• الموقع الرسمي للدكتور طه حبيشي

أرشيف : الكتب

التيارات والمذاهب المعاصرة.

صورة افتراضية

موضوع الكتاب :

المؤلف :

عدد صفحات الكتاب :

لغة الكتاب : العربية

تفاصيل الكتاب :

كلمة الناشر

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدًا، والصلاة والسلام على أشرف الخلق الذي أرسى قواعد الحق، وبين للناس الهدى من الضلال، وتركهم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، وعلى آله وأصحابه الذين حولوا معه تلك الرسالة إلى واقع تاريخي ملموس، فكانوا بحق المجتمع المثالي الذي يجب أن يحتذى، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فإننا لا نعدم في التاريخ، كما أننا لا نعدم في مجال العلم والمعرفة قضايا تُطرح خطأ ويدور حولها الجدل والنقاش، ولا تطرح القضية طرحًا خاطئًا إلا وهي تحمل مع طرحها بذور استقصاء الحل، وخروجها عن إمكان حسمها.

تُطرح القضايا أحيانًا طرحًا خاطئًا، وقد يقصد البعض إلى طرحها على هذا النحو لا لشيء إلا لأنهم يريدون أن تتجادل جماعة من البشر، ويشتد بينهم الجدال، حتى يسلمهم إلى العداوة والبغضاء، ويورثهم الخلاف الذي يجعلهم طوائف وشيع حتى تتفتت قواهم، وتذهب ريحهم.

ومن بين القضايا التي طرحت على هذا النحو، قضية الصراع بين العلم والدين، وأنهما لا يلتقيان، فإما علم بلا دين، وإما دين بلا علم، وتتساءل الإنسانية اليوم وقبل اليوم في أي هذين الخطين تسير؟ وأي صبغة نصطبغ بها في حياتنا التي نعيش فيها، حتى نحقق لأنفسنا السعادة، ولأبنائنا نوعًا من الرخاء؟

هل نسير في خط الدين، ونسلم قيادنا إلى رب العالمين، واثقين بما يصنع بنا ويفعل، مطمئنين إلى تحقيق السعادة من هذا الطريق المأمون؟

أم نسير في طريق العلم الذي يوقفنا من خلال التجربة العملية على حقائق الأشياء، ويضع حواسّنا الواحدة بعد الأخرى على ما حولنا من الكائنات والموجودات؟ ثم يرفض كل شيء تعجز الحواس عن إدراكه، ويولي ظهره لكل حقيقة تتأبى على الحس، أو ترفض أن تكون في دائرة اختصاصه.

نجد فريقًا من الناس قد اتخذوا لأنفسهم خط الدين منهجًا وساروا عليه، واتخذوا من الخطوط الأخرى موقفًا معاديًا، ووضعوها في خندق مقابل للخندق الذي يجلسون فيه.

وفريقًا آخر اتخذوا سبيل العلم منهجًا لهم، وناصبوا الدين العداء، واعتبروه خرافة أو جملة من الأساطير، ومنهم من لم يناصبه العداء، ولكنه اعتبره شيئًا هامشيًا يتخذه الفرد لذاته إن أراد منهجًا يطبع سلوكه الشخصي، ويؤثر في سره من الباطن إن وجد راحته في ذلك، شريطة أن لا يقتحم به على الجماعة عالمها، وأن لا يدخل به على الأمة ميدانها.

وهاك جماعة ثالثة شكت في اتخاذ الأفراد الدين منهجًا، ورأت أنه سلاح دمار يجب أن يحارب، وأنه أفيون شعوب قصدت -الطبقة البرجوازية- من ورائه تخدير فريستها من العامة والدهماء- البلورتاريا- بقصد التهامها، وامتصاص دمائها، وابتزاز ثرواتها، وجَنْي ثمرة مجهودها.

وسلاح كهذا ينبغي أن يحارب، وأن يقف الرجال المتميزون في وجهه، وفي وجه حامليه، وأن يستعينوا بالطبقة المعتدى عليها، لأنها في النهاية هي التي ستجني الثمرة، وتحصل الفائدة، حين تكون هي الطبقة القائدة، إن كان ثَمَّ قيادة، وهي الطبقة المسيطرة إن صح أن تكون هناك سيطرة، إنها ستكون الطبقة السائدة، والمسيطرة حين يتحقق لها النصر على أولئك الذين يتخذون الدين سلاحًا وستارًا يحققون من خلاله أغراضهم، وإن كانت الأخرى إن لم يتحقق النصر للطبقة الكادحة، فإنها لن تخسر شيئًا في معاركها، حين تحتكم إلى ميزان المكسب والخسارة، سوى الأغلال والقيود التي قدر لها أن ترسف فيها فترة من الزمن.

تلك هي طبيعة النقاش المحتدم، والجدل الظاهر المستعر في حومة الوغى بين بني الإنسان على طول المعمورة وعرضها.

والمرء يطيل البصر، ويردده بين هذا الفريق وذاك، يتفحص كل فريق ويتأمل كل رأي، ويراجع كل حجة، ثم يرجع إليه البصر خاسئًا وهو حسير، لماذا؟! هل الأدلة متكافئة؟ هل لا يمكن أن نرجح رأي فريق على آخر؟ ولماذا تغيب الحقيقة وسط هذا الزحام والركام؟

إن المرء لا يملك جوابًا حاسمًا على هذه الأسئلة جميعها، إذا هو انصرف عمّا عرضناه قبل من أسباب تقف وراء هذا الصراع، وتحول بين البشرية، وبين حسم القضية التي تشغلها، إن السبب الحقيقي وراء هذا الخلاف المستعر، وبين هذا النزاع الذي يصور بعد الشقة بين الآراء المتعارضة هو أن القضية قد وضعت وضعًا خاطئًا، وطرحت على الساحة من خلال هذا التصور الخاطئ، وكان ينبغي علينا أولاً أن نحرر القضية في وضعها الصحيح، بدلاً من أن ننتقل إلى القضية المترتبة عليها، ونجيب على هذا السؤال: هل هناك تعارض حقيقي بين العلم والدين، وهل يقف العلم والدين على طرفي نقيض بحيث يجب على الإنسان أن يختار أحدهما، ولا يتمكن من الجمع بينهما؟.

وبعد أن يفرغ المرء من الإجابة على هذا السؤال عليه أن يجيب على سؤال آخر: هل الإنسانية قادرة على صياغة القضية من جديد، ووضعها في وضعها الصحيح؟ وهل هي قادرة بعد ذلك على تلافي آثار الماضي، والتي ترتبت على صياغة القضية صياغة خاطئة، وهل ستتنازل عن كبريائها، وتترك غرورها لتسير مع الكون كله في انسجام تام ؟

( ) [الحج:18].

حين تستطيع الإنسانية أن تصيغ القضية من جديد، وحين تستطيع أن تتلافى آثار الماضي، وحين تقدر على كَبْت عواطفها ومحاربة كبريائها، إنها حين تفعل ذلك تكون قد وضعت نفسها على الطريق الصحيح، وهي الآن على مفترق الطرق، فإما أن تستقيم أو تنحدر.

وهذا البحث محاولة لتصوير هذا الموقف، موقف العلمانية من الدين، وموقف الإنسانية من كليهما، وتصوير نشأة الخلاف، وتصوير مصير هذه الأزمة، وكل ذلك، وما يتبعه من خلال رؤية خاصة للمؤلف الذي عرض نفسه إلى توفيق الله ، ولن يعدم ذلك التوفيق بمشيئة الله، فالله عند ظن عبده به.

 

الناشر