• الموقع الرسمي للدكتور طه حبيشي

أرشيف : المضيفة

{ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت

صورة افتراضية

أ0د/ طه حبيشي

{ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت } ( 9 )

ـ

          في وقت متأخر كما علمنا ظهر مذهب التشيع باعتباره حزبًا سياسيا لا فرقة دينية.

          والحزب السياسي إذا تراجع عن ممارسة السياسة لسبب أو لآخر يبحث لنفسه عن مصدر يمتص منه عوامل استمرار بقائه، ويمتص منه الأمل الذي يَحْيَى عليه متمثلاً في تصور واقع في المستقبل يكون أكثر ملاءمة لممارسة السياسة .

          وتلك قاعدة تشتمل على مجموعة من المفاهيم لا يُسْتَثنى منها شئ من الأحزاب السياسية.

          وفي الحديث عن الشيعة بخصوصها نجد أن هذا المبدأ ينطبق عليها غاية الانطباق يلحظه كتَّاب المذهب أو الذين يريدون أن يقولوا كلمة قريبة من الحق فيه.

          ومن كتَّاب المذهب الذين ينالون التقدير عند أهل السنة والشيعة على العموم، الكاتب الشيعي المشهور السيد محمد باقر الصدر وقد أشرنا إليه سلفًا .

          والرجل حين أرّخ للمذهب الشيعي لم يغفل ما ذكرناه، وإنما قد أبرزه في صورته الفلسفية محاولاً أن لا يخالف المنطق في خطوة من خطواته ما أمكنه ذلك.

          وسواء حالفه التوفيق في كل ما كتب أو في بعضه، فإنه فيما نحن بصدده قد بين أن الشيعة يمكن أن يُنْظر إليها تاريخيا من زاويتين: إحداهما: تلك الزاوية التي يمكن أن يرصد منها حركة الشيعة وهي تتحرك في ميدان السياسة.

          والناظر من هذه الزاوية يجد للشيعة حركة سياسية على أرض الواقع من خلال إمام مطاع متمكن من صياغة قرار الحرب والسلم دون أن يكون عليه معقب، ودون أن يكون على قراره وصيّ أو مجادل.

          ويبدو للسيد محمد كما يبدو لغيره من الناس أن هذا النوع من التمكين السياسي لَفَظَ آخر أنفاسه باستشهاد الحسين ، وبقيت الشيعة تحافظ على نقطتين أو تحاول أن تحافظ عليهما.

          الأولى : محاولة ضخ الحماسة التي تحدث فورانًا في الدم الشيعي في عروق من بقى من الشيعة على أرض الواقع يتحركون في أطر المبادئ الشيعية.

          والذي يظهر أن بعض الثورات التي كانت تظهر بأسلوب ثوري كانت جميعها من هذا القبيل، والغرض منها على كل حال هو الإبقاء على نفوس تؤكد أحقية أهل البيت متمثلة في الإمام الوصيّ في قيادة الأمة الإسلامية على أساس من المبادئ التي ورثوها.

          والثانية : تتمثل في محاولة الحفاظ على ما للشيعة من مبادئ ، وعلى ما للإسلام من قيم ونظم ، بحيث لا يتم التنازل عنها لرئيس قد تولى أمر الأمة دون أن يكون له حق في ذلك.

          وهذه كانت مسئولية الأئمة فيما بعد الإمام الحسين آملين أن يأتي زمان تُسَلّم فيه السلطة إلى الإمام المعتبر شرعًا .

          ومع إشراقة غد جديد لنا لقاء .

* * *


أ0د/ طه حبيشي

{ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت } ( 10 )

ـ

          لما أراد الله عز وجل أن تَذْهب عن الشيعة آلات السياسة وإمكانات الرياسة، إنما أراد ذلك كله قبل أن ينضج مصطلح الشيعة من الناحية الفكرية، وقبل أن يدل دلالة مباشرة على معناه الذي يربطه الشيعة به.

          والذي واكب هذا المصطلح مواكبة تكاد تكون تامة هو ما نسميه ولو تجاوزًا بالاتجاه الروحي أو الاتجاه الفلسفي.

          وسأوافق السيد محمد باقر الصدر على أن الشيعة بعد الإمام الحسين قد بدأت تسير في خطها الروحي أو المذهبي، بحيث أخذ زعماؤها يرسمون للمنهج خطًا فكريًا، يشبه في جملته المشروع السياسي، أو البرنامج الحزبي مهما كانت المصطلحات المستعملة فيه، ومهما كانت المبادئ التي أرساها هذا المذهب أو علماؤه، ومهما كانت المسحة الدينية التي أُفرغت عليه.

          وهم في معظم ما ذكروه (وأنا أقصد هنا إلى الشيعة الإمامية والزيدية مع إسقاط ما يظهر من حين إلى آخر من مظاهر التطرف والغلو).

          أقول : إن الشيعة في معظم ما ذكروه على ما قالته الأمة وارتضته. فنحن لا نختلف في مسائل الإلهيات إلا ما عسى أن يكون من ميل الشيعة أحيانًا إلى مذاهب الاعتزال.

          ونحن لا نختلف في مسائل النبوات إلا ما عسى أن يكون هناك من تعميم مبدأ العصمة ليشمل الأئمة، وهو مبدأ يعرفه أهل السنة على أنه من أخص خصائص النبوة ولا يعدوها إلى غيرها .

          والمسائل التي يختلف فيها أهل السنة مع الشيعة في الفروع معدودة، وبعضها يكون الخلاف فيه حادًا غير محتمل كزواج المتعة، وبعضها قد يكون خلافًا هادئا كهذا الذي يقع بين المذاهب لدى السنة ، ويتسع صدر الجميع له.

          أما الخلاف الذي أبعد الشيعة فيه النجعة، فهو ما يكون حول أساس النظرية السياسية وعماد حركتها.

          فالنظرية السياسية على مستوى الفكر الإسلامي كله تنقسم من حيث منهج البحث والتصنيف العلمي إلى قسمين :

          فمن الناس من يلحقها بالفروع (وهم أغلبية الأمة) بحيث يختص بدراستها الفقهاء.

          ومن الناس من يلحقها بالعقائد (وهم الشيعة) بحيث يختص بدراستها علماء العقائد.

          والأولون من الناس يرون أن أساس النظرية السياسية هو التعاقد بين الأمة وبين من يقوم على مصالحها ويقود حركتها، ويتم ذلك من خلال عقد مبرم يتحدد فيه ما للحاكم وما عليه، فإن وفى أطاعوه، وإن لم يوف فلا طاعة له عليهم.

          وأما الآخرون: فهم يرون أن الفكر السياسي كله قائم على توريث الحكم من إمام إلى إمام، أوله عند النبي صلى الله عليه وسلم ، وآخره عند الإثنا عشرية من الشيعة لدى الإمام محمد بن الحسن العسكري ـ عجل الله فَرَجَه ـ

          هذا هو مجمل الاتفاق والاختلاف وهي نقاط يصعب التقارب بينها، ولكنها في نفس الوقت ليست بالحتم مجالاً للصراع الذي يوجب العداوة والبغضاء، إذ من الممكن أن يتم اللقاء حول الهدف مع جواز أن يحتفظ كل من الطرفين بدائرة عمله ومعتقده، فهل يصلح هذا أصلاً للتلاقي ؟

          ومع إشراقة غد جديد لنا لقاء .

* * *


أ0د/ طه حبيشي

{ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت } (11)

ـ

          في بيت النبوة ولد ونشأ رجال ونساء صدقوا ما عاهدوا الله عليه، ووفوا في كل ما أخذوا أنفسهم به مما يجب الوفاء به من أمور تتصل بالأمة وبالمجتمع والناس.

          وهؤلاء جميعًا قد ذهبوا إلى ما قدموا، وتركوا سيرتهم في التاريخ، وروحهم في حركة الاجتماع، يسير التاريخ ويتحرك الاجتماع بسيرتهم وروحهم باعتبارهما أسبابًا مباشرة لهذا التسيير ولتلك الحركة.

          وينظر المجتمع المسلم بجميع طوائفه إلى هؤلاء الأعلام بما لهم من عظمة وشموخ على أنهم أعلام لهم عظمة ولهم شموخ.

          أما أهل السنة في هذه المصطلحات الجديدة التي قسمت المسلمين إلى سنة وشيعة، فهم قد توارثوا فيما بينهم سيرة أهل البيت النبوي بشئ غير يسير من التقدير ينتقل من سلفهم إلى خلفهم، ومن أصولهم إلى فروعهم بغير تحفظ ولا تعثر.

          والوارثون في المجتمع السني يرثون هذا الميراث عن آبائهم، فيعصمهم هذا الميراث من أن يقعوا في الكراهة لواحد منهم، كما يعصمهم هذا الميراث من أن يقعوا في الغلو الشائن الذي يُدِينه الإسلام على مقاييس الإسلام ومبادئه.

          والقاعدة عندهم: أن قداسة العظمة الإنسانية تحجب عندهم جميع هذه الصغائر التي تمس تواريخ العظماء أجمعين .

          وانطلاقا من هذه القاعدة نجد المسلمين من أهل السنة أفراد هم وجماعاتهم، يبنون علاقاتهم بأهل البيت على أساس من التوازن المنضبط بين العاطفة الراقية والعقل الرشيد.

          فعظماء الإسلام عندهم أعلام إنسانية باذخة تحولها مكان العظمة مناقب يكبرها المسلم وغير المسلم، وليست غاية الأمر فيهم أنهم أضرحة للتبرك وتلاوة الفاتحة والسلام.

          واستنادًا إلى هذه النظرة المتوازنة، رأى الباحثون من المسلمين وغير المسلمين أن خاصة المجتمع السني وعامتهم لا يسمحون لأنفسهم أن يغلوا في هؤلاء القوم من أهل بيت النبوة، فيخلعونه عليهم صفات الألوهية، أو ينضحون عليهم من أوصاف النبوة مما يجعلهم يخرجون من نطاق العظمة الإنسانية (وهو المكان اللائق بهم) إلى نطاق الألوهية أو النبوة، وهو نطاق لا يدخله أحد بإرادته، ولا يملك أحد من الناس أن يخلعه عليه.

          واستنادًا إلى هذه النظرة المتوازنة، رأى الباحثون من المسلمين وغير المسلمين أن خاصة المجتمع السني وعامته لا يسمحون لأنفسهم أن يستلبوا أو يحاولوا استلاب أسباب العظمة من هؤلاء العظماء بتكدير سيرهم، أو اتهامهم بما ليس فيهم زورًا وبهتانا ، لأن الواقع الذي لا يقبل المراء ولا اللجاجة، هو أن صفات العظمة إذا تأهلت في العظيم لا يقدر أحد من الناس أن يسلبها عنه، أو يحول بينها وبينه، وكل ما يستطيعه الشانئون عليهم هو في حدود ما قال القرآن عن أوائل هذه الأمة {لن يضروكم إلا أذى }.

          هكذا كانت نظرة المجتمع السني على ميزان التعادل دائما الذي يقضي بأن تكون علاقتنا بأهل البيت على أساس العاطفة المنضبطة بالعقل أو على أساس العقل الموشي بالعاطفة .

          ومع اشراقة غد جديد لنا لقاء .

* * *


أ0د/ طه حبيشي

{ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت } (12)

ـ

          حين استوى المذهب الشيعي على سوقه، وحين قعّد لنفسه قواعد يراها العقل السليم مستقيمة أو غير مستقيمة، كانت بداية انطلاقاتهم علاقاتهم بأهل البيت، وأن تكون غاياتهم (إذا سلمنا أن تكون الحركة الاجتماعية بالغايات) علاقاتُهم كذلك بأهل البيت.

          وصار الناس يعلمون عن الشيعة أن ارتباطهم بأهل البيت يمثل العلة الغائية للحركة الاجتماعية كما يمثل عندهم قاعدة الانطلاق على السواء.

          وقد يبدو في أول الأمر أن الشيعة قد عرفوا الطريق المستقيم الذي يسيرون عليه سواء كانت مسيرتهم دينية ، أو كانت مسيرتهم اجتماعية على السواء.

          وهذا الذي يظهر بادي الرأي قد لا يسلم به ذوو الرأي الرشيد إذا ما عرضنا الأمر كله للتحليل والتركيب.

          إنه لمن قبيل الأشياء المشروعة أن نسأل عن السبب الحقيقي وراء اتخاذ الشيعة من علاقاتهم بأهل البيت قاعدة انطلاق وعلة مُحرِكة.

          وليس لهذا التساؤل من جواب إلا ما ذكرناه قبل من أن التشيع إنما ظهرت نبتته الأولى في قلوب رجال ونساء نشأوا وترعرعوا على أرض فارس، وهي أرض كان لسكانها قبل الإسلام صلة بالنظرية الثيوقراطية في الحكم، وهي نظرية تعني أن يكون الحاكم هو ظل الله في الأرض لا يملك المحكومون لقراراته ردًا ولا لأوامره عصيانا.

وكان من الممكن مع ذلك أن نعتبر مسلك الشيعة من بين هذه المسالك التي تستوجب التقدير والعرفان، ولما لا : أو ليس المذهب السني يقدر أهل البيت تقديرا قد أشرنا فيما سبق إلى لبابه ؟ !

كان من الممكن أن نعتبر المسلك الشيعي من المسالك التي تستوجب التقدير والعرفان، لولا ما غلف به أهل الشيعة تقديرهم لأهل البيت من غلو شديد تقشعر له الأبدان، وتُخْدَش من أجله المشاعر الدينية.

فأنت تراهم يساوون بين الإمام علي رضى الله عنه، والنبي صلى الله عليه وسلم على مستوً واحد كما يتساوى الأنداد والأقران.

وهم يفضلونه كما يفضلون الأئمة من بعده على سائر الأنبياء والمرسلين، لا يستثنون من ذلك شيئًا إلا أن يكون شخص النبي محمد صلى الله عليه وسلم وهو وإن كان على لا يَفْضُله إلا أنه عندهم بالقطع لا ينزل عن مرتبته.

ودعك مما يذكره بعضهم عن الأئمة وأولهم علي بن أبي طالب بصفات الألوهية.

وهذا كلام سنتعرض بمشيئة الله إلى تحليله فيما بعد.

لكن الذي نريد أن نقوله ولا نخفيه، هو : أَن عَلاقة الشيعة بأهل البيت على هذا النحو، إذا صح أن نقول: إنها محكومة بالعاطفة المجردة والجامحة أحيانا، فإن من الصحيح في نفس الوقت أن هذه العلاقة كانت تحتاج إلى العقل الرشيد الذي يكبح جماحها ويحكم سيرها لا تخرج عن الآداب التي يقررها الدين.

مُستويان من العلاقة بأهل بيت النبي عرضناهما بين يديك على وجه الإجمال، وعلى صاحب العقل الرشيد أن يتأمل فهما حتى نتوصل إلى الصواب منهما.

ومع إشراقة غد جديد لنا لقاء .

* * *