• الموقع الرسمي للدكتور طه حبيشي

أرشيف : جديد الأخبار

خواطر رمضانية " العيد .. احتواء وتراحم بين أبناء الامة"

صورة افتراضية

إن الأعياد في الأمم هي مظاهر فرح وسرور. وسعادة وحبور. ومظاهر الفرح في العيد تتفاوت علي أساس من استقرار الباطن في الفرد والعلاقات في الأمة. ولا يتأتي الاستقرار بجميع أنواعه إلا علي أساس من الألفة والائتلاف وهما أعلي درجات الفضل والرحمة من رب العباد يمتن بهما الله علي الأمة أفرادها وجماعاتها فتفرح الأمة بفضل الله ورحمته "قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون". ونحن إذا تأملنا في مجتمع مكة قبل الهجرة لعلمنا أنه لم يكن مناسباً للفرح ولم يكن مناسباً للحبور لا لشيء إلا لأنه كان مجتمعاً منقسماً متشرذماً لا وحدة تجمعه ولا ألفة تحتضنه. أما في المدينة المنورة فإن الأمر قد اختلف حيث أسس النبي صلي الله عليه وسلم للدولة وأرسي قواعد الأمة وعرف الناس الحب والإيثار والعمل علي القربي والاحتواء ونفروا من الأثرة والأنانية حتي قال غنيهم لفقيرهم: هذه أموالي من عقار ومنقول ومن منال ومتمول فاختر لنفسك منها ما يروقك فإني أحب أن أشاطرك ما لي وأقاسمك ما أمتلك. وكان ردة فعل الفقير لا تقل عظمة عما بدأه به أخوه الغني. حيث قال لأخيه: بارك الله لك في مالك. دلني علي السوق فأنا رجل خبرة ولا تعوذني الهمة. في المدينة المنورة تكامل المجتمع ورفض الناس فيه سياسة الإقصاء وفتح كل واحد ذراعيه يستقبل بهما أخاه رغبة في الإيثار والاحتواء. علي هذه الخلفية المباركة كان العيد في المدينة وكانت الأْعياد علي توالي السنين والأعوام. وهي أعياد نلحظ رسومها وآثارها في المجتمعات المغلقة ونفتقدها كل ما مال المجتمع إلي المدينة وانحاز إلي الانفلات من الدين. إننا في المجتمعات المتدينة نجد الناس يستقبلون ليلة العيد بشعار تتقارب بسببه الأراضون والسماوات إذ الكل يعلن وحدة الخالق ويشهد بعظمته الله أكبر الله أكبر الله أكبر. لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد. الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً وسبحان الله بكرة وأصيلا. لا إله إلا الله وحده. صدق وعده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده. إنه نشيد الأمة علي كل حال يقرب بين سكان الأرض وسكان السماء ويوحد الوجهة ليدفع الكل رغبة واحدة هي الحصول علي رضي رب الأراضين والسموات. إننا نسمعه في مناسبات عيد النحر منذ أن يلمع في السماء الهلال يعلن بدء الأيام العشر. والتي يتلوها أيام التشريق. إنه نشيد لا ينقطع صداه. فإذا جاء يوم النحر وأشرقت شمسه أقبلت جماعات المسلمين خلف إمامهم مكبرة ومهللة. وصلي الإمام بهم ركعتين علي غير هيئة الصلاة المعتادة. يزيد في التكبير علي تكبيرات الإحرام والركوع والسجود والقيام. ثم يخطب بعد ذلك خطبتين يحث الناس فيهما علي التراحم ونبذ الإقصاء. ثم يأمرهم بملء الشوارع بالحركة. بحيث من جاء من طريق يرجع من طريق آخر. ثم يأمرهم الإمام بما أمر به الله ورسوله من نبذ الخصام والقطيعة وطرح الإحن والعمل علي تطهير القلوب. وفي عيد النحر يخرج القادرون من مصلاهم إلي الذبح ولا يستأثر كل بذبيحته. وإنما ينشرها في الناس بين إهداء وصدقة وتوسعة علي أولاده. وإني لأجد في مجتمعاتنا أناساً من الأغنياء يتبادلون اللحم علي سبيل الهدية كل يعطي لصاحبه ويأخذ منه في منظر بديع مهيب. ننظر في هذا كله عبر التاريخ. فيحملنا النظر علي الإعجاب بديننا وأمتنا. ثم ننظر في حاضرنا فلا نجد إلا سوط عذاب يلهب ضمائرنا ويدمي نفوسنا. لقد أصبحنا في يوم العيد وأمتنا قد تفرقت. وشركاؤنا في الوطن قد تباغضوا. في حالة من التردي لا ينجي منها إلا علام الغيوب. كأني أنصت إلي النبي ينادي بصوته من المدينة قائلاً لأمته: هل هذه وصيتي إليكم. ثم كأني أنصت إليه وهو يعيد علي مسامع الأمة أمر ربه له "إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء" ثم أنظروا وكأني أري النبي في يوم القيامة يحمل المصحف في يمينه ويشير إلي أمته بيساره والدمعة تنحدر من مقلته "رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً". يا أمتي في مصر اسمعوها كلمة من رجل قد أصبح حظه من الزمان قليلاً. ماذا تنتظرون؟ أتنتظرون القرآن وقد بلغ تأويله؟ اعلموا أنه "يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون". يا أمتي في مصر. يا من كان منكم قد أتيح له إمكانية صنع القرار ويا من كان منكم قد أتيح له قلب يحتوي الأقران والإخوان. يا كل أب ويا كل أم كونوا عباداً لله صالحين. فإن عشنا إلي قابل وقد عاد كل إلي صوابه طاب لي أن أقول لكم: كل عام وأنتم بخير. بقلم/د.طه حبيشي