• الموقع الرسمي للدكتور طه حبيشي
الفقه الميسر

الفقه الميسر ...

الفقه الاسلامى الفقه الاسلامى الفقه الاسلامى الفقه ...

2008-09-28 03:55:37

أرشيف : مقالات

الطلاق بالشهود

صورة افتراضية

يقول الدكتور طه حبيشي رئيس قسم العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر انه إذا أردنا أن نعرف حكم الاشهاد علي الطلاق فإننا ننصرف مباشرة إلي آية في القرآن لابد من فهمها مع النصوص الأخري المنتشرة في كتاب الله وسنة رسوله‏.‏

وهذه الآية المذكورة في سورة الطلاق هي قوله تعالي‏:‏ واشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر صدق الله ا لعظيم وهذه الآية لايمكن الفهم فيها إلا بعد الحديث عن عدة أمور‏,‏ وأول هذه الأمور‏.‏

حسم مسألة الطلاق هل هو عقد أو انهاء عقد؟ فاذا قلنا‏:‏ إن الطلاق عقد كان لابد فيه من تلاقي ارادتين‏,‏ أعني إرادة الزوج وإرادة الزوجة‏,‏ حيث يتم التراضي بينهما علي إيقاع الطلاق‏.‏

وتلاقي الارادتين علي هذا النحو إن اعتبرناه شرطا‏,‏ فانه يلقي بنا مباشرة امام مجموعة من المشاكل‏,‏ إذا أحاطت بالأسرة ظروف تقتضي الطلاق‏,‏ ورفض ذلك أحد الطرفين‏.‏ وفي هذه الحال نجد أنفسنا‏,‏ وقد استحال أمامنا تلاقي الارادتين‏,‏ لانستطيع أن نقول‏:‏ إن الطلاق عقد‏.‏ ويبقي أمامنا احتمال واحد‏.‏ وهو ان الطلاق إنهاء لعقد الزوجة‏.‏ وهذا الموقف هو الذي جعل الكثير من العلماء يقولون‏:‏ إن مسألة الأمر بالاشهاد في الآية لاينصرف إلي الطلاق‏,‏ وإنما ينصرف إلي مايترتب علي الطلاق غالبا من الرغبة في الرجعة فيكون الاستشهاد حينئذ‏,‏ وقد وجه الشرع الناس إلي اعتباره إن أراد الذي طلق زوجته أن يراجعها‏,‏ والاشهاد علي الرجعة ربما يصطدم أمامنا بمبدأ تشريعي مهم وهو أن الرجعة حق للرجل‏,‏ والمرء حين يريد أن يستوفي حقه لايطلب إليه أن يأتي بشهود كي يشهد علي استيفائه لهذا الحق‏,‏ إن توافرت أمامه أسباب استيفائه‏.‏

ويؤكد ذلك أن الرجل إذا ظاهر من زوجته طلب الشرع منه أن يقوم بأداء الكفارة من قبل أن يتماسا فإن هو فعل ذلك عاد له ولزوجته حق استمرار الزوجية‏,‏ ولم يطلب إليه أن يأتي بشاهد أو شاهدين يثبت أمامهما رجوع الحق اليه وقال الدكتور طه إن هذا الاعضال أمام الاشهاد علي الرجعة هو إعضال له وجاهته‏,‏ ولكنه يبقي أمام المشرع إعضال آخر‏,‏ لو قد استبعدنا الاشهاد علي الرجعة‏,‏ إذ ربما يطلق الرجل زوجته وتنقضي عدتها‏,‏ وتريد أن تتزوج فتدب الغيرة في قلب زوجها الأول‏,‏ أو تركبه حالة من الإشمئزاز من هذا الفعل‏,‏ أو يحدث له عارض من عوارض النفس الأخري‏.‏ فيدعي انه راجعها قبل انقضاء العدة ليعضلها‏.‏ أو يمنعها من الزواج‏,‏ وقد يحدث شئ آخر‏,‏ وهو أن الزوجة التي طلقها زوجها ثم مات عنها بعد انقضاء عدتها تدعي أنه قد راجعها في العدة لتثبت حقا لها في والميراث‏,‏ وأمورا أخري من هذا القبيل قد اتسعت لها الذمم بعدما خربت‏,‏ ووسعتها الضمائر بعد ماضلت‏,‏ وانحرفت‏.‏ وهي أمور تحتاج إلي بينات تعضدها‏,‏ أو تنقيها لاحقاق الحق‏,‏ وإبطال الباطل‏.‏

ولهذه الأمور المتشابكة رأي جمهور الأمة أن الأمر بالاشهاد في الطلاق‏,‏ أو في الرجعة إنما يرد علي سبيل الندب لاعلي سبيل الوجوب تلافيا لهذه المعضلات المتضاربة‏,‏ أو ترفعا عن آثارها المجهدة للذهن‏.‏ ومع أن الاشهاد يكون حين التحمل مندوبا إليه لأنه عند الأداء يكون معبرا ومعمولا به وملزما لجميع الأطراف‏,‏ وعلي القاضي وضمير المحكمة جميعا أن يتثبتا من صدق الشهود ويجب التنبيه مرة أخري إلي أنه ليس من المقبول أن نقول‏:‏ إن الاشهاد في الطلاق أو في الرجعة من قبيل البينات التي يقوم عليها صحة التعاقد في العقود‏,‏ وإنما هي أمر تعبدي يكون اللجوء إليه أول الأمر اختياريا أعني عند التحمل ـ لكنه يكون آخر الأمر له آثاره المعتبرة‏.‏ وربما يؤكد هذا الموقف ختام الآية حيث جاء ختامها علي هذا النحو وأقيموا الشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر كما يؤكد كذلك ماأثر عن الامام الشافعي‏,‏ وذكره القرطبي أنه قال‏:(‏ إن الرجعة لاتفتقد إلي القبول‏,‏ فلم تفتقر الي الاشهاد كسائر الحقوق وخصوصا حل الظهار بالكفارة‏.‏

وعلي كل ماذكرناه يمكن لنا أن نقرر أن للاشهاد المندوب إليه هنا فائدة لاتنكر سبق أن ألمحنا إليها وهي‏:‏ أن فائدة الاشهاد في ألا يقع بينهما التجاحد‏,‏ وألا يتهم في إمساكها‏,‏ ولئلا يموت أحدهما فيدعي الباقي ثبوت الزوجية ليرث‏.‏

وفيما نحن بصدده الآن من القضية المطروحة نقول‏:‏ إن من ادعي بعد انقضاء العدة من الزوجين أنه راجع امرأته في العدة‏,‏ فإن صدقته جاز‏,‏ وإن أنكرت حلفت‏,‏ فإن أقام بينة أنه ارتجعها في العدة ولم تعلم بذلك لم يضره جهلها بذلك وكانت زوجته‏,‏ ومثل هذا الذي قلناه هنا في الرجعة نقوله في الطلاق حيث قد قررنا أن الاشهاد‏,‏ وإن كان مندوبا اليه عند التحمل في الطلاق إلا أنه عند الأداء يكون ملزما ولاشك‏.‏

أما الدكتور عبدالمعطي بيومي كان له رأي آخر حيث قال إنني أري إزاء فوضي الطلاق واستهتار الرجال بالطلاق بعضهم يطلق زوجته دون أن يخبرها طلاقا غيابيا دون أن تشعر فلهذه الفوضي طالبت أن يثبت الطلاق بشهود حيث لاتترتب آثاره إلا بالاشهاد فانه إذا مات الرجل دون أن يشهده علي طلاقها فإنه يجب أن يعاقبا بتوريثها منه وهذا موجود في الفقه لأن طلاقها في مرض الموت يعبر عن حرمانها في الميراث‏.‏

وأوضح الدكتور عبدالمعطي أنه إذا طلقها دون إشهاد ومات فإنها ترث وقد قال بهذا بعض كبار الصحابة والتابعين وليس هذا مقصورا علي المذهب الشيعي فقط حيث قال به عطاء‏,‏ عمران بن حصين‏,‏ الامام علي بن أبي طالب‏.‏ لافتا إلي أن الأئمة الأربعة يثبتون الطلاق بشهود كسنة‏,‏ والامام جعفر لايثبت الطلاق إلا بشهود والخلاف الفقهي إذا حسمه الحاكم بترجيح مذهب علي آخر يجري العمل به وإنه بناء علي هذا إذا رجحت الهيئة التشريعية ذلك فيؤخذ به‏.‏

ولاتبقي لنا في نهاية هذا التحقيق سوي المطالبة بسرعة الفصل في هذه القضية لعدم فتح الباب أمام الادعاءات الكاذبة‏.