• الموقع الرسمي للدكتور طه حبيشي

أرشيف : الكتب

سيدنا محمد حياته وعظمته طبعة ثانية

صورة افتراضية

موضوع الكتاب :

المؤلف :

عدد صفحات الكتاب :

لغة الكتاب :

تفاصيل الكتاب :

أن الناس فِى الدنيا أحد رجلين، عظيم وغير عظيم، فالعظيم مِنَ الناس، رجل قادر متزن الصفات، قَدْ سخر قدرته فِى خدمة صفاته، وسخر صفاته لإسعاد غيره، وأما غير العظيم، فهو رجل من رجلين، رجل لاَ يملك شيئا من صفات العظمة، وَلاَ هو استأهل أن يكون عظيما، فهو رجل ناقص عن العظمة بذاته، ورجل آخر كان مِنَ الممكن أن يكون عظيمًا لو ضم بين جنبيه نفسًا عظيمة، ولكنه حين فقد النفس العظيمة رأيناه جاهزًا لكى يعطى من نفسه درجة مِنَ الهبوط مقابل أجر يملأ جيبه أو بطنه.

وَهَذَا الإنسان المأجور كى يتنازل عن عظمته وَهَذَا الإنسان الناقص عن العظمة بذاته.

لاَ يختلفان من حيث الآثار الناتجة عن كل منهما.

والآثار الناتجة عن كل مِنْهُمَا هى لون مِنَ البلبلة، وشىء مِنَ الزعازع التى يخلفها كل واحد مِنْهُمَا فِى أمته إثر موجات متواليات مِنَ الفتن الفكرية، التى تترك الحليم حيران، وشاء الله عز وجل أن تكون هَذِهِ الموجات ضعيفة التأثير، مهما بدت فِى أول أمرها قوية شديدة التأثير عَلَى الأسماع والأبصار.

وكم من موجات رأينا فِى التاريخ قَدْ سجلها المؤرخون عارية عن آثارها، وقرأها الأجيال من بعدهم فضحكوا منها استهزاء، وسخروا ممن أثاروها بعد أن بدت نواياهم التى أجهدوا أنفسهم فِى إخفائها عن العيون، وسترها عن الألباب.

والشىء العجيب أن أشباهم فِى كل عصر لم يشاءوا أن يتعظوا بأسلافهم الذين مضوا، ولم يشاءوا يأخذوا العبرة من أقرانهم الذين سبقوهم إِلَى الله، وتقدموهم إِلَى مصيرهم المحتوم، فتجدهم يصطنعون مَا اصطنعوه، ويأتون بشبه مَا أتوا به من قبل، ليحصلوا عَلَى مَا حصلوا عليه أو بعضه، وقد لاَ يحصلون عَلَى شىء مِنَ المتاع إِلاَّ هَذِهِ الإشارة المكذوبة إِلَى مكانة ظنوا أنها مرموقة، وهى بشىء من ذلك، وليس لها فِى تقدير الناس من نصيب يستأهل أن يشير إليه أهل التقدير والترجيح بإشارة تبين عن الرضى، أو تقرب عن شىء مِنَ التقدير.

ولو شئنا لسردنا بين يديك أعدادًا هائلة فِى قوائم متعددة، تحوى أسماء لأشخاص أزعم أنك لاَ تحتاج إِلَى بذل شىء مِنَ المجهود، للتدليل عَلَى أن كل واحد من هؤلاء لاَ يخلو أن يكون نهازًا بالطبع، أو نهازًا بالأجر.

أقول: إنى لو شئت لذكرت بين يديك أسماء فِى قوائم، لاَ يعوزك الدليل الذى تثبت به أن هؤلاء عَلَى خليقة مِنَ الخلائق التى ذكرتها لك، ولكن سأعفى نفسى وأعفيك من إضاعة الوقت فِى ذكر أسماء وصفات، وتعداد خلائق ومساوئ نحن قَدْ عرفناها، وعرفنا مَا تدل عليه من دوافعها وغاياتها.

إنى سأعفى نفسى وأعفيك حتى نخلص إِلَى الحديث عن سيدنا محمد e الإنسان العظيم، ونحن نرمق خلقه، ونقتدى بسلوكه، فإن لم نكن قادرين عَلَى أن نقول ونفعل مثلما كان يقول ويفعل، فلاَ أقل من أن نسدد ونقارب، مقتدين به، ومقتفين أثره.

وأحب أن أعيد أننا لاَ نستطيع أن نحيط بصفات النبى e وخلائقه.

وإنه لأعظم من إحاطة المحيط، وإشارة المشير.

ويبقى أن يقدر النبى e حق قدره اللطيف الخبير.

وعلى بركة الله نسير وهو حسبنا ونعم الوكيل.

أ.د/ طه حبيشى.