• الموقع الرسمي للدكتور طه حبيشي

أرشيف : المضيفة

الدكتور / عبد الحليم محمود

الدكتور عبد الحليم محمود علامة على الطريق[1]

إن للأمم في حياتها الاجتماعية علامات على الطريق الصحيح .

وتتمثل هذه العلامات في تلك الشخصيات التي تحمل هموم الأمة، وقد سخرها الله لحمل تلك الهموم.

وفي العصور المتأخرة طرحت على الساحة الاجتماعية فوق هذا الكوكب الأرضي كله قضايا معينة كلها مثير للجدل، وكلها يبحث عن السابق والمسبوق والمتقدم والمتأخر، ومن ارتبطوا بالسعود على هذا الكوكب لا يخطئهم، ومن انتكسوا في حمأة النحوس وغرقوا فيها إلى الأذقان.

وتلك قضية من هذه القضايا المطروحة على الساحة، وهي علامة المجتمع الإسلامي في هذا العصر بالحضارة الغربية.

وهذه القضية طرحت بحدة بعد عصر محمد علي بقليل، حيث ذهب الكثيرون برغبة السلطان محمد علي إلى القارة الأوربية على اختلاف دولها تنفق عليهم أمنهم ثم يعودون.

وكثير ممن عادوا، قد عادوا بغير الوجه الذي ذهبوا به.

وطرحت القضية كما قلنا بحدة: ما علاقة المجتمع الإسلامي بالحضارة الغربية؟

وقد بدا أن الآراء في مجملها قد انحصرت في ثلاثة؛ فرأي يقول: إن الحضارة الغربية هي الماء، أو الهواء بالنسبة لنا، وعلينا أن نلوذ بها إذ المعادلة منحصرة في: إما الحضارة الأوربية، وإما الموت أو الضياع؛ ورأي آخر يقول: إن الحضارة الأوربية لا تعني إلا الطريق إلى جهنم، ومن لاذ بها هلك؛ وبين الطرفين رأي ثالث يقول: لا بأس أن تأخذ من الحضارة المادية ما نشاء ونترك الجانب الإنساني لا نأخذ منه شيئا.

 ولقد فتح الإمام عينيه على الساحة وهي تموج بهذه الاتجاهات وتضطرب اضطرابا شديدا، وكأني بالإمام تدور عيناه خارج المعارك وخارج غبارها المنعقد.

ومن خلال ومضة ضوء لامع طرح السؤال على الإمام، وطرحت عليه الآراء المقترحة، فأقر مشروعية السؤال، إذ من حق الجميع أن يتساءل: ما علاقة المسلمين بالحضارة الغربية؟ ولكنه في نفس الوقت أنكر صحة الآراء المقترحة والنتائج التي توصل العلماء إليها على اختلاف مشاربهم، فما هو بالذي يقول: إن الحضارة الغربية بالنسبة لنا كالماء والهواء، وما هو بالذي يقول: إننا لا نلتفت إلى الواقع حين نرفض الحضارة الغربية، إذ الواقع مُر.

وإنه لا يقول بهذا التقسيم للحضارة بين المادية والإنسانية فيأخذ منها الجانب المادي، ولا يأخذ سواه.

رفض الإمام أن يقول بهذه الآراء جميعا، كما رفض أن يعتنق واحدا منها، ثم انتهى إلى أن ينبه الأمة إلى صحة تقسيم القضية إلى قسمين:

أحدهما: الجانب المادي، وثانيها: الجانب الثقافي.

ثم نبه الأمة إلى أن هذا الجانب المادي تتصل به عدة حقائق، أهمها: أن هذا الجانب المادي لم ينبت في أوربا، ولم يكن محضنه فيها، وإنما نبت في الشرق يحيط به دفء الإسلام، ويدفع إلى إثرائه نصوصه التكليفية، شهد بذلك عظماء الغرب، والمتخصصون في هذا الجانب، شهد بذلك روجر بيكون، وفرانسيس بيكون، وسجله الكتاب الذين تحدثوا عن بناء الحضارات من نحو الأستاذ بريفولت.

ثم ذكر الأستاذ الإمام مرة أخرى خاصية ثانية بهذا الجانب المادي، وهو أن الحضارة المادية تعتمد أول ما تعتمد على المنهج التجريبي، وهو منهج بقدر ما يعتمد على الحواس التي لا تترك مجالا للخلاف، فهو يدين إلى الإسلام في نصوصه الأصلية من نحو قوله تعالى: ﴿ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ [الإسراء:36].

وضغط الإمام ضغطا شديدا على هذه الخاصية الثالثة، وهي أن الحضارة المادية لا وطن لها ولا قومية، بل قل إن شئت إنها لا لون لها ولا طعم ولا رائحة فهي كالماء يتلون إنائه ويتشكل بشكله.

واستنادا إلى هذه الخاصية الأخيرة، فإنه ليس هناك من يقدر على أن يدعي أن هناك كيمياء غربية أو شرقية، أو هناك طبيعة عربية أو أوربية، أو ما شاء لك القول أن تقول من هذه الأمثلة المتصلة بالحضارة المادية.

ويلفت الأستاذ الإمام نظر الأمة إلى أن هذا الجانب من الحضارة كلما حلّ لوطن في عصر من العصور، ونشط أهل هذا الوطن في استقبال هذا الجانب وإثرائه استفاد منه، ثم ذهب بثرائه إلى وطن آخر يعينه على تحضره دون أن يمسخ شخصيته، أو يلغي هويته.

ثم أراني وكأني أنصت إلى الإمام ترتعد فرائصه من ناحية، وترتسم عوامل الجد على وجهه من ناحية أخرى وهو يقول لأمته: إن المسألة التي تكون في غاية الخطورة هي تلك المسألة المتصلة بالجانب الثقافي.

والجانب الثقافي عند الإمام يدور على ثلاثة محاور: ما وراء الطبيعة، والأخلاق، ثم التشريع.

ولا يجوز عند الإمام بحال من الأحوال أن تفرط الأمة في هذا الجانب ذي الثلاث شعب، لا. ولا قلامة ظفر.

إذ لا مجال للعقل فيما وراء الطبيعة، كما لا مجال له في الأخلاق، ومجاله في التشريع مضبوطٌ بضوابط بعضها خلف بعض من الحزام والنطاق والحرم.

وقديما تحاور سقراط مع اثنين من الفيثاغوريين حول جدوى العقل في خوض لجة الثقافة، وانتهى المتحاورون إلى القول بأن العقل في مجال الثقافة، بما لها من ثلاثية معهودة لا يمثل إلا لوحا من الخشب وسط بحر تتلاطم أمواجه، يهيجها المد والجزر، ويثيرها الريح العاصف، ويغلف الجميع جو غاضب مكفهر.

ثم يؤكد سقراط ومحاوروه أن الدين وحده هو المنجي من المهالك، فهل إلى هذا الدين من سبيل؟

ولم يشأ الإمام أن يبخل على الأمة بهذه الجزئية التي ربما تغفلها بعض العقول، وهذه الجزئية تدور حول التفريق بين أشياء تطالع وتكتب، وأخر تمارس بعناية وتدخل في نسيج شخصية الأمة والأفراد.

وجل اهتمام الإمام كان في هذا الجانب الثاني، وهو الذي تتحول فيه الثقافة الإسلامية إلى نسيج يصنع شخصية الأمة على نحو ما تحول القرآن على يد رسول الله إلى كائن حي يمشي على الأرض، تأملته أم المؤمنين عائشة، وأجابت به من سألها عن خلق رسول الله، فقالت: «كان خلقه القرآن».

وإذا كان الإمام قد لمس هذا الجانب على هذا النحو، فإنه لم يعاد شغف البعض إلى القراءة والاطلاع، ولكنه يحذر من مصطلحات ونظريات لا يقرها العقل، ولا يقدرها الواقع.

فالإسلام يقدر مبدأ الأخوة ويزدرده ازدرادا، ويحمل أبناءه على تمثله، ولكنه في نفس الوقت يمقت أشد المقت وأعنفه ما يصيح به الآخرون من مبادئ المساواة والحرية ... إلى آخره من تلك الطنطنات التي وضعها مشبوهون قد ضلوا عبر التاريخ وأضلوا.

  وفي مجال النظريات وجدنا الشيخ الإمام يحذر الأمة من نظرية دارون في التطور ، والتي نقلت إلى الشرق في شيء من الدبلوماسية الحمقاء ، وحاول بعضهم أن يطبقها على التشريع ، وعلى خلق الإنسان، من غير وعي أحيانا، أو بوعي ولكن إلى قصد سيء.

ثرية هي حياة الإمام ، وعظيمة هي حياة الإمام، ولا يتسع الوقت لجماع الكلام، فلنتخذ من ذكراه مثيرا للتوجه الذي كان يبتغيه لأمته.

 ويرحم الله الإمام ويبقيه للأمة سراجا تُهدى به من خلال سيرته التي تعد علامة على طريق الأمة المتوجهة إلى ربها.

وجماع ما يمكن أن نقوله لهذه الأمة في هذه الذكرى هو: أن العظيم هو الذي إذا ما رحل ترك وراءه عظماء، إذ القادة الذين يقودون أممهم على ضربين، قائد يقودها طوال حياته، فإذا ما رحل لم تجد الأمة من مدرسته من يكافئه، وفي هذه الحال يجب على الأمة أن تبكي نفسها، وآخر يقود الأمة طوال حياته فإذا ما رحل قام أحد تلاميذه يحمل الراية من بعده، وفي هذه الحال يجب على الأمة أن تبكي فقيدها فقط لمجرد رحيله.

ونسأل الله أن يبرم لنا إبرام رشد ونحن نتذكر سيرة الإمام.

 



[1] - مطلوبات جريدة المساء

ا/ محمد عمر ربيع ثاني 1428ه‍ - 10 مايو 2007م