يتصوره بخياله، أو يسبق إليه وهمه، أن يختلج به ضميره، أو يقضي به فكره.

          وهذا المعنى هو المناسب لله عز وجل.

          ومن الخطأ ما قاله بعضهم : إن القدوس هو المنزه عن كل نقص، وهم يظنون أنهم يمدحون الله عز وجل بكلامهم هذا.

          والسبب فيما ذهبنا إليه أن المادح حين يريد أن يمدح، أمامه طريقان :

  إما أن يذكر ممدوحه بما له من فضائل ونعم.

  وإما أن يذكره بسلب ونفي النقص عنه.

          فإن ذكره بماله من نعم فلا شئ عليه في استقصاء ما صدر عنه منها، صغيرة كانت أم كبيرة.

          وإن ذكره بنفي النقص عنه، فإن عليه أن يكون حذراً، لأن المبالغة في نفي النقص نقص.

          فلو أراد إنسان من العامة أن يمدح ملكاً أو قائداً عظيماً ، فقال : إنه ليس بحائك ولا حجام، فإن ممدوحه لن يقبل منه ذلك طبقاً للقاعدة المعروفة، وهي أن نفي الوجود يستلزم وهم إمكان الوجود.

          من أجل ذلك ترفعنا ونحن نتحدث عن الله ، أن نقول : إنه منزه عن النقص، وقلنا بدلاً من ذلك : إنه منزه عن كل كمال نتصوره، أو نتوهمه، أو نتخيله، أو حتى نتعقله.

          فتكون درجات التنزيه اثنتين :

          الأولى : أن نقول عن الممدوح : إنه منزه عن كذا أو كيت من النقائص.

          وهذه الدرجة تخضع للقاعدتين السالفتي الذكر، وهما : ( إن المبالغة في نفي النقص نقص، وإن نفي الوجود يستلزم توهم الوجود).

          والثانية : أن نقول في مدح الممدوح : إنه منزه عن كل كمال ندركه، أو نتوهمه، أو نتعقله.

          وهذه أكثر الدرجتين ملاءمة ونحن ننفي عن الله ما لا يليق به؛ وما ذلك إلا لأن الإنسان حين يفكر في درجات الكمال، أو يدركها، أو يتخيلها، فهو إنما يدرك الكمال مقيساً إلى نفسه وأحواله المحتملة، ودرجاته على سلم الكمال التي بإمكانه أن يبلغها.

          وهذه أمور يجب أن ننزه ذات الله عنها.

          فلا مفر إذاً من أن نفهم ( القدوس ) اسماً لله على هذا المعنى الذي ذكرناه.

حظ العبد من هذا الاسم : ـ

          والعبد حين يتأمل هذا الاسم ( القدوس ) من أسماء الله الحسنى ، ويستحضر هيبته وجلاله، فإنه يجب أن يعلم أن له من هذا الاسم حظ التخلق، والذي يجب عليه ـ إن كان مستقيم الفطرة ـ أن يتخلق به قدر استطاعته.

          وهو يستطيع أن يتخلق بهذا الاسم تخلقاً نسبياً في جانبين من جوانب حياته وممارساته، هما : العلم ، والإرادة.

          أما تخلقه متأثراً باسم الله ( القدوس ) في مجال علمه، فهو يتضح لنا إذا ما علمنا العلاقة الإدراكية بيننا وبين الأشياء.

          فالإنسان بحسب تميزه عن سائر الكائنات قد هُيأ له إمكانية إدراك ما حوله من الأشياء.

          وليس الإدراك لديه على نمط واحد ، ذلك أنه يستطيع أن يدرك الأشياء الحسية بحواسه الخارجية، كالسمع، والبصر، والذوق، واللمس، والشم.

          وهذا النوع من الإدراك لا يمنح الإنسان ميزة تُذكر يتميز بها عن غيره من سائر الكائنات.

          فجميع الحيوات الدونية تمنح أصحابها القدرة على الإدراك الحسي، كما تمنح حياةُ الإنسانِ الإنسانَ مثل هذا الإدراك.

          والإنسان يستطيع بالإضافة إلى هذا الإدراك الحسي أن يُنصت إلى قوته المتخيلة، وهي تمده بهذه الصورة الخيالية التي تنتزع أصولها وموادها من الخارج، وتضعها أمامه متكاملة أجزاؤها، مترابطة أوصالها تكاملاً وترابطاً دقيقاً في نظر من يدركها.

          ويقال لهذا النوع من الإدراك إنه تخيل.

          وهذا النوع من الإدراك لا يعطي الإنسان تميزاً بين الكائنات، لا لشئ إلا لأن هذا النوع من الإدراك ضعيف الصلة بالواقع، إذ هو تخيلٌ وكفى.

          وقد يتحصل للإنسان صورة ثالثة من الإدراك هي أقل من سابقتيها، إذ هي لا وجود لها إلا في وهمه.

          فإذا أراد الإنسان أن يحصّل لعلمه نوعاً من التميز، فعليه أن يتوجه إلى إدراك المجردات على وجهها الصحيح.

          فالمجردات أشرف المدركات، والإدراك يعلو تبعاً للمدركات.

          وقد أدرك ذلك الإمام الرازي حين قال : [ اعلم أن ما سوى الله قسمان : ذوات، وصفات، أما الذوات فقسمان : مجردات، وجسمانيات، فالمجردات أشرف، والصفات أيضاً قسمان: عقلية وحسية، والعقلية أشرف لأنها باقية، والحسية دائرة، فقُدس العبد أن يطهر روحه عن الالتفات إلى اللذات الجسمانية، والاشتغال بالتصورات الخيالية الجزئية، بل يجب أن يسعى في تحصيل العلوم الباقية، والأخلاق الحميدة، ومجامعها في شيئين : أن يعرف الحق لذاته، والخير لأجل العلم به ].

          وللعبد جانب آخر يمكن له أن يستفيده من اسم الله ( القدوس ).

          وهذا الجانب يتصل بالإرادة التي يملك العبد منها قدراً نسبياً .

          والإرادة هي محور الأخلاق الحقيقي، والمُعَول الذي ترتكز الأخلاق إليه بحيث لا يكون للأخلاق وجود بدونه.

          والرازي وإن كان قد أدخل هذا العامل ضمن حديثه عن الجانب الفكري والعلمي، فإننا نحب هنا أن نفرده بحديث.

          وبيان ذلك أن نقول : إن للإنسان غير القوة المفكرة غريزتين، هما : الشهوة، والغضب.

          ولا تعمل غريزة من هاتين الغريزتين إلا بتوجيه الإرادة لها، وإلا صار عملها عملاً عشوائياً غير منضبط.

          والله عز وجل ما خلق الغريزتين في الإنسان عبثاً، وإنما خلق كل واحدة منهما لوظيفة تؤديها في خدمة الفرد وفي خدمة الجماعة.

          والخطأ غاية الخطأ أن تتجاوز الغريزتان أو إحداهما ما رُسم لهما من الوظائف في حدودهما المعينة.

          وتخلق العبد باسم ربه ( القدوس ) يكون في تنزهه عن أن تدور إرادته حول الحظوظ البشرية التي ترجع إلى لذة الشهوة والغضب ، ومتعة المطعم والمنكح والملبس والملمس والمنظر، وما لا يصل إليه من اللذات إلا بواسطة الحس والقلب.

          ولا يعني ذلك توقف العبد بإرادته عن أن تؤدي وظيفتها التي خُلقت من أجلها، خاصة في مجالي الشهوة والغضب، فتلك أمور قد جاءت بها الشريعة ولا يجوز إهمالها.

          والمقصود بتخلق العبد في هذين الجانبين باسم ربه ( القدوس ) ألا يكون همه إرضاء شهوته، أو إرضاء قوته الغضبية، وإنما يكون همه الأول والأخير مرضاة ربه في الدنيا، والحصول على مرضاة ربه كذلك في الآخرة ، فمن انقطع عند حدود إشباع الملذات وإرضاء الشهوات كان إنساناً ناقصاً ، حتى ولو كان ذلك في الجنة.

          فالصالحون من عباد الله إذا ذُكرت أمامهم الجنة، أبانوا عن أن تعلقهم بصاحب الدار لا بالدار نفسها.

          وهم يتخذون من هذا المبدأ منارة يترقون إليها في الدنيا وفي الآخرة ، وكشافاً يضئ حياتهم في جميع توجهاتهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً .

* * *

                                د / طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة


تابع إذاعة القرآن الكريم  :                                              الحلقة ( 28 )

----------------------------------------------

الإيمان وأثره في المجتمع

من أسماء الله الحسنى ( السلام )

حقيقته وحظ العباد منه

ــ

          لقد ورد اسم الله عز وجل ( السلام ) في القرآن الكريم ، حيث سلكه الله عز وجل ضمن أسمائه الحسنى في سورة الحشر، فقال : " ... الملك القدوس السلام.... " .

          والعلماء حين أرادوا أن يفهموا اسم الله عز وجل ( السلام ) جعلوا منطلقهم الدلالة اللغوية، فتساءلوا عما وُضع له هذا اللفظ  في اللغة العربية.

          وفي حالة من حالات الاستقصاء وتتبع المعاني، رأوا أن (السلام) قد تطلق ويراد منها : السلامة من العيوب في الذات، والسلامة من المخاطر التي تواجه الذات من الخارج.

          وقد تطلق كلمة ( السلام ) ويراد منها هذه التحية التي يقابل بها موجودٌ موجوداً آخر فيطمئنه على ذاته، ويخبره أنه يجب أن يكون آمناً من جهته لا يصيبه مكروه.

          وقد تطلق كلمة ( السلام ) ويراد بها ما يقدمه موجود إلى غيره من الأسباب التي تعينه على أن يَسْلَم من الشر، وعلى أن يجلب لنفسه عوامل الخير.

          هكذا تكون الكلمة في اللغة قد اتسعت معانيها، ولكنها تتفرع جميعها على السلامة.

          ولقد استند علماء العقائد على ما فهموه من اللغة وهم يحاولون أن يفقهوا عن الله ما أخبرهم به من اسمه ( السلام ).

          ولم يكن أمام علماء العقائد بعد هذا إلا أن يقولوا : إن اسم الله ( السلام ) يمكن أن يكون أصلاً يُستند إليه في نفي النقائص عن الله عز وجل، ويكون (السلام) حينئذ أصلاً لصفة تنزيهية، حيث ينفي عن الله ما لا يليق به، سواءٌ في ذاته، أو في صفاته، أو في أفعاله.

          وهذا الفهم قد يستشكله بعض العلماء فيقولون : إن فهم ( السلام ) على هذا النحو يحدث نوعاً من التكرار في أسماء الله الحسنى، وهو أمر غير مقبول.

          وبيان ذلك أننا قد ذكرنا من قبل أن الله عز وجل قد أخبرنا : أن من أسمائه الحسنى : ( القدوس ) ، وقلنا : إن ( القدوس ) إنما يعني تنزيه الله عز وجل عما لا يليق بذاته وصفاته وأفعاله.

          فإذا كان ( السلام ) سُيفهم على هذا النحو من الفهم الذي ذكرناه، كان مدلول الاسمين واحداً.

          ولقد حاول بعضهم أن يخرج من هذا الإشكال على أساسٍ من تقسيم الزمن إلى : ماضٍ ، وحاضرٍ، ومستقبل، وأن ( القدوس ) يعني : نفي ما لا يليق بالله عنه في الماضي والحاضر. وأن ( السلام ) ينفي عن الله ما يليق به في المستقبل.

          ونحن نرى أن هذا الرد تحكمي ليس له ما يؤيده من دلالات الألفاظ اللغوية، أو الاصطلاحية، أو حتى العرفية.

          والذي نراه ـ لو قد فهمنا معنى ( السلام ) على ما فهمناه ـ أن العلاقة بين الاسمين ، أنهما يشتركان في جزء من الدلالة، ثم ينفرد ( السلام ) بأشياء أخرى يدل عليها ليست موجودة فيما يدل عليه لفظ ( القدوس ) ، إذ يبقى للسلام من المعاني أن الله يُحيِّى عباده بالسلام في الجنة " تحيتهم فيها سلام" ، ويبقى للسلام كذلك أن الله عز وجل يمنّ على عباده بما يصلحهم في ذواتهم، وصفاتهم، وأحوالهم بأمور قد يجمعها أنه يمنّ عليهم بالاستعداد والإمداد، بعد أن منّ عليهم بالإيجاد.

          ولعلماء العقائد فهمٌ آخر في اسم الله ( السلام ) ، وهو أن الله عز وجل حين يجمع عباده المؤمنين ليوم الحساب يُحييهم بـ ( السلام ) " تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجراً كريما " ، وهو يحييهم بـ ( السلام ) كذلك حين يستقرون في الجنة " تحيتهم فيها سلام".

          وعلى هذا الفهم يكون السلام تابعاً لصفة الله عز وجل التي هي صفة الكلام، ويكون ( السلام ) كالأمر والنهي الصادرين عن الله عز وجل بصفته متكلماً.

          وهذا فهم جيد حيث لا يخالف اللغة ولا يخالف التنزيه، وهما الضابطان اللذان يشترطهما علماء الأمة في كل إنسان يريد أن يفقه عن الله كلامه، حين يحدثنا الله عز وجل عن نفسه.

          ويبقى هناك أمام علماء العقائد نوعٌ ثالث من الفهم، وهو : أن الله يمنحه عباده ويمنح الكون كله أسباب السلامة من العيوب، فتستقر بها المجرات كل يؤدي وظيفته التي خُلق من أجلها، وتستقر بها الكائنات الحية مستندة إلى أسباب استقرارها.

          وعلى الجملة يبقى الكل بسبب هذا المنح الإلهي ميسراً لما خُلق له.

          وجملة القول في هذه الفهوم ونتائجها المترتبة عليها أن اسم الله (السلام) إذا حملنا معناه على البراءة من العيوب، كان ذلك من صفات التنزيه، وإذا حملناه على كونه مسلِّما على أوليائه، كان من صفات الذات، وإذا حملناه على كونه معطياً للسلامة، كان من صفات الأفعال.

          والتعريف الجامع لهذا الاسم ( السلام ) يمكن أن نُجمله في هذه العبارة :

          إن ( السلام ) هو الذي تسلم ذاته عن العيب، وصفاته عن النقص، وأفعاله عن الشر.

حظ العبد من اسم الله ( السلام ) : ـ

          ونحن إذا فهمنا هذا الاسم وحقيقته على هذا النحو الذي ذكرناه، فإن هذا الفهم يغرينا بالحديث عن حظ العبد من هذا الاسم ، ونصيبه من هذه المعاني.

          ولا يمكن أن نفهم حظ العبد من هذا الاسم ما لم نفهم طبيعة الإنسان ومكونات شخصيته، وما يصدر عنه من أفعال.

          والإنسان له قلب ينفعل، ويترتب على انفعال القلب مجموعة من العواطف التي تتحكم فيه، وتشكل توجهاته الوجدانية، تصاحبها إرادة مرجحة وموجهة لما يصدر عن هذه الانفعالات وتلك العواطف من سلوك أو نزوع.

          والإنسان له صفات يتصف بها، وهي من أهم مكملات ذاته، وبها أو ببعضها يختلف عن سائر الحيوانات، بل يمتاز عن سائر الكائنات.

          والإنسان له أفعال تصدر عنه باختياره وبإرادته، وهو مسئولٌ عنها مسئولية مباشرة، وعليها يترتب الجزاء الذي يناله ثواباً أو عقاباً .

          على هذه الخلفية ذات الثلاث شعب، يمكن أن نفهم حظ الإنسان من اسم الله ( السلام )؛ إذ الإنسان يستطيع أن يحقق لنفسه اسم ( السلام ) النسبي في حدود طاقاته وإمكاناته، بمعانيه التي أشرنا إليها ونحن نحقق معنى هذا الاسم.

          ففي مجال الوجدانات التي هي الانفعالات والعواطف والغرائز، والتي محلها القلب، لا يستحق الإنسان اسم ( السلام ) النسبي من هذه الجهة ، إلا إذا سلم عن الغش والحقد والحسد وإرادة الشر قلبه على نحو ما يقوله العلماء ويؤكدونه.

          ونحن نقيس على ما ذكره غَيَّرهُ من جميع الانفعالات والعواطف التي تعبر عن النقائص والمعايب وهي كثيرة معروفة، فإذا سلم الإنسان عن مثل هذه الأشياء وتنزه عنها، يكون قد حقق لنفسه اسم ( السلام ) في جانبه الذي يعني التنزيه عن المعايب والنقائص.

          وفي مجال الصفات الذاتية للإنسان التي بها تكمل ذاته، لا يستحق الإنسان اسم ( السلام ) إلا إذا سلمت عن الانتكاس والانعكاس صفاته.

          وهذه جملة مختصرة يمكن أن نشرحها على وجه أكثر تفصيلاً فنقول :

          إن الله عز وجل خلق الإنسان من مادة هي قبضة من طين الأرض، ومن نفخة من روح الله هي تلك التي تشكل صفاته ووجداناته.

          وهذا الجانب الوجداني ( أو النفخة من روح الله ) مرتب منظم بطريقة تصاعدية، بحيث يحتل العقل أو القوة العاقلة موضع القمة من هذا الهرم، وموضع القيادة من هذا النظام ، فهو الأمير المطاع في هذه المملكة.

          ومن خلال هذا التميز للقوة العاقلة يجب علينا أن نفهم أن القوتين الغضبية والشهوانية هما معاً ، وهما كل واحدٍ على انفراده خاضعتان للقوة العاقلة، مأمورتان من جهتها.

          هذا هو تشكيل الهرم النظامي في داخل الإنسان.

          فإذا جاء الأمر على هذا النحو ، أعني إذا جاءت القوة العاقلة في مكانها من قمة الهرم تأمر فتُطاع، وتقود فلا يشذ شئٌ عن قيادتها، استحق الإنسان وصف ( السلام ) من هذه الجهة.

          أما إذا تأخرت القوة العاقلة، وتقدمت القوة الغضبية أو الشهوية، سمى هذا الوضع من التردي (انتكاسة) ، حيث تأخر ما من حقه أن يتقدم، وتقدم ما من حقه أن يتأخر، في نوع من التقليد البغيض المقلق.

          وحينئذ يفقد الإنسان استحقاقه لاسم ( السلام ) من هذه الجهة، ووقع في حالة من الاضطراب المقزز للنفوس المؤلم للضمائر.

          وهكذا فإني أعني بانتكاس الإنسان في صفاته أن يكون عقله أسير شهوته وغضبه، إذ الحق عكسه، وهو أن تكون الشهوة والغضب أسير العقل وطوعه، فإذا انعكس فقد انتكس، ولا سلامة حيث يصير الأمير مأموراً، والملك عبداً .

          والعجب أن يفقه الإنسان عن النبي صلى الله عليه وسلم قولَه : " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده " ولا يفقه أنه لا يوصف بـ ( السلام ) من لم يسلم هو من نفسه.

          وفي مجال الأفعال والأقوال والممارسات لا يستحق اسم ( السلام ) إلا من سلمت عن الآثام والمحظورات جوارحه.

          ومعنى ذلك أن الله سبحانه وتعالى قد توجه إلى العباد بشريعة فيها أوامره وفيها نواهيه.

          وهذه الشريعة تصلحه فرداً، كما أنها كفيلة بإصلاح الجماعة في الدنيا والآخرة.

          فمن أتى من أوامر الله التكليفية بما يستطيع ، وانتهى عن نواهيه جملة استحق اسم ( السلام ) ، ويكون قد فاز بحظٍ من هذا الاسم .

          أما هذا الذي يعصي الله عز وجل في أوامره ونواهيه، ولم يستجب له في تنفيذ شريعته، فإنه غير مستحق لشئ من هذا الاسم الذي كان يجب أن يحققه في ذاته بقدر طاقته.

          وما ذكرناه من القدر الذي أتيح لنا من الحديث عن هذا الحظ من هذا الاسم قد راعينا فيه طبيعة الإنسان في ذاته، وما يصدر عنه من أقوال وأفعال.

          وقد يكون هناك بعض العلماء الذين ينظرون إلى ما يجب على العبد فعله ليتحقق فيه هذا القدر النسبي من معنى اسم الله ( السلام ) ـ من زاوية أخرى تركز على الغايات والثمرات على نحو ما ذكره الإمام الرازي عن العارفين من عباد الله حيث قال:

          " وأما حظ العبد منه فهو أن العبد له سلامة في الدنيا ، وسلامة في الدين، أما سلامته في الدنيا فهو أن يتخلص من المؤذيات، ويحصل له ما كان في حيز الضرورات والحاجات.

          وأما السلامة في الدين فهي على ثلاث مراتب ، أولاها : السلامة في مقام الشريعة، وهو أن يسلم دينه من البدع والشبهات، وأعماله عن متابعة الهوى والشهوات.

          وثانيها : السلامة في مقام الطريقة، وهو أن يكون عقله أمير شهوته وغضبه ولا يكون أسيراً لهما ، لأن العقل أمير، والشهوة والغضب كل واحد منهما عبد.

          وثالثها : السلامة في مقام الحقيقة، وهو أن لا يكون في قلبه التفات إلى غير الله كما قال تعالى : " قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون".

* * *

                                د / طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة


تابع إذاعة القرآن الكريم  :                                             الحلقة  ( 29 )

----------------------------------------------

الإيمان وأثره في المجتمع

من أسماء الله الحسنى ( المؤمن )

حقيقته وحظ العباد منه

ــ

          إن اسم الله عز وجل ( المؤمن ) قد يثير شبهة عند غيرالمشتغلين بالعلم، أو عند الذين يريدون أن يشوشوا على عوام المسلمين، إذ المؤمن فيما تعرفه العامة هو المصدق بكلام الله الذي أوحى به إلى نبيه وأمره أن يبلغه للناس.

          وبعبارة أخرى ، إن المؤمن في عرف العامة هو المصدق بكل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم بلاغاً عن ربه.

          ومن أراد أن يشوش على المسلمين يتوجه إليهم بهذا السؤال : هل يجوز أن يكون الله عز وجل ( مؤمنا ) بهذا المعنى الذي ذكرناه ؟ !

          ثم يبدأ في التشويش مرتكزاً على تحويل المسار في الفهم، واللعب بالمصطلح على ما هي طبيعة المعارك الآن، حيث نزل الصراع إلى المصطلحات واللعب في محتواها.

          وإذا أردنا أن نعود بالتفكير إلى مساره الصحيح في هذه المسألة وغيرها، نقول : إن ( المؤمن ) اسم فاعل، يتصف به صاحبه فيدل على ذاتٍ وقع منها فعل معين فاتصفت بقدرتها على إحداث هذا الفعل.

          وإذا كان اسم ( المؤمن ) هو اسم فاعل من فِعْل فوق ثلاثة حروف، فإنه من الطبعي أن نتساءل عن الفعل الذي أُشتق منه اسم الفاعل المذكور.

          وفي الإجابة على هذا التساؤل يقول علماء اللغة : إن ( المؤمن ) مشتق من أحد فعلين ، يتغير  معناه بحسب ارتباطه بالفعل الذي اُشتق منه.

          وهذان الفعلان هما : ( آمن ) و ( أمّن ).

          أما الفعل الأول ( آمن ) ، فهو يعني : التصديق.

          وأما الفعل الثاني وهو ( أمّن ) ، فهو يعني : إزالة الخوف.

          والقرآن الكريم قد استعمل الفعلين جميعاً، واشتق منهما : ( المؤمن ).

          وأكثر ما جاء في القرآن الكريم هو الفعل ( آمن ) وما اُشتق منه بمعنى (صدّق ).

          وقد أتى الفعل في القرآن الكريم ( آمن ) بمعنى أزال الخوف عن بعض عباده، على نحو ما امتنّ به الله على أهل مكة في قوله تعالى : " فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف " .

          وهناك فريق من العلماء يرى أن اسم الفاعل ( مؤمن ) ، مشتق دائماً من الفعل ( آمن )  بمعنى ( أزال الخوف عمن يعرض له الخوف ).

          وقد ذهب هذا الفريق من العلماء إلى أن ( آمن ) بمعنى ( صدّق ) محمول على هذا  المعنى ؛ إذ النبي مثلاً وهو بصدد البلاغ عن ربه يخاف أن يكذبه الناس، فإذا صدقه ربه بنصب الدليل له ، وإجراء المعجزة على يديه ، فإنه يكون قد أمنّه من هذا الخوف الذي كان يتوقعه، وهو خوف قابل للحدوث.

          إذا تقرر هذا فنقول : إن اسم ( المؤمن ) من أسماء الله الحسنى ، وحقيقته في الإطلاق على الله أنه : هو الذي يؤمن عباده من الخوف، نعم الخوف بجميع ألوانه وصوره.

          والخوف بهذا الاتساع يمكن تقسيمه إلى قسمين رئيسين : خوف في الدنيا، وخوف في الآخرة، والله مؤمِّن من يشاء من عباده من الخوفين جميعاً أو أحدهما على ما يشاء.

          وأهل الإيمان والعلم جميعاً ، يعلمون أن لله عز وجل نعماً ثلاث : هي الإيجاد، والإمداد، والاستعداد.

          وما كان لمخلوق من مخلوقات الله أن يستغني عن واحدة منها.

          ففي الإيجاد : نجد أن الله قد أمد عباده منذ اللحظة الأولى بأعضائهم.

          وعلماء وظائف الأعضاء يعلمون أن لكل عضو من الأعضاء وظيفة يَسدُّ بها صاحبها خطراً يأتيه من الثغر الذي وُجد فيه.

          فالعينان يدفعان عن الإنسان كل خطر يأتيه من جهتهما، وكذا اليدان والرجلان وجميع الأعضاء الظاهرة.

          وهذا القول ينطبق تماماً على كل عضو من الأعضاء الباطنة في داخل الإنسان، كالكبد ، والطحال، والكُلى ، والقلب .... وغير ذلك مما لا نحصيه عدّاً .

          ومن ينظر ويتأمل في كل هذا يشعر بالخطر الذي يمكن أن يأتيه لو فقد واحدة من هذه الأدوات المُنعَم بها عليه.

          ولا يدرك ذلك إلا من فقدها أو فقد إحداها، وشعر بالخطر الداهم الذي يأتيه من فقد واحدة مما ذُكر وغير ما ذُكر.

          وحين يخلق الله الأحياء على هذا النحو لا يكفيهم لإزالة الخوف ما ذكرناه، إذ خلق الأدوات في الكائن الحي لا يكفي لدفع الخطر، وإنما لابد من خلق الاستعداد في كل أداة للقيام بوظيفتها، فما قيمة أن يكون للأحياء أعين ولكن لا يبصرون بها ؟ وما قيمة أن يكون للأحياء آذان ولكن لا يسمعون بها ؟ وما قيمة أن يكون لبني آدم عقول وقلوب ولكن لا يفقهون بها ؟ .

          إن للأدوات في الأحياء وظائف، والوظيفة شئ والأداة شئ آخر.

          ومن هنا يتطلب الأحياء الاستعداد في كل أداة خلقها الله فيهم لتقوم بوظيفتها .

          ويجب هنا الإشارة إلى شئ ثالث وهو : الإمداد بالأسباب التي تحتاج إليها الأدوات للقيام بوظيفتها.

          فما قيمة المعدة المستعدة للعمل إذا لم يتوفر لها ما تقوم بهضمه ؟

          وما قيمة العين الباصرة إذا لم تكن هناك الأشعة تسقط على كوكب الأرض المعتم ثم تنعكس عليه أو تتشتت على الغلاف المحيط لتسقط على العين بعد انعكاسها أو تشتتها ، حتى تتمكن العين من الإبصار الذي هو حقيقة وظيفتها.

          وقل مثل ذلك في كل أداة صالحة للعمل، ولكنها لا تجد هذا النوع من الإمداد الذي يعينها على أداء وظيفتها.

          إن الإنسان لا تزول مخاوفه على كل حال إلا من خلال هذه النعم الثلاث: الإيجاد والإمداد والاستعداد.

          وما كان لأحد أن يمد هذا الكون كله بما يحتاج إليه إلا أن يكون إلهاً .

          وطريق الألوهية مغلقٌ أمام جميع أنواع الوجود، إلا هذا الوجود المطلق الذي انفرد به الله عز وجل.

          ومن يستطيع أن يؤمِّن الناس في الدنيا من خلال الإيجاد والإمداد والاستعداد، يكون هو المستحق وحده لاسم ( المؤمن ).

          هذا هو نوع إزالة الخوف عن الأحياء في الدنيا.

          أما الآخرة ، فالكلام عن إزالة الخوف فيها أيسر، إذ إن الأمور كلها قد صارت في الآخرة إلى خالقها وبارئها " ألا إلى الله تصير الأمور".

          وليس هناك من وسيلة تؤمن المرء من خوفه يوم القيامة، إلا أن يدخل الإنسان في حصن ربه فترة بقائه في الدنيا.

          وصدق الصادق المصدوق وهو ينقل عن ربه : "لا إله إلا الله حصني فمن دخل حصني فقد أمن من عذابي".

          ويتبين من هذا النص الجامع أنه لا أمان في الآخرة إلا بدخول حصن الله.

          وإذا تقرر كل هذا تبين لنا أن اسم الله ( المؤمن ) حين يطلق عليه تعالى إنما يعني القدرة على تأمين غيره من المخاوف بالإطلاق، ومن غير حدود أو موانع أو قصور.

حظ العبد من اسم الله ( المؤمن ) :ـ

          وبعد أن تبينت لنا حقيقة اسم ( المؤمن ) حين يطلق هذا الاسم على الله عز وجل ، فإنه يجب علينا طبقا لما قررناه ما عسى أن يكون للعبد من حظ من هذا الاسم.

          ولن يتضح حظ العبد من هذا الاسم إلا حين نعلم أن الله قد خلق العبد اجتماعياً بطبعه، مدنياً بفطرته، لا يستطيع أن يعيش وحده، وإنما لابد أن يكون وجوده في جماعة، بينه وبينهم علاقات متساندة، ومصالح متبادلة.

          وحين نعلم هذه الحقيقة وتستقر في نفوسنا، يمكننا أن نتصور أن العبد في علاقاته مع غيره من بني نوعه، يمكن أن نتمثلها على درجة من الرقي، بحيث يتوقع كل واحد من الآخر أن يدفع عنه شراً محتملاً ، وأن يحقق له خيراً مرجواً، ويمكن لنا كذلك أن نتصور العلاقة بين الناس على عكس ذلك، بحيث لا يأمن أحد المتجاورين شر الآخر ولا يرجو خيره.

          والمسلم الذي يعتقد أن لله اسماً من أسمائه الحسنى ، هو ( المؤمن ) ، ويريد أن يكون له حظٌ من هذا الاسم، فعليه أن تكون علاقته بالأغيار من بني نوعه على أساس أنه يحقق الخير لمن يرجوه منه، ويدفع الشر عن غيره على نحو ما يتوقعه منه، طاعة لله ولرسوله.

          ولعلنا نعرف أن هذا القدر من حظ العبد من اسم الله ( المؤمن ) هو ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحدث أمته وينصح لهم ويبين العلامات المصاحبة للمؤمنين من عباد الله.

          أخرج البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه، وأحمد من حديث : عن أبي شريح وعن أبي هريرة رضى الله عنهما بلفظ : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره " ، ومن حديث رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه ، عنه صلى الله عليه وسلم : " والذي نفسي بيده لا يُسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه ، ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه " ( أي غَشَمه وظلمه ).

          وهناك درجة أعلى من هذه الدرجة التي يحتلها المؤمن وهو يحقق في ذاته معنى هذا الاسم بقدر طاقته، وهذه الدرجة السامية هي أن المرء يأخذ بيد أخيه إلى طريق النجاة من النار يوم القيامة حتى يستقر به في جنات النعيم؛ وذلك لا يكون إلا بأن يقوم بإرشاد الأغيار من بني نوعه كي يفقهوا دين الله، ويعملوا في دنياهم على مقتضاه ، بعد أن يحقق ذلك في نفسه تحقيقاً يجعله ينطبع على سلوكه.

          وأطول الناس أعناقاً في هذا المجال هم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ممن أراد الله لهم أن يتحملوا أمر الدعوة إليه.

          وعلى هذا يمكن أن نفهم قول الله تعالى : " ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين * ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم * وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم " .

          والنبي صلى الله عليه وسلم يصور أصحاب هذه الفضيلة الذين قرأوا اسم الله ( المؤمن ) واستفادوا منه في محاولة تأمين أهل الآخرة ، تصويراً يرسم علاقته هو بأمته من هذه الجهة أصدق تصوير.

          روى الإمامان مسلم وأحمد عن جابر رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد ناراً ، فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها، وهو يذبّهن عنها، وأنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تفلتون من يدي" (والجنادب نحو الجراد والفراش وهو المعروف الذي يقع في النار).

          واللهَ ( المؤمن ) نسأل أن يؤمِّننا من الشر في الدنيا والآخرة ما علمنا من أسبابه وما لم نعلم ، وأن يهيأ لنا من الخير في الدنيا والآخرة ما علمنا من أسبابه وما لم نعلم.

          فهو ولي ذلك والقادر عليه.

* * *

                                د / طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة


تابع إذاعة القرآن الكريم                                             الحلقة ( 30 )

----------------------------------------------

الإيمان وأثره في المجتمع

من أسماء الله الحسنى ( المهيمن )

حقيقته وحظ العباد منه

ــ

          إن المهيمن اسم من أسماء الله الحسنى قد ورد به القرآن الكريم اسماً للذات العلية في قوله تعالى : " ... السلام المؤمن المهيمن".

          وقد ورد وصفاً للقرآن الكريم في نحو قوله تعالى في سورة المائدة : "وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه .. " .

          ولما كان هذا الوصف وما اشتق منه لم يستعمل في القرآن وفي لغة العرب إلا قليلاً، فقد شجعت هذه القلة في الاستعمال، وهذه الندرة في الورود، بعض العلماء على القول: إن هذه المادة (هيمن) ليست من لغة العرب، وإنما هي دخيلة عليها من السريانية.

          وهذا التوجه من بعض العلماء في الحكم على أصل هذه الكلمة لم يجد ارتياحاً عند كثير من العلماء، فكان عندهم قولاً مرجوحاً.

          وأما جمهورهم فقد رأوا أن هذه الكلمة ( مهيمن ) عربية المنشأ والاستعمال.

          ولكنهم ذهبوا إلى أن كلمة ( المهيمن ) لا ترتبط في العربية بفعل ثلاثي، إذ قصارى القول في هذا الاشتقاق أن نقول : إن الأصل فيه ( هيمن ).

          ولا بأس بعد ذلك أن نقول في حروفه أو بعضها : إنها ليست أصلية، إذ المهم أن ننصرف عن ذلك إلى بيان المعنى المراد الذي وُضعت بإزائه كلمة (المهيمن) أو الفعل الذي اشتقت منه هذه الكلمة ( هيمن ).

          وأصحاب الفقه في معاني الألفاظ قد انتهوا إلى أن المعنى الذي تدل عليه هذه الكلمة أو تلك ليس من المعاني البسيطة ، وإنما هو معنىً مركب ؛ فكل مشرف على كنه الأمر مسئول عنه حافظ له، فهو مهيمن عليه.

          فنحن نرى أن ( الهيمنة ، والمهيمن ) لا تُطلق إلا إذا دلت على احتواء الأمر، ومعرفة أحواله، والإشراف عليه إشرافاً تاماً.

          ونحن إذا تأملنا هذه العبارات المختصرة في تحقيق معنى ( المهيمن ) وجدنا أن معنا ثلاثة محاور: أو قل ثلاثة مجالات، يتحقق من مجموعها المعنى الذي تدل عليه كلمة ( المهيمن ) .

          وأول هذه المجالات أو تلك العناصر هو : الإشراف.

          والإشراف إنما نعني به : الاطلاع على الأشياء ، وإدراكها على وجهها، اطلاع المراقب الملاحظ لها من جميع نواحيها.

          فالمشرف على الأشياء بهذا المعنى لابد أن يكون محيطاً بأحوال كل شئ ظاهره وباطنه على السواء ، وهذا هو المجال الأول.

          أما المجال الثاني أو العنصر الثاني إنما هو : الاستيلاء.

          ومعنى الاستيلاء : السيطرة، والاحتواء، حيث يكون الشئ أو الأشياء واقعة تحت سيطرة من احتواها داخلةً في هذا المجال دخولاً تاماً .

          والمجال الثالث أو العنصر الثالث ، إنما هو : الحفظ .

          والحفظ معناه : دفع أسباب الهَلَكة عن الشئ، وجلب عوامل المنفعة له.

          ومن المعلوم بداهة أنه لا يكفي بالنسبة للأشياء إيجادها من العدم، وإنما لابد مع ذلك من منح هذه الأشياء استعدادات خاصة بها تتمكن من الاستفادة من عوامل بقائها.

          ولا يكفيها هذا الاستعداد، وإنما لابد مع ذلك من أن يكون لها روافد تمدها بالأسباب التي تنتفع بها، والعناصر التي تحافظ على بقائها واستمرار وجودها.

          وهكذا يتضح أمامنا أن هناك ثلاثة أبعاد تأتلف ولا تتناقض، وتجتمع لتذوب في تشكيل واحد، هو في الحقيقة المعنى الذي تدل عليه كلمة ( المهيمن ).

          وهذه المجالات الثلاثة باختصار هي : الإشراف ، والاستيلاء ، والحفظ.

          وكل واحدة من هذه الأشياء الثلاثة تعد بمفردها جزءاً من متعلقات صفة من الصفات، لكنها مجتمعة تكوِّن مدلول ( المهيمن ).

          ونحن إذا نظرنا إلى الإشراف بالمعنى الذي حددناه، لعلمنا أن مدلوله هو جزء من متعلقات العلم.

          وإذا نظرنا إلى الاستيلاء الذي هو السيطرة والاحتواء، لوجدنا أن مدلوله جزء من متعلقات القدرة.

          أما الحفظ الذي هو العنصر الأخير، فإن معناه في الحقيقة يعد جزءاً من متعلقات القوة العاقلة، أو المدِّركة.

          والجامع لهذه المعاني كلها اسمه ( المهيمن ).

          والمعاني التي تأتلف من هذه الأشياء الثلاثة تنقسم إلى قسمين :

          أحدهما : نسبي ، لا تستغرق دلالته الحقيقة كاملة.

          والثاني : مطلق أو حقيقي، وهو الذي تستغرق دلالته هذه المعاني كلها، لا يخطئه منها شئ.

          ونخلص من ذلك كله إلى أن اسم الله : ( المهيمن ) قد سمى الله به نفسه ليدل دلالة حقيقية على ما لله عز وجل على مخلوقاته من الإشراف، والسيطرة، والحفظ؛ فالله عز وجل هو ( المهيمن ) بمعنى القائم على خلقه بأعمالهم، وأرزاقهم، وآجالهم؛ ولم يجمع ذلك المعنى على الحقيقة إلا الله تعالى، ولذلك اختص الله به نفسه على نحو ما جاء في القرآن اسماً من أسمائه تعالى على نحو ما هو في خواتيم سورة الحشر، أو صفة من صفات القرآن الذي هو كلام الله على نحو ما ورد في سورة المائدة.

حظ العبد من اسم الله ( المهيمن ) : ـ

          ولا يجوز أن يمر الحديث عن اسم الله ( المهيمن ) من غير أن نبين حظ العبد منه،

          ولسنا في حاجة إلى تكرار التنبيه العام من أن كل اسم من أسماء الله تعالى هو دالٌ على كمالٍ من كمالاته سبحانه، وهذا الكمال إنما يضع العبد أمامه في بحبوحة من الهيبة والجلال بين يدي مولاه، تأخذ بيده في حالة من الترقي والسمو في علاقته بربه تزداد يوماً بعد يوم.

          وهذا تنبيه عام قد نحتاج إلى تذكير القارئ به كلما أحسسنا بطول العهد بيننا وبين هذا التنبيه طولاً يفرض علينا أن نكرره ونلفت النظر إليه.

          وكل اسم من أسماء الله بالإضافة إلى ما ذكرناه يفرض على العبد سلوكاً خاصاً ينبثق من استيعابه لهذا الاسم استيعاباً يدخله تحت مظلة التكليف بأن يتخلق كل واحد من عباد الله بأخلاق الله.

          وإذا أراد العبد أن يتخلق بأخلاق مولاه من خلال اسمه ( المهيمن ) ، فأمامه ميدانان يحقق من خلالهما هذه الغاية.

(1)      فهو يستطيع أن يحقق الهيمنة في ذات نفسه، هذه الهيمنة التي لها دلالتها على هذا المعنى ذي الثلاث شعب.

          فالمرء عليه أن يشرف على نفسه، ويتعرف على جميع أحوالها، ويستوعب دوافعه وغرائزه ورغباته، ويعلم ما يجب عليه أن يتجاوب معه على حسب الطبيعة التي خلقها الله فيها، ويعلم الحدود التي تصلحه، والتجاوزات التي تنحرف به عن الجادة.

          وهذا الإشراف على هذا النحو إنما يؤهل الفرد إلى بداية سلوك الطريق المستقيم.

          ثم هو بعد هذا الإشراف ، والعلم ، والمعرفة بخصائص نفسه ومتطلبات ذاته، لابد أن تكون له إرادة مرجحة ، وقدرة مسيطرة، وملكية تامة بقدر استطاعته لما يجب عليه أن يفعله ليصلح به نفسه، وليرقى به بين الناس، ولترتقي به علاقته بربه.

          وأول ما يجب عليه فعله في ذاته، هو أن يقوم قلبه بعمل ما يُفرض عليه من أمور الاعتقاد ، فيؤمن إيماناً كاملاً وفعالاً في نفس الوقت، بكل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم بلاغاً عن ربه ، ثم هو عليه بعد ذلك أن يحمل جوارحه أن تقوم جميعها بممارسة ما أمر به على مقتضى الأمر التكليفي ، ويحمل نفسه في نفس الوقت على أن تنقبض وتمتنع عن كل ما نهى الله عنه على مقتضى النواهي التي جاءت بها الشريعة.

          وعلى العبد مع كل ذلك أن يحمل ذاته بكمالها على أن تفعل الخير، وتمارس كل عمل خلقي بمقتضى مَلَكة في النفس، يصدر عنها الفعل الخلقى بيسر وسهولة، من غير حاجة إلى شئ من التروي أو التفكير على ميزان ما يقول الناس: إنه دراسات الجدوى.

          ولقد اختصر الله ذلك كله في عبارة موجزة خبرية حين قال : " إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ... ".

          وأنت إذا تأملت في المعطوف والمعطوف عليه من هذه الجملة الإلهية لعلمت أنها مطابقة لما ذكرناه.

          وجزاء الذين يحاكون اسم الله ( المهيمن ) ويحققونه في ذواتهم أنهم "تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلاً من غفور رحيم".

          وهذا القدر من التخلق بأخلاق اسم الله ( المهيمن ) متاح للسواد الأعظم من عباد الله.

          وهناك نوع آخر من التخلق بهذا الاسم لا يطيقه إلا من اتسعت آفاقهم في مجال علاقتهم بالله والناس.

(2)      وهذا الصنف من عباد الله عليهم أن يتوجهوا بالإشراف والعلم والاستيعاب لأحوال الكافة خارج نفوسهم بمقدار ما يستطيعون ، فيدركون منهم ما يصلحهم وما يضرهم، ويرغبون في تحصيل أسباب إصلاحهم، وتخليصهم من الأشياء التي تسؤوهم.

ثم هم بعد هذا الإشراف يكونون قادرين على حمل غيرهم على أن يسلكوا طريق الخير ويتجنبوا طريق الشر طبقاً للشريعة الإسلامية، ثم هم يمدونهم بما يحتاجون إليه في هذا المجال من العلوم والمعارف الشرعية، وإزاحة المعوقات من طريقهم حتى ينتهي بهم المطاف إلى السعادة في الدنيا والفوز في الآخرة.

والذين تخلقوا بأخلاق الله في اسمه ( المهيمن ) على هذا النحو، ربما نجد الإشارة إليهم في قوله تعالى : "ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين".

وحظ العبد من اسم الله ( المهيمن ) قد أشار إليه الإمام أبو حامد الغزالي في هذه العبارة الموجزة.

حيث قال : [ كل عبد راقب نفسه حتى أشرف على أغواره وأسراره واستولى مع ذلك على تقويم أحواله وأوصافه وقام بحفظها على الدوام على مقتضى تقويمه، فهو مهيمن بالإضافة إلى قلبه ].

          فإن اتسع إشرافه واستيلاؤه حتى قام بحفظ عباد الله على نهج السداد بعد إطلاعه على بواطنهم وأسرارهم بطريق التفرس، والاستدلال بظواهرهم كان نصيبه من هذا المعنى أوفر حظاً وأتمه ].

* * *

                                د / طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة

 

 


تابع إذاعة القرآن الكريم                                             الحلقة ( 31 )

----------------------------------------------

الإيمان وأثره في المجتمع

من أسماء الله الحسنى ( العزيز )

حقيقته وحظ العباد منه

ــ

ما أعظم الشرف الذي حظيت به اللغة العربية.

وما أعظم الكرامة التي منحها الله عز وجل للعرب أولاً ،  وللعالمين أجمع فيما بعد.

لقد شرفت اللغة العربية حين اختارها الله عز وجل ليُنزل بها كلامه، ولتحتفظ بالوثيقة الوحيدة في العالم التي تضم كلام الله كما أُنزل.

ولقد شرفت اللغة العربية كذلك حين تحدث بها النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبلغ عن ربه وحيه.

أما العرب فقد شرفوا بنسبة اللغة إليهم، كما شرفوا بأن أرسل الله فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ويعلمهم ما لم يكونوا يعلمونه.

واسم الله ( العزيز ) الذي هو أحد أسمائه الحسنى يدل على جانب من جوانب الشرف الذي أضفاه الله على اللغة العربية فرفع به قدرها، وقدْر المتحدثين بها، فقال يخاطبهم ويخاطب نبيهم " وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون ".

وعلماء اللغة وعلماء العقائد جميعاً قد استفادوا من تشريف الله لهذه اللغة.

واسم الله ( العزيز ) دليل قاطع على هذه الاستفادة من تلك اللغة المشرفة.

فإذا أراد المرء أن يقف على اتساع دلالة اللغة، لتسع حظاً من معاني اسم الله ( العزيز )، فما عليه إلا أن ينظر إلى تصاريف الفعل الذي أُخذ منه هذا الاسم، وهو : ( عَزَّ ).

وما على المرء إلا أن يقف فقط عند زمانين من الأزمنة ، هما : الماضي، والمستقبل، حين يدل عليهما تصريف الفعل : ( عَزَّ ).

فأذا أخذنا الفعل المضارع وهو يدل فيما يدل عليه على المستقبل؛ إذا أخذنا المضارع بكسر العين وقلنا : ( عَزَّ ـ يَعِزُّ ) فإن الموصوف بالعزة من هذا الفعل الذي جاء بكسر العين في المستقبل يكون معناه : المنفرد بالعزة الذي يقل نظيره أو شبيهه.

وإذا أخذنا المضارع الدال على المستقبل من الماضي ( عَزَّ ) وجعلناه بضم العين (يَعُزُّ ) ؛ فإن اسم العزيز منه يكون معناه : القاهر الذي لا يُقهر، والغالب الذي لا يُغلب.

أما إذا أخذنا المضارع من الماضي، وجعلنا المضارع بفتح العين ( عَزَّ ـ يَعُزُّ ) فإن اسم العزيز منه في هذه الحال يكون معناه : ( الشديد القوي ).

ونحن إذا نظرنا في القرآن الكريم ، ونحن على وعي بتصاريف اللغة، أحسسنا بهذه المعاني من خلال سماعنا لكلام ربنا، ومن خلال تأملنا فيه.

إننا إذا نظرنا وتأملنا في قوله تعالى : " إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب " ( ص : 23 ) ، فلن نجد لكلمة ( عزني ) من معنىً إلا هذه القوة وتلك الغلبة، ولن يكون ذلك إلا من الفعل ( عَزَّ ـ يَعُزُّ ).

أما إذا نظرنا وتأملنا في قوله تعالى : " ... إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون " ( يس : 14 ) ، فإننا لن نجد معنىً لهذا الفعل ( عززنا ) إلا أن يكون هذا المعنى هو : التقوية والتعضيد والمساندة، ولن يكون المضارع منه والحالة هذه إلا ( عز ـ يَعَزُّ ) بفتح العين في المضارع.

هذه هي اللغة العربية التي تمتلئ امتناناً على أمة العرب بما حباها الله عز وجل بتلك الخواص التي حدثناك عنها سلفاً.

وعلماء العقائد على كل حال ليسوا بمعزل عن هذه اللغة التي نزل بها القرآن الكريم ، وإنما هي ملؤ أبصارهم وبصائرهم يستعينون بمعانيها على فهم ما يريدونه من آي القرآن الكريم، ومن مصادر الشريعة المطهرة.

فإذا أردنا استناداً إلى ذلك الذي ذكرناه أن نفهم دلالة اسم الله ( العزيز ) فإننا نرى العلماء قد نصوا على أن اسم الله ( العزيز ) لا يُفهم إلا بعد أن نستوعب ثلاثة عناصر تتكامل ولا تتنافر ، تأتلف ولا تختلف، ويكون من تكاملها وائتلافها هذا المعنى العام الذي يدل عليه اسم ( العزيز )الموافق للغة والموافق للتقديس على السواء.

وهذه العناصر الثلاثة هي : أن ( العزيز ) هو الذي يقل وجود مثله.

وأن ( العزيز ) هو الذي تشتد الحاجة إليه.

وأن ( العزيز ) هو الذي يصعب الوصول إليه.

والمعنى الملتئم من هذه العناصر الثلاثة هو :

أن ( العزيز ) من يعز نظيره ، وتشتد الحاجة إليه، ويصعب الوصول له.

وهذه العناصر الثلاثة التي تكوّن منها هذا المعنى العام، يكون كل واحد منها نسبيا ومطلقا.

فإذا قلنا : إن ( العزيز ) من يقل نظيره ، يكون معنى قولنا هذا : أن له نظيرا، لكن على ندرة، لا يشهد منها العصر إلا الآحاد بعد الآحاد.

أما المطلق من دلالات هذا الاسم على هذا الجانب، فإن ( العزيز ) إنما يعني أنه : هو الواحد الذي لا يتكرر في الوجود الفعلي ويستحيل تكراره في العقل.

وإذا قلنا : إن ( العزيز ) هو من تشتد الحاجة إليه، فإن النسبي من هذا المعنى هو : أن يكون لبعض المخلوقين اختصاص يجعل بعض حاجات الناس إليه في الدنيا، أو في إرشادهم إلى طريق الآخرة.

وأعلى هذه المراتب تكون للأنبياء والمرسلين.

أما المطلق من هذا المعنى : فهو أن تتجمع حاجات الناس إلى واحد يحتاجون إليه في إيجادهم ، ويحتاجون إليه في إمدادهم بأسباب الوجود، ويحتاجون إليه في استفادتهم من الأسباب التي أتيحت لهم حفاظاً على وجودهم.

وهذا النوع من الاحتياج لا يقوم بتلبيته إلا واحد هو : ( الله ).

هذا في الدنيا.

أما في الآخرة : فإن احتياج الخلائق يمكن تلخيصه في رغبتهم في النجاة من النار ودخولهم الجنة بعد نجاتهم من أهوال يوم القيامة، والأهوال التي تكون بين يدي الساعة.

وهذا أمر يختص به الواحد الذي لا إله غيره.

وبهذا الاختصاص يتحقق له هذا المعنى بالإطلاق.

وإذا قلنا : إن ( العزيز ) هو من يصعب الوصول إليه، كان هذا المعنى بين النسبي والمطلق.

فالنسبي من هذا المعنى يكون الوصول إليه ممكناً عقلياً، غير أنه إما أن يكون متعذراً أو متعسراً ، لكن إذا اصطُنعت الأسباب إلى الوصول إليه بعد توفرها، أمكن الوصول إليه ؛ من أجل ذلك كان هذا المعنى نسبيا.

أما المطلق : فهو أن الوصول إلى ( العزيز ) أمر يحيله العقل، ويؤكد الواقع أنه لم يحدث.

فالخلائق لا يملكون نفع الله فينفعونه، ولا يملكون ضرَه فيضرونه.

فهو ( العزيز ) المطلق لا إله إلا هو .

وهذه المعاني الثلاثة قد تجتمع نسبياً لبعض الخلائق، وقد يجتمع للبعض الآخر شيئ منها.

غير أن اسم الله ( العزيز ) إنما يدل على هذه المعاني مجتمعة، وعلى وجه الإطلاق لله رب العالمين ، فاستحق وحده أن يكون هو : ( العزيز ).

ويبقى أن نشير هنا إلى معنىً رابع لا علاقة له بالمعاني الثلاثة إلا أن يكون شائعاً فيها ؛ وهو في نفس الوقت مُستفاد من بعض تصاريف اللغة.

انظر إلى هذه الصياغة على هذا الوزن ( عَزِيز ) وسترى للوهلة الأولى أن ( العزيز ) الذي اجتمعت له هذه المعاني الثلاثة هو وحده القادر على أن يمنح غيره العزة النسبية، حيث كانت العزة المطلقة لا توجد إلا له سبحانه.

وحين نتأمل جميع ما ذكرناه نستطيع أن نقول مطمئنين لما نقول واستنباطاً منه :

إن ( العزيز ) بالمعنى الأول ( المنفرد الذي لا يوجد نظيره ) إنما يرجع إلى التنزيه.

وإن ( العزيز ) بالمعنى الثاني ( الغالب الذي لا يُغلب ) والمعنى الثالث (وهو الذي يستحيل الوصول إليه) إنما يرجع إلى بعض صفات الذات (وهي القدرة).

وإن ( العزيز ) بالمعنى الرابع ( الذي هو مانح العزة لغيره ) إنما يرجع إلى صفات الفعل.

فسبحان الذي عز نظيره.

وسبحان الذي لجأت الخلائق إليه في قضاء حوائجها.

وسبحان الذي استحال الوصول إليه.

وسبحان الذي منح العزة النسبية لغيره.

فهو العزيز وحده.

حظ العبد من اسم الله ( العزيز ) : ـ

          إن العبد المسلم هو ذلك العبد الذي يديم التأمل في علاقته بربه، فينحي عن هذه العلاقة ما يضرها ولا يصلحها، ويجلب لهذه العلاقة ما يثريها ويرتفع بشأنها.

          واسم الله ( العزيز ) مجال واسع يدخل الإنسان فيه فيجد اللهُ عنده فيعينه ويصلحه ويقويه.

          ولا يجوز للمرء أن يتعامل مع اسم الله ( العزيز ) تعاملاً عشوائياً ، وإنما عليه أن يستوعب معناه، ثم يحاول أن يحققها في ذاته شيئاً فشيئاً .

          فإذا علم من معاني اسم الله ( العزيز )أنه : واحد لا نظير له، وجب عليه أن يجعل هذا القدر جزءاً من اعتقاده، فيعلم أن الله منزه عن الشبيه والنظير.

          وإذا علم من اسم الله ( العزيز ) أنه : القاهر الذي لا يُقهر، والغالب الذي لا يُغلب ، أدخل هذا المفهوم كذلك في اعتقاده.

          وإذا علم من اسم الله ( العزيز )أنه : المعضد ، والمقوي، فإنه يجب عليه أن يدخل ذلك فيما ينعقد عليه قلبه.

          وإذا أدرك هذه المعاني مكتملة وأدخلها في لحمة عقيدته وسداها، فإنه يجب عليه عمليا أن يتعلق بـ ( العزيز ) الذي هذا اسمه ، ولا يُخضع نفسه إلا لله وحده.

          ولقد تقرر قديماً أن من أذل لسانه وجوارحه لغير الله طمعاً فيما عند المخلوق فقد ضيع ثلثي دينه، فإذا ضم إليهما القلب يخضعه إلى المخلوق فقد ضيع دينه كله، ذلك أن الدين اعتقاد بالقلب يعبر عنه المرء باللسان، ويترجمه عملياً بالجوارح، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل.

          وإذا تعلق المرء بربه منحه بحكم اسمه ( العزيز ) العزة ، يراها الناس منه فلا ينكرونها؛ وذلك تحقيقاً للنص الكريم " ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين " .

          ولقد حكى التاريخ في جانب من جوانبه الاجتماعية أن رجلاً تقدم بين يدي هارون الرشيد فأمره بالمعروف طامعاً في ثواب ربه ، فغضب هارون عليه ، وقال لأحد شرطته : إن هذا الرجل له بغلة سيئة الخلق، أليس كذلك ؟ فقال الشرطي: بلى، فقال : اربطوه معها تدوسه بالأقدام فيفقد حياته، فلما أصبح وجدوا أنها لم تضره، فأخبروا هارون، فقال : أدخلوه في بيت وأغلقوا الباب ، وأحكموا إغلاقه، فوجدوه بعد ذلك في بستان يأكل منه ، فأحضروه إلى هارون، فقال له : من أخرجك من البيت ؟ قال : الذي أدخلني في البستان، قال ومن أدخلك البستان ؟ قال : الذي أخرجني من البيت ، فاتعظ هارون اتعاظاً شديداً ، وطلب من أحد عماله وموظفيه أن يأتي له بمركب فاره ويطوف به في المدينة وهو يقول : هذا عبد من عباد الله أراد هارون أن يذله فمنعه ربه وأعجز هارون.

          هذه أمور كلها تتصل بجانب من جوانب الاستفادة من اسم الله (العزيز) وهو جانب التعلق بهذا الاسم.

          ويبقى للمرء جانب آخر وهو التخلق بمعاني هذا الاسم قدر الطاقة.

          والتخلق باسم الله ( العزيز ) يحتاج إلى إرادة قوية، إذ إنه يجب عليه أن يجتهد في التزامه بهذا الدين عقيدة وشريعة وعلما، حتى يراه الناس وقد عز نظيره، وقل شبيهه، وهو مع ذلك لا ينقطع عن الدنيا، بل يتخذ له منها مكانة اقتصادية واجتماعية، حتى يجد الناس وقد التجئوا له يقضي لهم حوائجهم، دون أن يتعالى أو يتكبر عليهم، ودون أن يلتفت إلى أذاهم.

          قالوا للإمام الجنيد رحمه الله : إنك تكون في مصالح الناس وهم يؤذونك ، فهلا قبضت يدك عن قضاء مصالحهم ؟ قال الجنيد في حزم حازم ودقة بالغة : إني حين أخف لقضاء مصالح الناس لم أفعل ذلك لهم رجاء أن يكرموني، أو رجاء أن يكفوا عني أذاهم، وإنما أنا أفعل ما أفعل تحقيقاً لمرضاة ربي، وربي يسارع في إكرامي.

          ثم إن العبد الذي يريد أن يتخلق باسم الله ( العزيز ) يجب عليه أن لا يكون في لهو الناس ولعبهم، وإنما يترفع عنهم حتى يكون الوصول إليه صعب المنال.

          يبقى أن نقول للعبد الذي يريد أن يتخلق باسم الله ( العزيز ) إنه يجب عليك وعلى أمثالك أن تمنحوا شيئاً من قوتكم للضعفاء من البشر فتعينوهم على ما عجزوا عن حمله، وقعدت بهم قدراتهم عن أدائه وفعله، فتحملوا منهم الكلَّ ، وتعينوا المُبْتَلى على نوائب الحق، وتساعدوا المظلوم في الحصول على حقه ورد مظلمته .. إلى آخره.

          وهكذا يرى العبد نفسه أمام اسم الله ( العزيز ) وقد تعلق به مهابة وعملاً.

          كما يرى نفسه أمام اسم الله ( العزيز ) وقد استفاد منه سلوكاً وخلقاً .

          وأول درجات الناس في الاستفادة من اسم الله ( العزيز ) على هذا النحو هم : الأنبياء والرسل ، ثم الذين يلونهم من الصحابة، ومن الصديقين، ومن العلماء، ومن الأبرار الأطهار.

          نسأل الله أن يكون لنا من هذا الاسم نصيب يقربنا من باحة الرضى والرضوان، فهو ولي ذلك والقادر عليه.

* * *

                                د / طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة

 


تابع إذاعة القرآن الكريم                                             الحلقة ( 32 )

----------------------------------------------

الإيمان وأثره في المجتمع

من أسماء الله الحسنى ( الجبار)

حقيقته وحظ العباد منه

ـ

          ومن أسماء الله الحسنى ( الجبار ).

          وهذا الاسم قد نص عليه القرآن الكريم في قوله تعالى : " العزيز الجبار".

          و ( الجبار ) كلمة من مفردات اللغة العربية، شاء الله عز وجل أن يضعها واضعوها، لكي تدل على معانٍ متعددة يحددها السياق.

          فإذا وضعت كلمة ( جبار ) بين كلام سابق وكلام لاحق،  (وهذا هو السياق) ظهر المعنى المراد منها جلياً واضحاً.

          غير أن القرآن الكريم حين نص على ( الجبار ) لتكون اسماً من أسماء الله تعالى، لم يذكرها في سياق من الكلام يحدد لها معنىً جزئياً من معانيها التي تدل عليها عندما يتم إيرادها في مواقف متعددة :

(1)  ومن المعاني التي وُضعت لها هذه الكلمة لتدل عليها، هو أن تكون كلمة (الجبار) دالة على نوع من ( العِظَم ، وضربٍ من الشموخ ) ولكل موجود من الموجودات التي تُطلق كلمة (الجبار) وصفاً له، طبيعته التي يمكن حمل العِظَم عليها.

فالنخلة جبارة، بمعنى أنها قد أُعطيت من طول الجذَع ما يجعلها ترتفع فوق الأيدي لا تنالها الأكف، ولا تعتدي على ثمرتها الأصابع، إلا بضرب من الحيل ونوع من المجهود.

والرجل يكون جباراً ، إذا أُعطى بسطة في الجسم والعلم وامتيازاً فوق أقرانه من الصفات البشرية التي تُناط بها القوة والعظمة.

ومن ذلك قوله تعالى في بعض المشاهد التي تم فيها الحوار بين موسى وقومه : " قالوا يا موسى إن فيها قوماً جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون " .

وقد ذكر بعض المفسرين وعلماء السلالات أن الجبارين في هذه الآية هم بقية من بقايا قوم عادٍ .

والفرس يكون جباراً إذا كان هيكله مشرِّفاً.

والناقة تكون جبارة إذا عظمت وسمنت.

وعلى الجملة ، فإن كلمة ( جبار ) تُطلق ويراد منها العظمة والشموخ في كل شئ بحسبه.

هذا في المخلوقات.

أما أن تُطلق كلمة ( جبار ) اسماً لله عز وجل ويراد منها هذا الجانب من المعاني، فهو يفيد : أن الله عز وجل هو ( الجبار ) بحيث لا تناله الأفكار فتحصره، ولا تناله الأبصار فتحيط به ، ولا تصل إلى كنه عزه وحقيقة عظمته عقول العقلاء، ولا وهم الواهمين ، ولا خيال المتخيلين ، إذ كل ما يدركه المخلوق من هذا الكمال فالله منزه عنه، على نحو ما رأينا في اسمه ( القدوس ).

وإذا أدركنا هذا المعنى في اسمه ( الجبار ) علمنا ولا شك أن ( الجبار ) بهذا المعنى يعد صفة من صفات التنزيه.

(2)  ومن المعاني التي وُضعت لها هذه الكلمة لتدل عليها، هو أن تكون كلمة (الجبار) دالة على نوع من ( الإصلاح والتقويم )؛ فيكون ( الجبار ) حينئذٍ هو المصلح للأمور.

          والأمور منها ما هو مادي محسوس تدركه الحواس.

          ومنها ما هو معنوي لا تدركه الحواس الظاهرة : كالعوامل النفسية وغيرها.

          و ( الجبار ) مبالغة في اسم الفاعل ( جابر ) .

          و ( الجابر ) هو الذي يتولى الإصلاح في كل شئ.

          فهو  الذي يجبر الخلل في الطبيعة فيقوِّم ما اعوج منها، ويعيد الالتئام إلى ما انكسر من الأشياء.

          وهو الذي يجبر الخلل في النفوس والمعنويات : كأن يعيد الثقة إلى نفس من فقدها بسبب اضطهاد أو مرض أو ظلم، أو وضعٍ اجتماعي حكم على بعض الناس بالدونية، ورفع عليهم آخرين.

          وحين تكون ( الجبار ) صيغة مبالغة .

          فاللائق بالله عز وجل حين تكون اسماً له أن يكون هو المصلح بإطلاقه، نظراً لطلاقة قدرته، ولعموم إرادته، ولشمول علمه.

          و ( الجبار ) بهذا المعنى إذا أطلق اسماً لله سبحانه وتعالى، يكون راجعاً إلى صفة من صفات الفعل.

(3)  ومن المعاني التي وُضعت لها هذه الكلمة لتدل عليها، هو أن تكون كلمة (الجبار) دالة على نوع من أنواع الإجبار أو الإكراه.

          وإذا أردنا أن يكون هذا المعنى أكثر وضوحاً ، فإنه بإمكاننا أن ننظر إلى حركة الكون كله سواء كانت حركة أكوان لا إرادة لها، أو كانت حركة أحياء تتحرك في المكان بإرادتها واختيارها، وهذه الحركات تنقسم على الجملة إلى هذين القسمين، أعني الحركة الإرادية، والحركة غير المرتبطة بالإرادة.

          والحركة غير الإرادية ، الله عز وجل هو الذي يحدثها فيكون هو سببها المباشر.

          وهذه لا تحتاج منا إلى مزيد بيان.

          والقسم الثاني من أقسام الحركة هو هذه الحركة الاختيارية القائمة على نوع من الاختيار بين البدائل التي يقصد إليها المُحرِّك ، أو المُتحرك ، فيختار منها ما يشاء.

          وهذا النوع من الحركة هو الذي يحتاج منا إلى التنبيه عليه، إذ إن القدرة على الاختيار بين البدائل، إنما وضعها الله في المكلِّف لتكون أساساً وقاعدة لصحة التكليف القائم على الإلزام والمسئولية والجزاء.

          ومهما رأينا في أدبياتنا وموروثاتنا من جدل حول علاقة الله عز وجل بالحركة والمحرك من هذا النوع، فإن النصوص الشرعية قاطعة بأن الله سبحانه وتعالى مسيطر ومهيمن على كل شئ في الكون، بحيث لا يقع فيه إلا ما يريد، إذ ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن .

          إذا علمنا هذا على أساس من هذه البساطة التي عرضناه بها فهمنا ولا شك هذا المعنى الثالث لكلمة ( الجبار ).

          فـ ( الجبار ) بهذا المعنى الثالث الذي أشرنا إليه إذا وضعت اسماً من أسماء الله تعالى ؛ فإنها تكون من الجبر والتوجيه، ويكون الله عز وجل ( جباراً ) بمعنى أنه يوجه كل حركة في الكون لتقع وفق إرادته ، ومنسجمة مع علمه.

          ولا بأس بعد ذلك عند علماء اللغة أن يكون الفعل الذي أُخذت منه كلمة (جبار) هو : (جبر) الثلاثي ، أو ( أجبر ) الرباعي.

          وهذا المعنى الثالث الذي انتهينا إليه لكلمة ( الجبار ) إنما هو كسابقه يرجع إلى صفة الفعل.

          وخلاصة القول أن اسم الله ( الجبار ) يطلق ليدل على هذا المعنى المركب ذي الشمولية والإطلاق.

          إذ ( الجبار ) هو : العظيم الذي بلغ من عظمته أنه ترفع عن كل كمال يدركه المخلوقون بأبصارهم أو عقولهم، أو أخيلتهم، أو أوهامهم، وهو في نفس الوقت قادر على إصلاح كل ما يحتاج إلى إصلاح، مهيمن على كل حركة، بحيث لا يقع في مُلكه إلا ما يريد.

          والإمام أبو حامد الغزالي ، قد سيطر على هذه المعاني بعبارات موجزة حين قال : ( الجبار ) هو الذي تنفذ مشيئته على سبيل الإجبار في كل أحد ولا تنفذ فيه مشيئة أحد، والذي لا يخرج أحد عن قبضته وتقصر الأيدي دون حمى حضرته، فـ ( الجبار ) المطلق هو الله تعالى فإنه يجبر كل واحد ولا يجبره أحد ولا مثنوية في حقه في الطرفين.

حظ العبد من اسم الله ( الجبار ) : ـ

          إن المتأمل يستطيع أن يقف على حظ العبد من اسم الله ( الجبار ) لو أنه تأمل أمرين :

          أحدهما : حقيقة اسم الله ( الجبار ).

          وثانيهما : طبيعة الإنسان التي فطره الله عليها، والتي تميزه عن غيره من سائر الخلائق.

          أما المحور الأول : وهو معرفة العبد لحقيقة اسم الله ( الجبار ) ، فقد تبين لنا : أن ( الجبار ) حين يُطلق على الله عز وجل اسماً من أسمائه ، فهو يعني هذه العظمة الإلهية التي لا يبلغها أحد، ولا ينالها مخلوق، فكان الله منزهاً عن الشريك في تلك العظمة ، كما هو منزه عن الشريك في غيرها، كما تبين لنا : أن ( الجبار ) حين يطلق على الله عز وجل، فهو يعني أن الله قد انفرد بإصلاح الكون والأحياء، وسائر المخلوقات انفراداً تاماً ، بحيث يلجأ إليه كل مخلوق يحتاج إلى هذا الإصلاح في الدنيا وفي الآخرة، كما أن اسم الله ( الجبار ) يطلق ويراد منه : أن الله عز وجل قد خلق الكون والحياة، ولم يخلقهما عبثاً، ولم يخرجهما من قبضة قدرته، ورحابة إرادته، فكل ما وقع في الكون فهو بقدرته المرتبة على مشيئته، وما لم يقع في الكون فإنه لم يقع إلا لأن الله لم يشأ وقوعه، ولم يُردْ حصوله.

          والعبد المؤمن بعد أن يدرك هذه المعاني كلها من اسم الله ( الجبار ) فإنه يكون من ضعف التفكير، وخطل الرأي أن يلجأ إلى غير ربه، وأن يدخل إلى حمىً دون حماه، وأن ينصاع طائعاً عابداً لغير إرادته ومشيئته.

          والعبد حين يكون كذلك يجد نفسه وقد أصبح جباراً في أعين الناس، عالياً عزيزاً في عين نفسه فيعيش حياته عالي الرأس مرتفع القامة، فإذا أقبل على ربه في يوم الحشر، كان من الذين ابيضت وجوههم، وكان من الذين حكم الله لهم بأنهم في رحمة الله هم فيها خالدون.

          وأما المحور الثاني من هذين المحورين ، وهو المحور الذي يقوم على معرفة الإنسان لطبيعته التي خلقه الله عليها، فهو محور مهم؛ وما ذلك إلا لأن الله سبحانه وتعالى قد خلق الإنسان على نسقٍ من التكريم يميزه عن سائر المخلوقات، وعلى مستوً من التفضيل لا يحول بينهم وبين أن يرتقي الواحد منهم إلى أرفع الدرجات، وهذا الرقى وذلك التفضيل يحتاجان من الإنسان إلى أن يرتبط بهذا المنهج الرباني الذي كلف الله به رسله ليبلغوه إلى عباده كي يرتقوا على أساسٍ منه، وكي يصعدوا إلى العلا مصطنعين أسبابه، ومتخذين من هذه الأسباب الوسيلة إلى الله.

          والمرء حين يتصور طبيعته وفطرته والمنهج الذي يرقى على أساس منه، يجب عليه أن يتخذ سبيله إلى فهم منهج ربه والتعبد من خلاله.

          فهو يجب عليه أولاً أن يتعرف على العقيدة الصحيحة، وأن يثبتها في قلبه بعد أن يقتلع من فؤاده كل سبب يؤدي إلى شائبة الشرك.

          ثم هو إذا انتهى من ذلك عكف على الشريعة فيما فيها من أوامر ونواهي، فاستجاب إلى الأوامر بقدر استطاعته، واستجاب إلى المنهيات فترفع عنها ترفعاً تاماً.

          ثم يبقى للمرء بعد ذلك أن ينظر في قسم الأخلاق فيتعرف على الخير والشر، والحسن والقبيح، والفضيلة والرذيلة، وهو في كل ذلك يزن معارفه في هذا المجال على ميزان الشعرة الدقيق، وهو ميزان لا يجده المرء إلا في موازين الشرع.

          ولو أن المرء أرسى قواعد العقيدة في نفسه، واتبع ما تفرع عنها من التزام بنظامي الشريعة والأخلاق، وجد نفسه قد قطع شوطاً كبيراً، وبذل مجهوداً عظيماً، ربما لا يقدر على مثله إلا الواحد بعد الواحد، فـ" ما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ". وقد حكم الله عز وجل أن المرء الذي يتبع منهج الحق، ويسير على هدى ربه، فإن الله يقول له مبصراً " وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله " .

          ومن خلال خطاب الله لعباده الصالحين، يجب أن يعلم المسلم من خلال تدبره لاسم الله ( الجبار ) ، أن كل نظام يضحي بالمجموع في سبيل الواحد بدعوى أن الحكم مرتبط بالحرية أو الفوضى، غيرُ ذي بال، كما يجب أن يعلم المسلم المتأمل في اسم الله ( الجبار ) أن كل نظام يضحي بالفرد في سبيل الجماعة يكون نظاماً فاقداً لقيمته.

          إن الديمقراطية التي تحكم بالأغلبية مهما كانت معالم خطواتها على طريق العدالة، وتسحق الأقلية، نظامٌ فاشل.

          وإن الشيوعية التي تحكم للجماعة مهما كانت ضوابط خطواتها على الطريق، ثم تسحق الأفراد في رصف مستمر تحت أقدام الجماعة، نظامٌ مارق.

          إن من يتأمل في اسم الله ( الجبار ) يجد أن معيار التقويم والتقدير إنما هو الالتزام بالمنهج، وتحويله إلى واقع يمشي على الأرض ويتحرك في جنباتها.

          فإذا أراد المرء بعد هذا البيان أن يستفيد من اسم الله ( الجبار ) ويتخلق بمعانيه، فإنه يجب عليه أن يسلك إلى هذا الهدف ذلك الطريق الصعب، فإذا فعل ذلك كان في محل القدوة النسبية، لا تطاله الأيدي، وتقصُر دون مهمته الأفعال ، فيكون (جباراً) لتفرده.

          ثم هو في نفس الوقت جعل حاجة الناس إليه، وحاجته هو إلى ربه، فهم يسألونه ولا يسألهم، ويحتاجون إليه ولا يحتاج إليهم، وهو لا يتكبر عن أن يصلح من شأنهم، ويرشدهم إلى ما يحتاجون إليه في الدنيا وفي الآخرة، فتعلو مكانته بينهم، إذ الناس يقدِّرون من تكون حاجتهم إليه، ويزدرون من تكون حاجته إليهم (فتأمل).

          يبقى أن نقول : إن الإنسان الذي حرص على أن يرقى بنفسه فوق السفاسف، وإن الإنسان الذي حرص على إصلاح الناس وجعل حاجتهم إليه، يكون بذلك شخصية متميزة، أو كما يقولون : إنه يكون شخصية فذة قيادية، يأمر فيُطاع، ولا يأمره غيره، ويسير إلى مقاصده فيُتبع ولا يتبع غيرَه.

          والمرء الذي يكون على هذا النحو يوصف بأوصاف :

          أولها : أنه يكون قدوة يقلده الناس على طريقه، ويسيرون خلفه على دربه، وينجذبون إليه في سلوك سبيله، ويبقى هو متقدماً عليهم متميزاً بينهم.

          وإنه يكون ( سيداً ) ؛ فما السيد إلا هذا الرجل الذي تميز بين قومه بمكونات شخصيته، والذي تميز بين أقرانه بأنه يقول فيسمع له، وأنه يأمر وينهى فلا يُرد له نهيٌّ ولا يَعصَّى أحد له أمراً .

          وإنه يكون ( وجيهاً ) في قومه، إذا أقبل عليهم بوجهه شافعاً قبلوا شفاعته، وإذا أقبل عليهم طالباً سارعوا في تلبية طلبه.

          وإنه يكون ( جباراً ) لتميزه ، ولاهتمامه بشئون الناس ، ولشخصيته القيادية.

          والذي حاز قصب السبق في هذه المجالات كلها، إنما هو سيد الخلق، وأكمل البشر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، فهو القدوة ، حيث وضعه الله في محل القدوة ووجه الناس إلى الاقتداء  به " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا " .

          وهو ( السيد ) الذي وجبت طاعته بعد طاعة ربه، حيث أخبر الله عز وجل عن مكانته تلك ليعلمها الناس حين قال: " ... أنا سيد ولد آدم ولا فخر".

          ثم تأتي بعد مرتبة النبي صلى الله عليه وسلم مرتبة الصحابة الأطهار، ثم مراتب المسلمين بعد ذلك على حسب رعايتهم لأنفسهم ونوالهم من المنهج الرشيد.

          هكذا تكون الاستفادة من اسم الله ( الجبار ).

          يقول الإمام أبو حامد الغزالي رضى الله عنه وأرضاه :

          [ ( تنبيه ) : الجبار من العباد من ارتفع عن الاتباع ونال درجة الاستتباع، وتفرد بعلو رتبته بحيث يجبر الخلق بهيئاته وصورته على الاقتداء به ، ومتابعته في سمته وسيرته، فيفيد الخلق ولا يستفيد، ويؤثر ولا يتأثر، ويستتبع ولا يتبع، لا يشاهده أحد إلا ويفنى عن ملاحظة نفسه، ويصير متشوقاً إليه غير ملتفت إلى ذاته، ولا يطمع أحد في استدراجه واستتباعه، وإنما حظى بهذا الوصف سيد البشر صلى الله عليه وسلم حيث قال : " لو كان موسى حياً ما وسعه إلا إتباعي وأنا سيد ولد آدم ولا فخر"  ] .

* * *

                                د / طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة


تابع إذاعة القرآن الكريم                                             الحلقة ( 33 )

----------------------------------------------

الإيمان وأثره في المجتمع

من أسماء الله الحسنى ( المتكبر)

حقيقته وحظ العباد منه

ـ

          إن المرء حين يتصدى للتأمل في اسم من أسماء الله الحسنى يجد نفسه في حيرة، ماذا يقول : وكيف يقول ؟

          إنه في حيرة لا يعرف ما الذي يمكن أن يقوله للناس حول معنى هذا الاسم الذي هو بصدد التأمل في معناه.

          وإنه يجد نفسه في حيرة، إذ لو قد علم شيئاً عن معنى هذا الاسم أو ذاك، فإنه بالتأكيد يجهل الكيفية التي يعرض بها على العقول ما قد علمه من معنى هذا الاسم أو ذاك.

          ولا منجى في جميع الحالات للمرء إلا أن يدركه توفيق من الله ورحمة منه وفضل.

          ونحن نتعرض لهذا النوع من التوفيق، وهذا الصنف من الفضل.

          ونحن على ثقة من أن الله لم يمنعنا توفيقه ولن يحجب عنا فضله.

          فنقول وبالله الثقة وعليه التكلان : إننا لا نستطيع أن نفهم المعنى الحقيقي لاسم الله ( المتكبر ) إلا إذا فقهنا أموراً ثلاثة :

          أولها : معنى الاسم الذي قوامه هذه الحروف ( الميم والتاء والكاف والباء والراء) التي تخرج من مخارجها على هذا الترتيب فتكوِّن كلمة لها مدلول.

          وثانيها : الموجود الموصوف بحقيقة هذا الاسم، وهو موجود خارج العقل ولا شك.

          وثالثها : هذا المفهوم الذهني الذي يجده المخاطب من نفسه حين يسمع كلمة ( المتكبر ).

          ونحن نقول : إن اسم الله ( المتكبر ) إنما يفهمه على وجهه مَن فهم العلاقة بين هذه الأشياء الثلاثة ، بعد أن يفقه كل واحدٍ على حدة.

          فاسم ( المتكبر ) إذا نظرنا إليه من حيث الحروف وهي تخرج من مخارجها لتكوّن كلمة على هذا النسق، فإننا نكون أمام مجرد لفظ لغوي، ومجرد مفردة قد وضع الواضع لتكون محتوً لنقل المعاني من المتكلم إلى السامع، وخواصها أنها تجري على اللسان وتخرج من الفم على وجه إعرابي وصرفي أرادهما الواضع اللغوي ليكونا كذلك.

          ونحن نحاسب المتحدث على أساس ما ينبغي أن يكون لهذه الكلمة من وجوه الإعراب.

          وحين تأتينا هذه الكلمة ( المتكبر ) مكتوبة ، نحاسب كاتبها على أساس من قواعد اللغة وقواعد الإملاء.

          هذا ما لكلمة ( المتكبر ) من زاوية أنها اسم .

          ولكن هذا الاسم له مفهوم في العقل ومعنىً في الذهن، يعرفه السامع كما يعرفه المتكلم.

          وهذا المعنى الذي يستقر في الذهن عند التحدث أو السماع لكلمة (المتكبر) هو : أن المتكبر هو ذلك الذي يرى غيره أدون منه وأنزل في ذاته، وفي صفاته، وفي أفعاله، فإذا أظهر ذلك بوسيلة من الوسائل قيل إنه : ( متكبر ).

          ويبقى أمامنا أن نتحدث عمن يصدق عليه هذا المفهوم في الخارج أعني خارج الذهن، كأن يقال : إن فلاناً من الناس ( متكبر ) ، وكأن يقال : إن الله عز وجل هو ( المتكبر ).

          هذه هي المعاني الثلاث التي ينبغي علينا أن نفقهها بين يدي تأملنا في حقيقة ومعنى اسم الله ( المتكبر ).

          وهذا الفقه على هذا النحو سيسهِّل علينا تحصل الخطوة الثانية، وهي العلاقة بين هذه المعاني الثلاث.

          والعلاقة بين هذه المعاني الثلاث بعد هذا البيان ، هي على النحو التالي: إننا إذا قلنا : إن فلاناً من الناس ( متكبر ) على الدنايا والرذائل وسفاسف الأمور، فإنه يقع في نفوسنا معنى التكبر وهو العلو والتسامي، ومعنى المتكبِّر عليه وهي : الخطايا والرذائل، وعند ذلك يجب علينا أن نفهم ونفحص ونتأمل ، فإذا كان هذا الحكم على هذا الرَّجُلِ من الناس صادقاً في الواقع، منطبقاً عليه في الخارج غاية الانطباق، كان وضعه بـ ( المتكبر ) لائقاً به ، وكان وصفه بـ ( المتكبر ) صفة مدح له ، أما إذا كان هذا الرجل الذي وصفناه بهذا الوصف متكلفاً مدعيا، يدعي أنه يتكبر على الرذيلة وهو غارق فيها إلى الأذقان، ويدعي أنه متكبر على سفاسف الأمور وهو مغمور ببحارها إلى حد الارتطام بالقاع.

          إن هذا التكلف على هذا النحو يجعل صفة التكبر فيه غير مطابقة لحاله الذي هو عليه، من هنا تكون صفة التكبر فيه صفة ذم .

          هكذا تتضح العلاقة بين هذه الأشياء الثلاثة اتضاحاً يجعلنا نقترب من فهم اسم الله ( المتكبر ).

          فنحن نقول : الله ( متكبرٌ ) بمعنى أنه : المتعالي ، المتعاظم، بحيث يكون غيرُّهُ في غاية التدني بالنسبة إلى عظمته وكبريائه.

          وهذا المعنى حين نتأمله، نجد أنه حقيقة مطلقة في ذات الله وفي صفاته وفي أفعاله.

          وقد يقول بعض القائلين من علماء اللغة ، أو بعض المجادلين يتخذون من معاني اللغة أساساً لجدلهم.

          قد يقول هؤلاء أو هؤلاء ، إن وزن ( المتفعِّل ) في اللغة يفيد التكلف والادعاء ، وهذا غير لائق بالنسبة لله .

          وهذا النوع من الجدل مرفوض، إذ إن هذا الوزن ( المتفعل ) لم يوضع للتكلف دائماً ؛ فأنا أقف أمام باب السلطان أستفتح للدخول عليه، فإذا سألني لماذا جئت ؟ فإني أقول له : أنا متظلم ، وما قال أحد من الناس أن كلمة ( متظلم ) إنما تعني التكلف وإظهار غير الحقيقة.

          وإذا علمتَّ ذلك وأمثاله علمت أن ( المتكبر ) لا تعني بحال مجرد إدعاء العظمة والرفعة، وإنما هذه الكلمة إن قالها قائل وهي صادقة فيه كانت صفة مدح، وإن قالها غيره وهي غير صادقة فيه كانت صفة ذم.

          والصدق والكذب يحكمهما الرجوع إلى مطابقة الخبر للواقع أو عدم مطابقته له.

          وننتهي من ذلك كله إلى القول : بأن الله هو ( المتكبر ) بالإطلاق.

          إنه ( المتكبر ) على ما يعد في ذاته أو صفاته أو أفعاله نقيصة من النقائص.

          وهذا المعنى صادق فيه على أعلى درجات الصدق التي لا تحتمل الريب أو الشك.

حظ العبد من اسم الله ( المتكبر ) : ـ

          لقد تبين أن الله عز وجل هو ( المتكبر ) على الحقيقة ، لأن كل موجود غيره فهو أدون منه.

          والعبد المؤمن حين يعلم ذلك يجب عليه أن يُخضع تصرفاته لهذه الحقيقة، فلا يشغل باله إلا علاقته بربه.

          وليس كل أحدٍ من الناس على هذا المستوى ، إذ الناس في علاقاتهم بربهم درجات.

          وأعلى هذه الدرجات هو هذا الإنسان الذي يأتيه التكليف من ربه، فينشط إلى العمل على مقتضى ما كلفه ربه به.

          وهو في عمله هذا لا يريد من ذلك إلا وجه ربه ومرضاته، إنه لا ينشغل بالطمع في الجنة ، ولا ينشغل بالخوف أو الرهبة من النار، لأن مثل هذا الانشغال أو ذاك كلها أمور تصرفه عن ربه ، وتُبعده عن أن يدخل في ساحة مرضاته.

          ولقد حُكى عن بعضهم هذا القول : ( ربي إن كنت تعلم أني أعبدك طمعاً في جنتك فأحرمني منها ، وإن كنت تعلم أني أعبدك خوفاً من نارك فأحرقني بها، وإن كنت تعلم أني أعبدك طمعاً في رضوانك فلا تحرمني رضاك ).

          إن هذا الصنف من البشر حين يحددون علاقاتهم بربهم على هذا المستوى، يستحقون وصف أن يكونوا هم أميز عباد الله وأرفعهم، لا يسبقهم إلى رضوان الله أحدٌ إلا من كان على شاكلتهم.

          ثم يتلو هذه المرتبة أناسٌ آخرون تأتي عبادتهم طمعاً في الجنة، ورَهَباً من النار؛ فهم إذا زهدوا في متاع الدنيا فإن هذا الوجه من الزهد يكون الدافع إليه الحصول في الآخرة على ما هو أفضل منه وأعلى.

          وإذا أحجم المرء عن ارتكاب معصية من المعاصي، فإنما يأتي إحجامه على خلفية أنه يتصور عذاب النار في الآخرة، ويخشى هذا العذاب خشية تتمثلُ أمامه كلما حمله الشيطان بوسوسته، أو حملته النفس بغرائزها وهواها على ارتكاب معصية معينة، وهو حين يتمثل هذا العذاب الأخروي يمنعه هذا التمثل وذلك التصور من ارتكاب المعصية خشية ورهبة.

          وأصحاب المرتبة الأولى يرون في تصرفات هذه المرتبة الثانية نوعاً من المعاوضة والمتاجرة،  كما يصنع أرباب الأحوال وأصحاب المشاريع.

          فالمرء يكون في يده المال وهو قابض عليه بعد أن دخل في حوزته، فتجده يُلقي به في يد غيره بما يشبه بظاهره الزهد فيه، لكنه في الحقيقة ليس زهداً، وإنما هو قد خاطر بما في يده أملاً في تحصيل ما هو أفضل منه.

          يقول الإمام الغزالي في ذلك ما هذا نصه : [ المتكبر من العباد الزاهد العارف، ومعنى زهد العارف أن يتنزه عما يشغل سره من الخلق، ويتكبر على كل شئ سوى الحق تعالى فيكون مستحقراً للدنيا والآخرة جميعاً مترفعاً عن أن يشغله كلاهما عن الحق تعالى.

          وزهد غير العارف معاملة ومعاوضة إنما يشتري بمتاع الدنيا متاع الآخرة فيترك الشئ عاجلاً طمعاً في أضعافه آجلآ ، وإنما هو سلم ومبايعة.

          وتبقى طائفة ثالثة من البشر تستعبدهم شهواتهم، وتستخفهم رغباتهم، فيصير الواحد منهم عبداً لشهواته على اختلافها وتنوعها.

          وهذا الصنف من الناس هم أكثر الناس دونية وسقوطاً في المرتبة ، بل هم أدون من سائر الحيوانات ؛ إذ الحيوانات موكلة إلى غرائزها وما يصلحها من هذه الغرائز، أما الإنسان فهو قد أوكله الله إلى عقله وإرادته وإيمانه، فمن ارتقى ألحقه رقيه بمرتبة فوق مرتبة الملائكة ، أما من أخلد إلى الأرض واتبع هواه، ألحقه هذا الإخلاد إلى الأرض وهذا الاتباع للهوى بمرتبة أدنى من مرتبة الحيوان.

          وعلى العاقل الحصيف أن يتكبر على كل شئ يهبط به تكبراً يرفعه إلى مرتبته التي يبتغيها،  والتي تليق بتكريمه الذي وضعه الله فيه بين الكائنات.

          ويعقب الغزالي على هذه المرتبة قائلاً : واصفاً وناصحاً : [ ومن استعبدته شهوة المطعم والمنكح فهو حقير وإن كان ذلك دائما، وإنما المتكبر من يستحقر كل شهوة وحظٍ أن يساهمه البهائم فيه ]

* * *

                                د / طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة


تابع إذاعة القرآن الكريم                                             الحلقة ( 34 )

----------------------------------------------

الإيمان وأثره في المجتمع

من أسماء الله الحسنى ( الخالق البارئ المصور)

حقيقتها وحظ العباد منها

ـ

          لقد جرت عادة العلماء حين يتناولون هذه الأسماء الثلاثة بالشرح والإيضاح ، أن يشيروا إلى بعض المفردات في اللغة العربية من نحو : المسكين، والفقير، ويقولون : إن هذه المفردات تحكمها قاعدة تقول : " إن كل مفردتين تكون بينهما هذه العلاقة الخاصة، فإنهما يحكمهما أنهما كلما اجتمعا افترقا، وكلما افترقا اجتمعا " .

          وهذه القاعدة تتدخل في حل بعض المشكلات التي تَعَرض لبعض المفردات التي بينها علاقة من هذا النوع.

          وهذه القاعدة قد يبدو منها شئ من الغرابة، لكن هذه الغرابة تزول، وذلك العجب يختفي إذا ظهر المراد على نحو ما يقولون: ( إذا عُرف السبب بطل العجب).

          " فالمسكين " في مثالنا هو الذي لا دخل له أصلاً ، أو الذي له دخل لا يكفيه.

          وهذا المعنى نفسه يكون " للفقير" ، فإذا قلت : لقد رأيت في الطريق مسكيناً، فإن هذا القول يصلح معه أن يكون الذي قابلته ليس له دخلٌ أصلاً ، كما أنه يصلح ليدل على أن الذي قابلته له دخل لكن لا يكفيه.

          وهذا الكلام نفسه يمكن أن نفهمه لو أنا رفعنا كلمة " مسكين " ووضعنا بدلاً منها كلمة " فقير" ، إذ إن كلاً من الكلمتين " فقير" و " مسكين " إذا جاءت وحدها جمعت المعنيين جميعاً.

          فماذا لو جاء مثال يجمع بين الكلمتين ، كأن أقول : قابلت في الطريق فقيراً ومسكينا ؟ .

          إننا في هذه الحال لابد أن نخص كل كلمة من هاتين الكلمتين بمعنىً من المعنيين.

          فنقول مثلاً : إن الفقير هو الذي لا دخل له أصلاً ، وإن المسكين هو الذي له دخل لا يكفيه.

          هذه بعض خواص اللغة العربية ، وهي خاصية يستفيد منها بعض العلماء حين يريدون أن يتخلصوا من بعض المعضلات.

          وإذا تبين هذا رجعنا إلى هذه الأسماء الثلاثة التي نحن بصددها.

          إن هذه الأسماء الثلاثة قد يظن البعض أنها أسماء مترادفة ، أي أن كل اسم منها يدل على ذات المعنى الذي يدل عليه كل واحدٍ من الاسمين اللذين صاحباه.

          وهو أمر ليس كذلك بالقطع.

          والقول الفصل أن هذه الأسماء الثلاثة ترجع كلها إلى صفات الأفعال.

فـ " الخالق " هو الذي يفعل الخلق.

          والبارئ والمصور اسمان يدل كل واحد منهما على ما عُهد إليه لغوياً أن يدل عليه.

          وهذه الأسماء إذا اجتمعت اختص كل واحدٍ منها بمعنىٍ يدل عليه.

          وإذا افترقت هذه الأسماء دل كل واحد منها على جميع ما يدل عليه الثلاثة، فهي أسماءٌ خاضعة لقاعدة " إذا اجتمعت افترقت ، وإذا افترقت اجتمعت ".

          ونحن نحب أن نقترب من التطبيق.

          وقبل التطبيق نذكر مثالاً حسياً يتضح به المعاني العقلية على ما هي طبيعة القرآن في عرض مسائله.

          لنفترض أني قد أردت أن أبني داراً للعلم والتعليم فيما يسمونه مَدْرَسةً أو مِدّراساً أو ما شئت من الأسامي ، فإن الأمر لا تخلص معانيه لي إلا من خلال مجموعة من التخصصات.

          أولها : هذا الخبير الذي يقوم بإعداد الرسم على الورق يحدد فيه المساحة التي يحتاج إليها المبنى لأداء غرضه، ويخطط على هذا الورق طبقاً للمساحة كل ما يحتاج إليه المبنى من قاعات ومرافق، ومساحات فراغ.

          ثم يحدد طبقاً لذلك ما يحتاجه المبنى من مواد بناء مشيراً إلى مكان كل عنصر من مواد البناء وكيفية وضعه مركزاً على ما يسمى بتوزيع الأحمال .... الخ، وهذا العمل كله لا يعدو أن يكون تصوراً يتولاه مهندس إنشائي إن استطاع، أو بمساعدة مهندس معماري إن احتاج إليه.

          ثم ننتقل إلى التخصص الثاني وهو الذي سيقوم بإنشاء هذا المبنى من العدم، وتحويل التصور إلى أمر واقع، والرسم التخطيطي إلى منشأة ملموسة محسوسة.

          وهذا يقوم به البناء والحداد والخشاب ... إلخ.

          ثم تأتي المرحلة الأخيرة وهي منح هذه المؤسسة زينتها من خلال : الطلاء، والإضاءة ، ووضع كل شئ في مكانه بحكمة ، لتظهر المؤسسة متناسقة ، والمبنى على كامل بهائه.

          هذا مثال محسوس في الكون له نظائر وأشباه لا تخفاك .

          وأحب أن يكون هذا المثال بارزاً أمامك ، موجوداً في مخيلتك ، ونحن نشرح أسماء الله الثلاثة التي هي ( الخالق ، الباري ، المصور ).

          وأول هذه الأسماء : ( الخالق ) .

          و ( الخالق ) يمكن أن تدل على هذه التخصصات الثلاثة التي أشرنا إليها من خلال المثال السابق، ولكنها لا تدل على هذه المعاني الثلاثة إلا إذا جاءت منفردة.

          لكننا نحب أن نتحدث عن معنى ( الخالق ) باعتبارها مفردة لها دلالة حين تأتي في سياق الكلام مع أختيها ( البارئ والمصور ).

          وهنا يقول العلماء : إن ( الخالق ) إذا اجتمعت مع أختيها في كلام واحد، أو إذا وجد في السياق ما يحدد معناها، كان المراد منها التقدير السابق على الإيجاد من العدم، الذي هو في مثالنا : ( الرسم والتخطيط وتوزيع الأحمال ) وبيان ما يحتاج إليه الشئ المزمع إيجاده من العدم من مواد وعناصر.

          ولك أن تتأمل في قوله تعالى في سورة المؤمنون : " فتبارك الله أحسن الخالقين".

          قال الرازي فخر الدين : هذه الآية تقتضي كثرة الخالقين، وثبت بالدلائل العقلية والسمعية لأنه لا موجد إلا الله تعالى، فوجب حمل الخلق في هذه الآية على التقدير.

          وعيسى عليه السلام قد قال الله فيه : " إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ".

          ولا معنى لكلمة ( خلق ) هنا إلا أن يكون هو التقدير قبل الإيجاد  ليستقيم معها "ثم قال له كن فيكون".

          ومثل ما ذكرناه في الآيتين السابقتين يقال في قوله تعالى : " ألا له الخلق والأمر" إذ الخلق هو : التقدير ، والأمر : هو الإيجاد من العدم.

          وعيسى عليه السلام  عندما أراد الله عز وجل أن يُجري على يده معجزة خلق الطير من الطين، قال له على ما هو في سورة المائدة : " وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيراً بإذني" .

          وهما أمران مختلفان كما ترى ، أولهما : الخلق بمعنى التقدير على الطين.

          وهذا الذي ذكرناه في معنى ( الخالق ) لا يكون إلا في الحالات التي ذكرناها، وهي أن يكون في السياق ما يلجئه إلى هذا المعنى، أو أن يكون هناك نوع اجتماعي حسي أو اعتباري بالاسمين الآخرين اللذين هما : ( البارئ المصور).

          أما حين لا يكون لهذين الاعتبارين وجود ، وانفردت كلمة ( خلق ) فإنها تدل بانفرادها على ما يدل عليه الكل، طبقاً للقاعدة التي شرحناها سلفاً.

          ومن ذلك قوله تعالى في سورة الأنعام  : " خالق كل شئ فاعبدوه" وفي سورة فاطر قوله : "هل من خالق غير الله " ، وفي سورة يس قوله " بلى وهو الخلاق العليم " ... إلى آخر ما جاء في القرآن الكريم وهو واضح لا سترة به.

          هذا ما نحتاج إليه هنا من اسم الله ( الخالق ).

          أما اسمه ( البارئ ) فهو مأخوذ من برأ ، بمعنى أنشأ من العدم على وفق التقدير.

          ولقد رضى الله عن علي بن أبي طالب ، فهو الذي كان إذا تَعرَّض للقسم قال: " لا والذي فلق الحبة وبرأ النَّسمَة " .

          والنّسمة كائن حي يخلقه الله من العدم، ويقال فيه : خَلَقه وبَرأَه ، غير أن الغالب في ( بَرأَ ) ، أنها لا تستعمل إلا في خلق بني آدم من العدم.

          ولو أننا قد عقدنا مقارنة بين ( خلق ، وبرأ ) لتتضح العلاقة بينهما ، فإنه بإمكاننا أن نقول : إننا لو نظرنا إلى ( خلق ) بمعنى أنشأ من العدم، فإن العلاقة بينها وبين ( برأ ) التي هي : إنشاء بني آدم فقط من العدم تكون هي العموم والخصوص، لأن ( خلق ) تدل على : الإنشاء من العدم على العموم.

          ولو أنا قد فهمنا من ( خلق ) التخطيط والتقدير، كانت ( برأ ) إنما تعني مرحلة ثانية في الخلق ، وهو الإيجاد على وفق التقدير والتخطيط.

          وأهل اللغة يستعملون كلمة ( برأ ) وما أُشتق منها مهموزة أحياناً، وبدون همزة أحياناً أخرى ، فيقولون ( بَرىَ ) و ( برأ ) ، و ( الباري ) و ( البارئ ).

          وترتيب ( الباري ) من أسماء الله الحسنى في سورة الحشر بعد ( الخالق ) يرجح عندنا أن المراد من ( البارئ ) هو : الإيجاد من العدم بعد ( الخالق ) حين يكون المراد منه : الخلق بمعنى التقدير .

          ويبقى معنا أن نتحدث عن اسم الله : ( المصور ).

          و ( المصور ) فيما يفهمه العلماء أنه هو الذي يعطي كل مخلوق صورته التي تشخصه، وتميزه عن غيره.

          ولو لم يكن لكل مخلوق صورته المشخصة لاختلطت الذوات، وتداخلت الشخصيات، وصعب التمييز بينها صعوبة يتعذر معها إلحاق الأشياء الخاصة بأصحابها ، من نحو : التحدث إلى كل واحدٍ منها، وإلحاق المسئوليات والتبعات بالأفراد، وغير ذلك ، فكان التشخيص بالصور نعمة بالغة في حكمة عظيمة منبثقة من  علم محيط وإرادة مرجحة وقدرة نافذة .

          والمتأمل في اجتماع هذه الأسماء الثلاثة يجد أنها لا تجتمع إلا لله وحده، فهو :  الخالق المقدر ، وهو الموجد من العدم على وفق التقدير، وهو مانح الصور المشخصة لأصحابها.

          فسبحان الخالق البارئ المصور.

          وسبحان الذي جمع الأسماء الحسنى.

          وسبحان من يسبح له من في السموات والأرض.

          لا إله إلا هو ولا معبود سواه.

حظ العبد من هذه الأسماء الثلاثة : ـ

          هذه بعض الحقائق التي منّ الله علينا بها في فهم مدلولات الأسماء الثلاثة التي هي : ( الخالق ، البارئ ، المصور ).

          ولما كنا قد درجنا منهجياً على أننا أمام كل اسم من أسمائه الحسنى نقف أمامه أولاًَ لنفهم حقيقته ، وندرك معناه على قدر ما يمنح الله لنا من فضله.

          ثم ننتقل إلى المرحلة الثانية لندرك حظ العبد من هذا الاسم الذي نحن بصدده لنتخلق به ، ولنسير على هداه.

          إنه لما كانت هذه هي طريقتنا في علاقتنا بأسماء الله الحسنى ، فإنه يجب أن ننبه هنا على ما نبهنا عليه من قبل، من أننا أمام كل اسم من أسماء الله الحسنى يظهر لنا من تأمله أمران :

          أحدهما : التعلق بهذا الاسم ، واستشعار هيبته ، وسؤال الله به ، والرجاء منه بواسطته ، حيث قد أخبرنا ربنا تكليفاً وأمراً مباشراً حين قال : " ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها " وحين قال إخباراً بعد ذكر طائفة من أسمائه الحسنى في سورة الحشر : " ... هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم " .

          وثاني الأمرين : أن نتأمل هذا الاسم وذاك ، فندرك معانيه أو بعضها، ونطبق في ذواتنا ما يمكن أن نستفيده من هذه المعاني بقدر الطاقة.

          واستشعار هيبة الاسم بعد إدراكه ، والتوسل به عند الطلب والرجاء، يسمى : ( تعلقاً )، وإدراك ما يتاح لنا من معاني الاسم ، ومحاولة تطبيقها على أنفسنا يسمى : ( تخلقاً ) .

          ونحن أمام هذه الأسماء الثلاثة : ( الخالق ، الباري ، المصور ) نستطيع بتوفيق الله أن يكون لنا منها موقف التعلق، كما يكون لنا منها موقف التخلق.

          فنحن إذا علمنا أن الله عز وجل هو واهب الصور على أساسٍ من خلقه للأشياء من العدم على وفق التقدير، وأن ذلك ليس لغيره ، استشعرنا عظمة الخالق البارئ المصور، ورددنا صفة الخلق إلى العلم، ورددنا صفة البارئ المصور إلى القدرة.

          وحين نفعل ذلك نجد علم الله محيطاً ، وقدرته نافذة مؤثرة.

          وكلما تأملنا آثار هذه الصفات ، ووقفنا على مدلولات هذه الأسماء من خلال تأملنا في الأشياء، ازدادت هيبتنا وتعاظمت خشيتنا لله عز وجل.

          وفي مجال التخلق بهذه الأشياء يجب علينا أن نكون في أعمالنا الدنيوية ـ العبادات والعادات على السواء ـ على غاية من الحكمة والترتيب ، بقدر ما يُتاح لنا من الحكمة والترتيب.

          فنحن إذا قدمنا على عمل من الأعمال ، وعزمنا على إنفاذه ، لابد أولاً أن نجلس إليه ونتصوره قبل أن نبدأ العمل فيه، فنتعرف على صورته وهيأته، وعلى ما يلزمه من الأدوات وما يحتاج إليه من الأسباب، ونتعرف كذلك على ما تنتهي إليه صورته المشخصة والمميزة له .

          وحين يتضح لنا الأمر على هذا النحو ، نبدأ الخطوة الثانية : وهي محاولة إبرازه إلى الوجود، وإبداعه من العدم على وفق ما قدرناه له.

          فإذا ما تأسس هذا العمل على وفق التقدير، تأتي الخطوة الثالثة ، وهي إضافة المحسِّنات والمشخصات له ، بحيث يبدو متناسقاً ، ويظهر على قدرٍ من الحسن الذي يليق بوجوده، مستفيدين ذلك كله من الخالق البارئ المصور.

          والإنسان الذي يتعرف إلى أسماء ربه ، يستفيد من الخالق البارئ المصور في تكميل ذاته من الناحيتين النظرية والعملية على السواء.

          فهو يتعهد نفسه فيربي فيها هذه القوة النظرية ، فيمدها بأسباب العلم وألوان المعارف وأدوات تحصيل العلم وتحصيل المعارف، ويدربها المرة بعد المرة على طريقة الغوص في العلوم باصطناع المناهج العلمية، من نحو : التحليل والتركيب ، ومن نحو : الاختبار بالتجربة والوقوف على حقائق نتائج تلك التجربة، ومعرفة أسباب الخطأ والصواب فيها ، إلى آخر ما يمكن تحصيله في هذا الباب.

          فإذا قويت القوة النظرية وجب على العبد أن ينتقل إلى قوته العملية، فيحصل لها كمالاتها بتدريب الصفات القابعة خلف الأفعال، من نحو : القصد والعزم والإرادة، ومن نحو : القدرة الفاعلة وما تحتاج إليه من أدوات .

          ويجب كذلك أن نرعى جميع المَلَكَات اللازمة لكل سلوك، والتي تجعل السلوك ينبثق عنها بسهولة ويسر، ليأتي الفعل أو العمل على وفق المواصفات التي يرسمها المنهج الصحيح أمام الإنسان القويم ليتوافق مع وظيفته في هذا الوجود.

          وإذا تكاملت القوة النظرية مع القوة العملية، جاء تقدير المرء في كل موقف سليماً ، والإيجاد المترتب عليه قويماً، والصور المترتبة على ذلك حكيمة، وجاء العمل كله يسر الناظرين .

          ويبقى الجزء الثالث والذي يجب على العبد أن يتخلق به ، محاكياً ما يقدر عليه من أسماء الله الحسنى ( الخالق البارئ المصور ).

          وما نقصد من هذا الجانب الثالث هو أن يتعهد المرء المسلم إخوانه بالتعليم والتدريب ، فيُصفِّي لهم نفوسهم، ويُصلح منهم قواهم النظرية، فإن استقامت لهم أصلح قواهم العملية على نحو ما فعل لنفسه.

          وعند هذا الحد فقط يمكن أن يقال : إن الإنسان قد استفاد من أسماء ربه (الخالق البارئ المصور).

* * *

                                د / طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة


تابع إذاعة القرآن الكريم                                             الحلقة ( 35 )

----------------------------------------------

الإيمان وأثره في المجتمع

من أسماء الله الحسنى ( الغافر والغفار والغفور )

حقيقته وحظ العباد منه

ـ

          إن لله عز وجل أسماء متعددة لا يعلم عددها إلا هو .

          ومن هذه الأسماء ما يستشعر منه العبد الأنس إليه، وهدوء النفس عند سماعه، وانبساط الفؤاد حين يردد هذا الاسم .

          وهذا النوع من أسماء الله وصفاته ما اشتهر بين العباد بأنه أسماء وصفات الجَمَال .

          ومن بين هذه الأسماء ما اشتق لله عز وجل من المصدر في اللغة العربية وهو ( الغفر ) .

          وكأني بهذا المصدر في الكثير الغالب من اشتقاقاته لا يكون إلا لله سبحانه وتعالى .

          فهو الذي غفر.

          وهو الذي يغفر.

          وهو غافر الذنب وقابل التوب.

          وهو الغفار " فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً " ...

          إلى غير ذلك من اشتقاقات الكلمة والتي لا نجدها غالبا إلا مستعملة في جانب الله عز وجل.

          فإذا أطلقنا على الله سبحانه وتعالى اسم ( غافر الذنب ) أو ( غفور رحيم ) أو ( العزيز الغفار ) فإن أصل المادة في الجميع واحد ، وهو ( الغفر ).

          غير أنه إذا تعددت الاشتقاقات وجدنا كل اشتقاق منها يضيف إلى أصل المعنى المشترك شيئاً جديدا .

          فـ ( الله عز وجل غافر الذنب ) ، بمعنى أن هناك مغفرة ، والفاعل لها هو: ( الله سبحانه وتعالى ) حيث إن دلالة اسم الفاعل إنما تكون على وصفٍ قد قام بالموصوف .

          و ( الله عز وجل غفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى ).

          و ( الغفار ) صيغة أخرى غير ( غافر ) يشتركان في أصل المادة ، ولكن (الغفار ) مبالغة من ( غافر ) .

          ولا معنى للمبالغة إلا أن تكون المغفرة قد تكررت لتستر وتمحو ذنوباً وقعت؛ فـ ( الغفار ) صيغة تقيد تكرار الفعل الذي هو المغفرة ، ليستر ويمحو أثر فعلٍ وقع من العبد متكرراً وهو : المعصية.

          و ( الله هو الغفور الرحيم ) .

          و ( الغفور ) صيغة مبالغة أخرى من ( الغافر ) تفيد تكرار الفعل ؛ ولكنها تخالف ( الغفار ) من جهة أن ( الغفور ) تفيد أن لها صلة بالكيفية ، و ( الغفار ) لها صلتها  بالفعل نفسه من حيث تكراره.

          فإذا قلنا إن ( ربنا غفور ) : كان حديثنا إخبار عن كمال المغفرة وتمامها وجودتها وشمولها.

          وإذا قلنا إن ( ربنا غفار ) : كان حديثنا عن أن ربنا سبحانه وتعالى يغفر للعبد كل فعل أو خطيئة على العموم ما دام قد تاب منها وأناب ( إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليماً حكيما " .

          ويلحظ بعض المفسرين والشراح لأسماء الله الحسنى أن الصياغة في اسم الله ( الغفار ) قد تنوعت وتعددت ، فشملت : ( الغافر ، والغفار ، والغفور ) لتناسب أحوال العبد مع الخطيئة .

          فالعبد يكون ظالماً لنفسه .

          والعبد يكون ظلوماً كفوراً .

          والعبد يُسرف على نفسه في المعصية فيكون ظلاماً .

          وهو في جميع أحواله مع المعصية لا يجوز له أن يقنط من رحمة الله .

          فهو إن كان ظالماً لنفسه ، فربه غافر الذنب .

          وهو إن كان ظلوماً كفوراً ، فربه غفور رحيم.

          وهو إن كان من الذين أسرفوا على أنفسهم ( ظلام ) ، فلا يجوز له أن ييئس من رحمة الله ، فربه غفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى.

          ألم يقل لك : إن هذا النوع من أسماء الله الحسنى قد صنفه عباد الرحمن وسلكوه في نوع واحد، أطلقوا عليه أسماء وصفات الجمال؟

          و ( الله الغافر الغفور الغفار ) لم تقتصر صفته تلك على حدٍ معين في إنعامه على الإنسان بالستر.

          فأنت ترى الإنسان في بدنه فيه مناطق يستحي منها الناظرون، وأخرى لا تملُ الأعين من النظر إليها، ومن رحمة الله أنه ستر في الإنسان ما تستقبحه العيون وتشمئز منه النفوس وأظهر محاسنه.

          وأنت ترى الإنسان في نفسه قد انطوى في الكثير الأغلب على صفات قبيحة ، من نحو : الغل، والحسد، والكراهية للآخرين وتمني زوال النعمة عنهم، والفرح بمصائبهم، والغم إذا ما أنعم الله عليهم ... إلى غير ذلك من الصفات التي ربما نجد الكثيرين ربما قد انطوت قلوبهم عليها.

          ولو علم الناس منهم ذلك لتقطعت بهم الأسباب ، ولتراشقوا بالنيران ورغب كل منهم ألا يرى الآخر على وجه الأرض.

          ومن رحمة ( الله الغفور ) أنه : ستر من الناس صفاتهم السيئة حتى لا يرى بعضهم من بعض ما يعبر عن سوء طواياهم.

          وأنت ترى الإنسان في استجابته لمنهج الله وقد أمره الله وهو يعصاه، فلا يفعل ما أمره به، وقد نهاه الله وهو يخالفه فيفعل ما نهاه الله عنه، وهي مخالفة تستوجب العقاب والحساب، والفضيحة التي تناسب المعصية، لكن الله سبحانه وتعالى لم يشأ أن يفضحه بل غفر وستر.

          والمروءة في الإنسان تقتضي أن يرعويَّ الإنسان بين يدي ربه، وينزجر عن المعصية ، استجابة للطبع السليم دون انتظار بالزجر والتخويف من عذاب النار.

          هذا كله في الدنيا.

          وأما في الآخرة ، فأنت ترى من خلال  الأخبار التي وصلتنا عن الصادق المصدوق صلوات الله عليه ، أن لله عز وجل عباداً يستر عنهم ذنوبهم يوم القيامة رحمة منه ، وحرصاً على ألا يخزيهم ، فهم الذين قال فيهم " يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه " .

          وأنت ترى كذلك في الآخرة أن لله عباداً آخرين يحاسبهم بينهم وبينه في ستر مستور، ولكنه لا يطيل عليهم وقفة الخجل حتى يأمر بهم أن يحضروا أوزانهم في غير خوف، ثم يذهب بهم إلى الجنة.

          ومع تفاوت الدرجات، فنحن نرى كثيراً من عباد الله أخبر عنهم النبي أنهم في حيز المغفرة، وفي رحمة الغافر الغفور الغفار.

حظ العبد من اسم الله ( الغافر الغفور الغفار ) : ـ

          إن من أراد من الناس أن يستفيد من اسم الله ( الغفار ) ، فعليه أن يتأمل ما جُبل عليه الإنسان من الطبائع ، وهو لن يرجع من تأمله مهما طال التأمل إلا  بنتيجة واحدة، وهي أن كل إنسان ـ فيما عدا المعصومين ـ فيه كمالات ونقائص، وفيه محاسن ومعايب، وفيه ما يتباهى بإظهاره وما يتوارى خجلاً من إطلاع الناس عليه.

          إن هذه فطرة عامة على كل حال.

          ومن يقف على هذه الفطرة يجب عليه أن يدرك أن الله ( الغافر الغفور الغفار ) قد أظهر من بني آدم وستر، وقد أبان منهم وغفر، وأخبر عن طريق نبيه في كلام يُتلى إلى يوم القيامة أنه لا يحب الجهر بالنقائص والمعايب، ولا يقبل من عباده أن يذيع الواحد منهم معايبه، فالله قد قال : " لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم " .

          والرجل المسلم الذي يبتغي أن يحبه الله ورسوله ، يجب عليه أن يستر من أخيه ما أحب الله أن يُستر ، فإذا فعل ذلك كان مستفيداً مما سمعه في القرآن عن ربه أنه هو ( الغافر ) وأنه هو ( الغفور ) وأنه هو ( الغفار ).

          والمستهتر المقصِّر في حق نفسه هو هذا الذي لا يلتفت إلى هذه المعاني ولا ينتفع بها، فيُظهر من أخيه ما يُغضب أخاه لو سمعه منه.

          ولأن الشريعة تحمل أتباعها على أن يستفيدوا من هذه المعاني التي تدل عليها هذه المادة ، والتي اشتق منها بعض أسماء الله عز وجل، والتي هي مادة (الغفر ) ، والتي يرجع إليها ( الغافر والغفار والغفور ).

          لأن الشريعة ترغب في حمل أتباعها على الاستفادة من هذه المعاني، فقد حرمت عليهم أموراً بأغلظ عبارات التحريم.

          فالمرء لا يحل له من أخيه المسلم أن يظن به الظنون، وأن يروج إشاعة سمعها عنه لمجرد الظن الذي أحدثته تلك الإشاعة، لأنه ومن روج الإشاعة واقعان في الإثم.

          فمن روج للإشاعة يجد نفسه أمام هذا النص الكريم عافانا الله وإياكم " إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لعنهم الله في الدنيا والآخرة ".

          وأما هؤلاء الذين يأخذون إخوانهم بالظن، فإنهم يجدون أنفسهم أمام هذه الآية التي عاتب الله فيها المسلمين الذين تركوا الإشاعة أيام حادثة الإفك ترجف بها المدينة " لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين " .

          وعلى كل حال فإن إتباع الظن منهي عنه جملة وتفصيلاً " يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم " .

          والمرء كذلك لا يحل له أن يتتبع خصوصيات أخيه في تجسس بغيض، أو تحسس ممقوت، حيث قال الله عز وجل : " ولا تجسسوا " .

          والأحاديث الواردة التي تطالب المسلم أن يستر على أخيه المسلم كثيرة : فمن ستر مسلماً ستره الله ، ومن تتبع عورة مسلم بقصد إظهارها يخشى عليه أن يفضحه الله يوم القيامة.

          ولا يحل للمرء كذلك أن يجلس في المجلس ومعه إخوانه، ويذكر من صفات أخيه المسلم ما يستاء من سماعه، سواء أكان فيه هذا العيب أو لم يكن فيه، فإن كان فيه فهي الغيبة، وإن لم يكن فيه فهو الإفك والبهتان.

          وسواءٌ ما ذكره عن أخيه من النقائص كان من تلك الأمور التي لا دخل له فيها، أو كان من الأمور التي هو لها سبب.

          ولقد سمت الشريعة هذا المسلك الاجتماعي الردئ باسم ( الغيبة ).

          وفي القرآن الكريم نهي عنها بأبشع عبارة وأصدق تمثيل " ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه " .

          والأحاديث النبوية الشريفة في هذا المجال كثيرة.

          والشريعة الإسلامية على كل حال تحمل أتباعها على كل فعل جميل، وترقى بأتباعها إلى الاستفادة من اسم الله ( الغافر الغفور الغفار ) .

          وإذا ما استجاب العبد للشريعة في توجيهاتها، لم يرَ في أخيه المسلم إلا محاسنه، ولم يعمد وهو يتحدث عن أخيه المسلم إلا إلى ذكر محاسنه.

          ولقد حُكى عن سيدنا عيسى عليه السلام أنه قد مر ومعه حواريوه على كلب ميت قد غلب نتنه، فقالوا : ما أنتن هذه الجيفة ، فقال عيسى عليه السلام : ما أحسن بياض أسنانه : تنبيها على أن الذي ينبغي أن يذكر من كل شئ ما هو أحسن.

* * *

                                د / طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة

 

 

 

تابع إذاعة القرآن الكريم                                             الحلقة ( 36 )

----------------------------------------------

الإيمان وأثره في المجتمع

من أسماء الله الحسنى ( القهار)

حقيقته وحظ العباد منه

ـ

          من الأسماء التي سمى الله بها نفسه اسم ( القهار ).

          وهذا الاسم قد ورد في القرآن الكريم على صيغة اسم الفاعل من غير مبالغة ، لكنه مع ذلك مقترن بـ ( ال ) وهي تفيد جميع أنواع القهر التي يمكن أن نتصورها، والتي لا يمكن لنا ذلك على السواء.

          ففي القرآن الكريم قوله تعالى : " وهو القاهر فوق عباده " بهذه الصيغة مرتين في سورة واحدة هي سورة الأنعام.

          فلقد قال الله عز وجل في الآية رقم 18 : "وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير"، ثم قال في موضع آخر من السورة نفسها آية رقم 61 : "وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة " .

          ثم جاء في القرآن الكريم : ( القهار ) مبالغة في ( القاهر ) في ستة مواضع.

          فنحن نراها في سورة يوسف : " أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار" وفي سورة الرعد : " قل الله خالق كل شئ وهو الواحد القهار" ، وفي سورة إبراهيم : "وبرزوا لله الواحد القهار" وفي سورة ص : " قل إنما أنا منذر وما من إله إلا الله الواحد القهار" ، وفي سورة الزمر: "سبحانه هو الله الواحد القهار"، وفي سورة غافر : " لمن الملك اليوم لله الواحد القهار".

          والمتأمل في هذه الصياغة يجد أنه أمام معنيين للقهر:

          المعنى الأول : يتصل بكيفية القهر.

          والمعنى الثاني :يتصل بكميته.

          ولما كان اسم الفاعل اشتقاقٌاً يدل على الصفة ومن قامت به هذه الصفة، فإن ذكر اسم الله ( القاهر ) إنما يومئ إلى استغراق جميع كيفيات القهر لا يحول بينه وبينها حائل.

          ولما كانت المبالغة من هذا الاسم لا تلغي خاصية اسم الفاعل الذي يأتي بغير مبالغة، باعتبار أنه الأصل في الدلالة على معنى الوصف ومن قام به الوصف.

          مع أن المبالغة من اسم الفاعل لا تلغي أصل الدلالة ، إلا أن المبالغة تشير إلى التعدد النوعي بالإضافة إلى ما اصطحبته هذه الصياغة من اسم الفاعل في دلالته الأصلية.

          فإذا قيل : ( القهار ) استفدنا من هذه الصياغة أمرين هما :

          أن الله عز وجل له استغراق القهر بجميع كيفياته، وله كذلك استغراق القهر حين يذهب القهر في أنواعه المتعددة.

          ولنا هنا أن نتساءل عن دلالة القهر في اللغة العربية.

          وعلماء اللغة يسعفوننا حين يمدوننا بالمعاني اللغوية لهذه المادة (القهر).

          فـ ( القهر ) عندهم هو : الغلبة ، وصرف الشئ عن طبيعته على سبيل الإلجاء وعدم الاختيار.

          فماذا عسانا نقول أن نفهم حين يُستعمل ( القاهر ) أو ( القهار ) اسماً لله عز وجل ؟ .

          وفهم هذه الدلالة لهذا الاسم يساعدنا عليه علماء العقائد.

          وعلماء العقائد مع أنهم متفقون في أن الله هو : ( القاهر ) ، وأنه هو : (القهار)، وأن هذا الاسم هو من أسمائه تعالى جاء به القرآن الكريم، وذكرته السنة النبوية المطهرة، إلا أنهم مع هذا الاتفاق ، قد وقع بينهم اختلاف شكلي يتصل بسَلْك هذا الاسم في المنظومة التي تلائمه.

          وعلى ذلك فمنهم من قال : إن ( القهار ) صفة ذاتية لله سبحانه وتعالى كسائر صفاته الذاتية، وما ذلك إلا لأن ( القهار ) اسم يرجع في معناه إلى ( القدرة ) لكن على وجه خاص.

          وعلى هذا الاحتمال يكون ( القهار ) اسماً لله عندهم ، بمعنى أن ( القهار ) هو الذي يكون قادراً على منع غيره من أن يقوم بفعل شئ على خلاف إرادته تعالى.

          وهناك فريق آخر من علماء العقائد يرون أن ( القهار ) اسم من أسماء الله تعالى ولكنه يرجع إلى صفات الفعل، فيكون المعنى عندهم أن ( القهار ) هو الذي يمنع غيره من الجري على وفق إرادته.

          والخطب يسيرٌ على كل حال.

          يبقى أن نقول هنا : إن ( القاهر ) أو (القهار ) إذا كانا اسماً لله عز وجل؛ فإن ( القهر ) يتسع ليشمل عدة أنواع مختلفة ، وما ذلك إلا لأن ( القهار) اسم من أسماء الله يرجع إلى القدرة باعتبار خاص.

          والقدرة بالنسبة لله شاملة ، فجاء القهر في بابه شاملاً لجميع أحواله المحتملة.

          وإذا أردنا أن نشير إلى بعض الأنواع التي يدركها معنى وحقيقة اسم الله (القهار) فإننا نقول : إن من هذه الأنواع التي يعمل فيها اسم الله القهار هذا المعدوم الممكن الوجود ؛ إذ المعدوم الممكن الوجود هو أقرب إلى العدم، ولو تُرك على حاله لظل معدوماً بحكم طبيعته، فيتوجه الله له فيقهره ، بمعنى أنه يخرجه عن هذه الطبيعة الملائمة له إلى الوجود الموافق لإرادة الله سبحانه وتعالى.

          ومن الأنواع التي خضعت لاسم الله ( القهار ) ما يمكن أن نطلق عليه نوع ( العِظَم ) ، فالسموات عظيمة ، والأرض عظيمة ، وما بينهما من الكواكب كله في حيز العظم ، والله عز وجل يقهر هذا العظم بما له من اسمه ( القهار ) ، فتجد السموات قد خلقت ورفعت بغير عمدٍ أصلاً أو بعمد يعلمها الله ولا يدركها الناس، والكواكب والأفلاك في المجرات عظيمةً فيمسكها الله تدور في مداراتها معلقة لا يسقط منها واحد، ولا يخرج أحدها عن مداره إلا إن أراد الله له ذلك لتأكيد قدرته.

          ثم يأتي هناك نوع ثالث يمكن أن نسميه قهر التعايش والامتزاج، وهذا أمر نجدُّه في طبائع الأفراد ، وفي طبائع الاجتماع على السواء.

          فالنفس أو الروح في الفرد من طبيعة مختلفة عن الجسد المكون من عناصر الأرض، وما كان من الممكن أن تتعايش النفخة من روح الله والقبضة من طين الأرض على صعيد واحد، فقهرهما الله عز وجل وحملهما على هذا التعايش.

          والمرأة في بيت أبيها قد وجدت الحماية والكفاية حمية، يقوم بها الأب والأخ ومن يحيط بها من الرجال الذين تريطهم بها روابط النسب، فالحماية والكفاية لها أمور متيقَّنة ، فإذا طُلبت للزواج انتقلت الحماية والكفاية إلى رجل آخر وهي أمور مظنونة.

          والشاب لو أنه أراد الزواج وقام بدراسة الجدوى ليعلم ما الذي سيكسبه من الزواج مقيساً إلى أعبائه وتكاليفه ، وسيجد الشاب عند هذه الدراسة أن هذا المشروع لا فائدة له منه ، أو له فائدة لا تذكر إذا قيست إلى الأعباء التي يجب عليه أن يتحملها.

          هذا ما قضى به حال المرأة وحال الرجل قبيل مشروع الزواج ، وهو قضاء يجعل الزواج أمراً مستحيلاً .

          ومن أجل ذلك تدخل الله بصفته ( القهار ) فألجأ المرأة إلى الرجل ، والرجل إلى المرأة برغم صوارفهما.

          ثم يأتي نوع آخر يمكن أن نسميه القهر الأخلاقي.

          وبيان ذلك أن نقول : إن في بعض طباع البشر استعداداً لقبول الأمراض الاجتماعية، من نحو : الكبر والبطر، والرغبة في الاستعلاء، وظلم الآخرين والسيطرة عليهم، ويعينهم على ذلك ما عسى أن يكون لهم من مكانة اجتماعية، أو سلطة مادية، أو مال يعينهم على ذلك.

          فيأتي الله باسمه ( القهار ) فيقهرهم بأحد أمرين أو كليهما متعاقبين :

          أما أحدهما : فهو القهر بالإذلال.

          وأما ثانيهما : فهو القهر بالموت وإنهاء الحياة.

          ونحن نستطيع أن نضيف إلى ما ذكرناه نوعاً آخر يتصل بالفكر والوهم والخيال ، فالله سبحانه وتعالى قد قهر العقول، والأخيلة، والأوهام عن أن تحيط بكنه ذاته، فبقيت مقهورة محجوبة عن كل هذا .

          وخلاصة القول : إن اسم الله ( القهار ) هو من أسماء الله الحسنى، وهو من صفات الجلال له .

          فسبحان من إذا سُئل بأسمائه الحسنى أجاب، ومن استُعطى بها أعطى "ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها " .

          تبقى مسألة لابد من الإشارة إليها، وهي أن بعض الناس لا تتحمل طباعهم الحديث عن القهر بقدر ما تمتد أبصارهم وتتعلق رغباتهم بتوسيع دائرة الحرية.

          ومع أن الله عز وجل لا يُسأل عما يفعل ، إلا أن سنته قد جرت على أن سلطة القهر تشبه إلى حد كبير العوامل التي تحمل المخلوقات على النظام والاستقامة ، بحيث لا يخرج الكون ولا جزءٌ من أجزائه عن مجموعة النظام العام التي تُعرب بغاية الوضوح عن حكمة الحكيم.

          فالله عز وجل له أسماء مرتبطة بصفات ، ولا يجوز لمن يريد أن يفهم أن يغلِّب صفة على صفة ، كما لا يجوز له أن يُدرك مفهوم اسم من الأسماء في معزلٍ عن غيره من سائر الأسماء.

          فسبحان من تكاملت ذاته وصفاته.

حظ العبد من اسم الله ( القهار ) : ـ

          إننا حين يصل بنا الحديث عن ( القهار ) اسماً من أسماء الله الحسنى إلى حظ العبد منه، نجد أنفسنا أمام محور مهم من محاور التشريع في كل نظام ؛ فيما التشريع إلا ضبط الأفراد والجماعات بنظام أخلاقي رشيد.

          وما النظام الأخلاقي الرشيد إلا هذا النظام الذي يقوم على أسس الإلزام والمسئولية والجزاء.

          والإلزام والمسئولية والجزاء جميعاً أمور لن تتوفر لصاحبها ، سواء كان هذا الصاحب فرداً أو جماعة إلا من جهة عليا، هذه الجهة العليا تكون لها القدرة على صرف الشئ أو المرء عن طبيعته وإرادته وغريزته على سبيل الإلجاء.

          ولما كانت المناهج تقتضي أن يكون التكليف قد اتخذ من مساحة الحرية أساساً له ، فإن البديل الممكن هو أن يعلق المشرع للمكلف العصا التي تلجئه إلى فعل الخير لو قد غلبته غرائزه.

          ومن هذا المدخل وحده نستطيع أن نفهم دور ( القهار ) في مجال ضبط سلوك المكلَّفين الذين يجب عليهم أن يستفيدوا من أسماء الله الحسنى.

          فالمرء إذا علم أن الله عز وجل ( قاهر ) و ( قهار ) علم أن له قدرة لو أراد أن يلجئه إلى المنهج قصراً ، وهو إذا لم يفعل ذلك ، فهو سيقهر العصاة والكافرين بإنزال العقوبة بهم في الدنيا وفي الآخرة.

          والعباد حين يعلمون ذلك يُقبلون على المنهج الإلهي، ويقاومون غرائزهم التي تخلد بهم إلى الأرض ، وتوقعهم في العذاب الأليم.

          هذا جانب مهم يؤكد لنا أن اسم الله ( القهار ) يكون استفادتنا منه بالقدر الذي وضحناه ضرورة تشريعية أو أخلاقية أو سلوكية ، أو ما شئت من الأسماء والألقاب.

          ومن الناحية العملية فإن حظ العبد من اسم الله ( القهار ) يظهر في محاكاة الإنسان له بقدر الطاقة، وتظهر هذه المحاكاة في جميع مراتب السلوك؛ إذ السلوك يبدأ في أول الأمر تخيل وتفكير، وتخطيط وتدبير، ثم ينتقل من ذلك إلى اشتياق النفس والغرائز إلى الممارسة والفعل إلى أن ننتهي في المرحلة الأخيرة إلى ما يسمى بالنزوع والعمل والممارسة.

          والحصيف من المكلَّفين هو الذي يتتبع سلوكه كله في جميع مراحله مستفيداً من اسم الله ( القهار ) ، فيصرف نفسه عن كل مرحلة من هذه المراحل، ويمنعها عن التمادي فيها.

          فهو يقهر القوة المفكرة، والمتخيلة، ويمنعهما أن يسيرا على هوى طبيعتهما حتى لا ينتقل إلى المراحل التالية.

          فإن أفلتت منه السيطرة على النفس في هذه المرحلة تتبعها في المرحلة التالية ، وهي مرحلة الأشواق والرغبات والميول.

          فإن أفلتت منه أيضاً في هذه المرحلة وتلبست بالإقبال على مرحلة النزوع والتصرف العملي، عليه أن يتابعها في هذه المرحلة ليمارس عليها أشد أنواع القهر وأعنفه.

          بهذا يكون الإنسان إنساناً، ويكون المكلَّف في الدرجة الملائمة له، فإن لم يستطع كان ممن أخلد إلى الأرض واتبع هواه على غير إرادة مرجحة، ولا قدرة نافذة ، ويكون مثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث وإن تتركه يلهث.

          والناقد البصير، والقارئ المتعمق، يعلم أن مقاومة السلوك في أول مراحله أمر سهل ميسور، غير أن الأمر يشتد على من يبتغي مقاومته في المرحلتين الثانية والثالثة.

          ورءوس الميادين التي سيقاوم الإنسان فيها سلوكاته المنحرفة، الشهوة والغضب والتفكير.

          وميزان الغرائز المسيطرة في مجال الشهوة هي هذه الغريزة التي خلقها الله في الإنسان ليتمكن من أداء ضريبة النوع، وقد طلب إلى الإنسان فيها أن تكون داعيته إلى قسيمه الرغبة في الولد والحرص على العفاف، وهي مسائل يتجاوزها بحمق الإفراط في الحصول على اللذة للمتعة.

          وفي تجارب الإنسان أن المرء إذا قهر داعية الشهوة فيه وألزمها حد الاعتدال، استقام في عين نفسه وفي أعين الناس ، وكان من الناجين في الدنيا وفي الآخرة.

          وميدان الغضب ميدان آخر خلقه الله فينا لنحافظ على أمور يجب المحافظة عليها، كالانتماء للدين ، والغيرة على العرض، والهمة للمحافظة على النفس والمال .... إلخ.

          وميزان التقدير الذي يضبط هذا المجال والتصرف فيه ، هو أن نعلم أن لنا حقوقاً ، وأن علينا واجبات، وأن نعمل على هذا الأساس لا نتعداه، فلا يجوز أن نحصِّل حقوقنا على حساب ما للآخرين من حقوق .

          ومراعاة هذا الميزان هو مطلوب الشرع، وهو يحتاج منا إلى تكرار النظر في اسم الله ( القهار ) ، لسنتوحي منه أجل المعاني في قهر غرائزنا حين نريد أن نلتهم أسباب أهوائها على أساسٍ من هضم حقوق الآخرين.

          ثم ننتهي بعد ذلك إلى ميدان مهم، وهو ميدان الفكر والنظر،والمسئول عنه هو القوة المفكرة، التي يجب أن يكون لها كل السلطان على القوتين السابقتين الشهوانية والغضبية.

          وميزان الشعرة الدقيق الذي ينضبط به سلوك القوة العاقلة هو: أن تُحمل هذه القوة على اتباع المنهج الذي يجمعه أمران : ( إن كنت ناقلاً فالصحة، وإن كنت مدعياً فالدليل ).

          والثمار المترتبة على هذا المنهج كثيرة أهمها : أن الإنسان في حالة استقامته يكون قادراً على إعطاء النَصَفة حتى من نفسه وذويه.

          وهكذا يتكامل الإنسان حين يستفيد من اسم ربه ( القهار ) فيقهر سلوكه وغرائزه لتلتزم الجادة، لا تُفرط في الرغبات فتتجاوز الحدود، ولا تنقبض عن الممارسة فتحتل وظائفها، ويختل باختلالها في الأفراد نظم الاجتماع كلها.

          ولقد نظر الإمام الغزالي إلى حظ العباد من هذا الاسم بمنظوره الذي يلائم فكره، فقال بعبارته الرشيقة : [ القهار من العباد من قهر أعداءه ، وأعدى عدو الإنسان نفسه : التي بين جنبيه ، وهي أعدى له من الشيطان الذي قد غره، ومهما قهر شهوات نفسه فقد قهر الشيطان إذ الشيطان يسوقه إلى الهلاك بواسطة شهواته، وإحدى حبائل الشيطان النساء فمن فقد شهوة النساء لم يتصور أن يعتقل بهذه الأحبولة ، فكذلك من قهر هذه الشهوة تحت سطوة الدين وإشارة العقل ومهما قهر شهوات نفسه ، فقد قهر الناس كافة فلم يقدر عليه أحد إذ غاية أعدائه السعي في هلاك بدنه وذلك إحياء لروحه فإن من أمات شهواته في حياته عاش في مماته: "ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون " ] .

* * *

                                د / طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة

 

 

 


تابع إذاعة القرآن الكريم                                             الحلقة ( 37 )

----------------------------------------------

الإيمان وأثره في المجتمع

من أسماء الله الحسنى ( الوهاب )

حقيقته وحظ العباد منه

ـ

          من فضائل الله على عباده أنه قد منحهم كلامه الموحى به إلى نبيه يقرءونه ويتعبدون بقراءته.

          وهم حين يقرأون كلام ربهم تصادفهم في كثير من الآيات أسماء الله الحسنى ، التي إذا سئل بها أجاب، وإذا استشفع بها شفَّع، وإذا استُعطي بها أعطى.

          ومن أسماء الله الحسنى التي  تصادف المرء في قراءته للقرآن الكريم فينشرح لها صدره، ويتهلل لها وجهه، وتشيع البهجة بين جوانحه، اسم الله (الوهاب).

          ومع شيوع هذه المادة في القرآن الكريم ، فإننا لا نجد القرآن يذكر لنا اسم الفاعل من هذه المادة ليكون اسماً من أسماء الله الحسنى، وإنما الذي وجدناه هو المبالغة من هذه المادة، فكان الاسم هو : ( الوهاب ) على ما قال الله عز وجل في سورة ( آل عمران ) رقم ( 8 ) " .. ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب " ، وفي موضعين من سورة ( ص ) الآية رقم ( 9 ) "وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشئ يراد* ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق* أءنزل عليه الذكر من بيننا بل هم في شكٍ من ذكري بل لما يذوقوا عذاب* أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب" (6: 9) ورقم (35) "ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب* قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحدٍ من بعدي إنك أنت الوهاب" ( 34 ، 35).

          والوهاب مبالغة في ( الواهب ).

          ومادتها كلها ترجع إلى ( الوهب ) الذي هو المصدر، ومنه جاءت (الهبة)، وجاءت الأفعال في الماضي، والمضارع، والطلب الصادر من العبد لخالقه يرجو به عطاياه.

          وإذا كان الأمر كذلك فإنا نحتاج إلى فهم دقيق لمعنى الهبة والوهب.

          وليس للهبة من معنى عند العلماء.

          وليس للهبة من تعريف عند المفكرين إلا أن تكون ( الهبة ) هي : العطية الخالية عن الأعراض والأغراض.

          ولو أننا تأملنا هذا التعريف بدقة الفاحص، لرأيناه يقوم على ركنين أساسين :

          أحدهما : التمليك على وجه العطية.

          وثانيهما : أن تكون العطية بغير عوض مادي أو معنوي، أو على نحو ما جاء في التعريف أن تكون العطية بغير عوض أو غرض.

          وإذا أردنا أن نفهم هذين الركنين على وجههما حين تكون الهبة من الله عز وجل، فإنه ينبغي علينا أن نبدأ بالركن الأول.

          والركن الأول هو : التمليك من قَبَل الله عز وجل إلى عبد من عباده.

          ويتضح هذا الركن إذا نحن نظرنا إلى وقائع الكون بصفاء الذهن وحضور القلب.

          ولو أننا نظرنا إلى وقائع الكون ونحن على هذه الصفة، لوجدنا أن (التمليك) على الحقيقة لا يكون إلا من قِبَل الله سبحانه وتعالى.

          والأمر ظاهر ؛ ذلك لأن المخلوق لا يهب لمخلوق مثله شيئاً إلا أن تتوفر لديه داعية الهبة.

          وداعية الهبة حركة قلبية أو نشاط قلبي، والقلوب مملوكة لله، فداعية الهبة إذاً هي من فعل الله المباشر، ولولاها ما تحرك العبد إلى تمليك غيره على وجه الهبة والعطية.

          ونحن نضيف إلى ما ذكرناه شيئاً آخر، وهو أن فعل العبد ليس من الأشياء التي يدركها العبد على حقيقتها ، ويقفُ منها على وجهها، لا من حيث الأسباب والدواعي، ولا من حيث الأغراض والنتائج، ولا من حيث الأدوات اللازمة للمباشرة.

          وعلى الجملة فالعبد جاهل بكثير من حقيقة فعله ، والجاهل بالشئ لا يقدر على تمليكه تمليكاً مطلقاً .

          ثم إن ما يقع في الكون معلوم لله، مرادٌ له ، ولا يقع في الكون إلا ما يريده الله على وفق علمه، فهل يمكن للعبد أن يُملِّك غيره على خلاف مراد ربه ؟.

          إن العقلاء لا يجيبون إلا بالنفي.

          وفي هذه الحال لا يمكن أن يُقال: إن العبد مطلق الإرادة في التمليك والهبة لغيره، بل إن إرادته دائرة في متعلقات إرادة ربه.

          هذا . وقبل ذلك وبعده فإن العبد مملوك لله.

          والمملوك لغيره لا يملك شيئاً ، لأنه في الأول والآخر كلٌّ على مولاه، على ما قال الله عز وجل " ضرب الله مثلاً عبدا مملوكا لا يقدر على شئ وهو كل على مولاه ".

          ومن المعروف أن فاقد الشئ لا يعطيه .

          وخلاصة القول : أن ( التمليك ) على الحقيقة لا يكون إلا من مالك، والمالك الحقيقي هو الله ، فهو الذي يملك أن يعطي ويمنع لا إله إلا هو .

          أما الركن الثاني : وهو أن يكون التمليك بغير عوض ولا غرض، فهذا الركن لا يتحقق إلا لله وحده.

          ودعنا نفترض جدلاً أن العبد قادر على التمليك ، وذلك لا يكون إلا تمليكاً نسبيا.

          فإنا إذا افترضنا ذلك فنحن لا نستطيع بحال من الأحوال أن نتصور من العبد تمليكاً بغير غرض أو عوض.

          وإذا توسط الغرض أو العوض ، أو قام التمليك على أساسٍ منهما، فإن هذا التمليك لا يسمى هبة ، وإنما يسمى معاوضة أو قريباً من ذلك.

          والعوض لا يكون قاصراً على الأمور المادية، وإنما يشمل كل ما يتطلبه المرء في مقابلة التمليك من ماديات أو معنويات ، إذ كل ذلك عوض ومقابل.

          [ فمن وهب وله في هبته غرض يناله عاجلاً أو آجلاً من ثناء أو مدح أو مودة، أو تخلص من مذمة أو اكتساب شرف وذكر، فهو معتاض وليس بوهاب ولا جواد، إذ ليس الغرض كله عينا يتناولها، بل كل ما ليس بحاصل، ويقصد الواهب حصوله بالهبة فهو عوض، فمن وهب وجاد لتشريف أو ليثنى عليه، أو لئلا يّذم فهو العامل ، وإنما الجواد الحق هو الذي يغيض منه الفوائد على المستفيد لا لغرض يعود إليه، بل الذي يعمل شيئاً لو لم يفعله لقبح به، فهو بما يفعله متخلص وذلك غرض وعوض ] .

          وقد يقول قائل : إنه يصح في العقول أن نفترض ونقول : إنه من الممكن أن يكون هناك إنسانٌ أعمى لا يرى ، وأصم لا يسمع، وأبكم لا يتكلم.

          كما يصح في العقول أن نفترض فنقول : إنه من الممكن أن يكون هناك إنسان مغماً عليه، أو في نوع من أنواع الغيبوبة لا يدري ما حوله ومن حوله ، ولا يعقل ما يُفعل به أو. له ، ثم يمر على هذين أو أحدِهما إنسانٌ يهب لهما أو لأحدهما شيئاً من ممتلكاته رغبة في مساعدتهما أو أحدهما.

          وفي هذه الحالات يكون الواهب قد ملّك بغير عوض.

          فما عسى أن نسمي هذا التصرف؟

          والجواب على هذا الافتراض ومثله أن نقول : إن الواهب وإن كان قد ملّك في غير رغبة في ثناءٍ أو دفع ملام، إلا أنه في الحقيقة قد أراح نفسه من آلام رقة القلب النوعية التي تنتاب المرء سليم الطبع عندما يصادفه على طريق الحياة من يحتاج إلى المعونة أو المساعدة.

          ورقة القلب النوعية مؤلمة ، والمرء إذا دفعها عن نفسه بما يقدمه للغير، كان دفعه عوضاً عما ملكه أو تنازل عنه.

          ومن هنا يتبين أن أركان الهبة الحقيقية وتعريفها لا يتحققان على هذا الوجه المطلق إلا لله ، فهو وحده ( الوهاب ).

          ودعنا نفترض افتراضاً آخر يتحقق من خلاله وصف ( الواهب ) للمخلوق الذي يملِّك غيره شيئاً ما مما يجوز تملكه ، فيطلق عليه من أجله ( واهباً ).

          ومع أن هذا افتراض يصعب تحققه على أرض الواقع ، إلا أننا لو أجزناه جدلاً، فإنه يصعب أن يشارك العبد ربه في الاسم الذي جاء على صيغة المبالغة من: (الوهب) وهو ( الوهاب )؛ إذ المرء ليس مطلق اليد في تملك أو تمليك ما في الكون من أحداث وأعراض ، حيث إن هناك أموراً لا يقدر على تمليكها فضلاً عن أن يكون التمليك بعوض.

          فالمخلوقون  [ إنما يملكون أن يهبوا مالاً ونوالاً في حال دون حال، ولا يملكون أن يهبوا شفاء لسقيم، ولا ولداً لعقيم، ولا هدى لضال، ولا عافية لذي بلاء، والله سبحانه وتعالى يملك جميع ذلك، دامت عطاياه ، وتوالت أياديه، فكان الوهاب هو لا غيره ]

          في حكايات تُروى عن الصالحين أن حاتماً الأصم صام نهاره حتى أمسى، فقُدم إليه طعام الإفطار في طبق، فأتاه سائل فمنحه إياه، فعوضه الله عز وجل بطبق من طعام أتاه هدية عليه كثرة كاثرة من الأصناف والألوان، فرزق بسائل آخر فمنحه إياه، فناداه رجل من خلفه ومعه صرة من مال جاءه بها هدية، فصاح حاتم يقول : واغوثاه من خَلَف ، وقد كان هناك رجل يجاوره يسمى خلفاً ، فجاء الناس يلومون هذا الجار حين سمعوا حاتماً يقول : واغوثاه من خلف ويأنبونه أشد التأنيب قائلين له : لمذا تؤذي هذا الرجل الصالح حاتما ؟ فقال حاتم : والله ما أستغيث من جاري، وإنما أستغيث من كثرة النعم يخلف الله بها علىّ ، وأخشى أن أعجز عن شكرها.

          [ وحكى : أن الشبلي سأل بعض أصحاب أبي على الثقفي فقال : أي اسم من أسماء الله تعالى يجري على لسان أبي علي ؟ فقال : الوهاب ، فقال الشبلي : فلهذا كثر ماله ] .

حظ العبد من اسم الله ( الوهاب ) : ـ

          لقد وقفنا على ما نستطيع فهمه من اسم الله ( الوهاب ) .

          وجاء دور الحديث عن حظ العبد من هذا الاسم.

          ولست أدري من أين أبدأ وحظ العبد من هذا الاسم يلقي بنا في بحار من التأمل عجيبة الشأن .

          فالإنسان في هذه الدنيا ناقص ، ويحتاج إلى من يمده بما يعوضه هذا النقص.

          والنقص في الإنسان قد يُلقي به في بوتقة من الانصهار النفسي، وهي بوتقة تخرج منها النفس بعد انصهارها، إما معوجة لا تستقيم، وإما مستقيمة لا تؤثر فيها نوائب الدهر.

          وهذا القدر يتحتم على المرء أن يقف عليه من نفسه ليعرف ما يصلحه وما يضره.

          وبعد هذا نقول :إن الإنسان حين يُلقى به في صحراء الحياة ولأوائها، ويقف على مرارة شدائد الدنيا وعقباتها، يكون أحدَ رجلين : رجلٌ : غَفَل عن ربه وألقى بقياده إلى مخلوق مثله، وهذا لن يجني إلا أمراض النفس، ولن يحصد إلا هذه الآلام التي تنعكس على شخصيته ، فتجعله في الدنيا إنساناً تعس الحظ، نكد الفؤاد ، مختل المزاج ، ورجل آخر : علم أن له ربّاً وهابا يعطي ولو على غير سؤال، ويمنح ولو من غير الباب المتوقع.

          وهذا الذي أدرك أن له ربا وهابا ، استطاع أن يقابل ما تمتلئ به الدنيا من المشاكل التي تكوِّن العقبات الكئود في طريقه وهو يبتغي أن يحصِّل حاجاته، استطاع أن يقابل ذلك كله بهذه العقيدة الراسخة في ذهنه، وهي أن ربه هو (الوهاب) فتعامل مع هذه العقبات إحدى طريقتين  ، لأن هذه العقبات إن كان لها أسباب يصطنعها المرء للتغلب عليها، اصطنع للتغلب عليها أسبابه، وإذا لم يكن لها أسباب، أو كانت أسبابها فوق طاقته اصطنع لها الدعاء والتضرع بين يدي مولاه (الوهاب).

          ومثل هذا الرجل قد أدرك تمام الإدراك أنه لا يملك النتائج في حالتي الدعاء واصطناع الأسباب إلا واحد هو الله ، ولما كان (الوهاب) هو من أسمائه الحسنى ترسَّخ في قلب المؤمن أن الله لن يحجب عن عباده هبته.

          وهذا هو المعنى الحقيقي للتوكل في الإسلام [ اصطناع الأسباب لكل من كان له أسباب، واصطناع الدعاء والاجتهاد فيه لكل من تقطعت به الأسباب، وفي جميع الأحوال فإن النتائج كلها من هبة (الواهب) سبحانه ] .

          ومن هنا فإن هذا الرجل وأمثاله يكونون فوق مستوى الأزمات النفسية.

          هذا من ناحية.

          ومن ناحية أخرى فإن المرء الذي يدرك أنه عبدٌ لرب وهاب، لم يرفع حوائجه إلا  إليه ، ولم يتوكل على أحد إلا عليه، فربما يسأل بحكم الخشوع والتذلل، وربما يسأل بحكم البسط والتدلل.

          ورجل هذه عقيدته تجد أنه قد استفاد من اسم ربه ( الوهاب ) سلامة النفس من أمراضها ، فلم تُكبت نفسه ولم تّذِل .

          هذا جانب من جوانب الاستفادة من اسم الله ( الوهاب ).

          وهناك للعبد حظ آخر من هذا الاسم، وهو أن يدرب نفسه على العطاء والسخاء لو قد عجز عن أن تتحقق له صفة ( الواهب والوهاب ).

          وبيان ذلك أن نقول : إن الطريق أمام المرء وإن كان مغلقاً لتحصيل شئ من اسم الله ( الوهاب ) بسبب طبيعة الهبة، وأنها لا تتحقق إلا بالتمليك على غير عوض، فإنه يتاح للمرء التشبه بهذا الاسم من بعيد، وذلك من خلال العطية والبذل.

          فالمرء الذي سكن الإيمان قلبه يجب عليه ألا يحجب عن الناس عطاياه من خلال شعوره بحاجتهم، وإدراكه لآلامهم.

          والمرء الذي تكون هذه صفته لن يستطيع أن يتخلص من المعاوضة، ولكن مع ذلك بإمكانه أن يتخفف من كل معاوضة متدنية حين يطمع في كل مقابل رفيع.

          والمرء إذا رغب في الصعود وهو يطلب العوض الذي لا يستطيع أن يتخلص منه، يجد نفسه بالنسبة للعوض أمام درجات عليه أن يختار منها، وتقابله بدائل عليه أن يجافي المتدني منها.

          وهذه البدائل تكون على النحو التالي :

  فمن الناس من يبذل العطاء في مقابل تحصيل الشهرة الاجتماعية، فهو ينفق : ليقال جواد، وهو يحمل الكَل : ليقال صاحب مروءة ، وهو ينصف المظلوم: ليقال رجل عادل، وهو يقاتل : ليقال شجاع ... إلى غير ذلك من الأشباه والنظائر.

          ومثل هذه المطالب لا تكاد ترقى عن شراك النعْال ، إذ هي من صغائر الأمور وتوافه الأغراض.

  ومن الناس من يبذل العطاء في مقابل التخلص من الملام، ولو قد عَلم أنه بمنأىً عن الملام ما فعل، ولا بذل العطاء.

          وهذا الصنف كالصنف الذي سبقه لا يختلف عنه إلا في التكييف، أو في بيان السلب والإيجاب من المطالب.

  ومن الناس من يبذل العطاء بقصد الحصول على الراحة الطبيعية؛ إذ في طبع الإنسان أنه ينكسر قلبه، ويرق فؤاده، وتلتاع مشاعره حين يرى أمامه ضعيفاً أو محتاجاً، أو مريضاً أو عقيماً، أو من داهمته مصائب الدنيا من أي نوع كانت هذه المصائب، ولا يتخلص الإنسان من ضغطة هذه المشاعر، وألام هذا الوجدان إلا إذا أمد أصحاب المصائب ومن ألمت بهم هذه المصاعب بما يرفع عنهم آلامهم، وما ينحي عنهم مصائبهم.

          والإنسان الذي يبذل ويعطي بقصد الحصول على هذه الراحة الفطرية يكون قد ظلم نفسه بقصر نظره، وأحاطت به أوهامه وأهدافه، فحصرته داخل نطاق ضيق جعل فائدته في حدود ما أحاط به من النطاق.

  ومن الناس من يبذل العطاء بقصد الفرار من النار، وكسب السكن في جنات النعيم، على أي درجة يكون مسكنه في هذه الجنات، يتمتع فيها بما أخبره القرآن من ظل ظليل، وأنهار مختلفة الأجناس، ولحم طير مما يشتهيه العباد، وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون ... إلى آخره مما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

          وهذا الصنف أرقى من جميع الأنواع التي سلفت ، فهو يتمتع بأهداف سامية، توسل إليها بوسائل راقية ، لا يمنعها الشرع، ولا تأباها العقيدة.

  ومن الناس من يبذل العطاء بقصد الحصول على رضى الله ورضوانه، فهو لا يرى إلا هذا الرضوان، ولا يتعلق إلا بمحبته لربه.

          وهذا الصنف من الناس قليل العدد، تخفف من الدنيا وأوزارها، ولم يثقل كاهله بمقاصدها وأهدافها، ففر من الله إلى الله .

          وهذا هو أرقى الأصناف ولا شك ، وهذا هو الذي استفاد من اسم الله (الوهاب) بقدر ما مكنته الاستفادة ، وارتقى في هذه الاستفادة بقدر ما أتيح له من الرقى .

          وهذا الصنف وإن كان لا يخلو من المعاوضة إلا أن العوض ثمين، والهدف عظيم، ولا يعقله إلا العالمون .

          فيا وهاب هب لنا منك ما تمكن لنا به من الرضا عنا .

تم بحمد الله تعالى

* * *

                               د / طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

كلية أصول الدين ـ القاهرة