• الموقع الرسمي للدكتور طه حبيشي

أرشيف : جديد الأخبار

صيام النصف الثاني من شهر شعبان

صورة افتراضية

   

ما حكم صيام النصف الثاني من شهر شعبان، وما القول في الحديث «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا؟ هذا الحديث المشار إليه لم يأت إلا من طريق واحدة إلى أبي هريرة رضي الله عنه. وهذا لفظه عند أبي داود قال: قَدِمَ عَبَّادُ بْنُ كَثِيرٍ المَدِينَةَ، فَمَالَ إِلَى مَجْلِسِ العَلَاءِ فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَأَقَامَهُ، ثُمَّ قَالَ: اللهُمَّ إِنَّ هَذَا يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنّ رَسُولَ الله ص، قَالَ: «إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ، فَلَا تَصُومُوا»، فَقَالَ العَلَماءُ: اللهُمَّ إِنَّ أَبِي حَدَّثَنِي، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بِذَلِكَ. والحديث على هذا النحو قد أثار إشكالًا عند العلماء. والغريب عندي أن بعضهم قد أخذ بظاهر الحديث وأفتى على أساس منه. والكثيرون من العلماء لهم فيه كلام يتصل بانفراد العلاء به، وأن الإمام أحمد بن حنبل لم يكن يحدث به. وموضوع الحديث على خطر عظيم، إذ لو صدر عن النبي ص وعمل الصحابة والتابعون بمقتضاه، لما كانت هذه الدهشة البادية على عباد بن كثير، ولما عمد إلى العلاء يأخذ بيده ويشهد الرجال على إقراره أنه سمعه من أبيه عن أبي هريرة، وما نقله ابن القيم من عبارة فيها تعبير أشد مما وقع في لفظ أبي داود قال: ...وقد قال (عبَّاد): لقيت العلاء بن عبد الرحمن وهو يطوف، فقلت له: برب هذا البيت، حدثك أبوك عن أبي هريرة عن النبي أنه قال: إذا انتصف شعبان فلا تصوموا ؟ فقال: ورب هذا البيت سمعت أبي يحدث عن أبي هريرة عن النبي فذكر الحديث. ومع أن الإمام أحمد لم يشأ أن يحدث بهذا الحديث. ومع إجماع أهل العلم على أن العلاء تفرد به ولم يتابعه غيره، فإن هناك علة أخرى قد استند إليها بعض أهل العلم في رفضهم للأخذ بمقتضى ظاهر هذا الحديث. وهذا الذي استندوا إليه، هو هذه الروايات التي تعارض هذا الحديث وهي أصح منه. ومنها: حديث أم سلمة عن النبي «أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَصُومُ مِنَ السَّنَةِ شَهْرًا تَامًّا إِلَّا شَعْبَانَ يَصِلُهُ بِرَمَضَانَ». ومن هذه الأحاديث المعارضة لرواية العلاء ما ذكره أبو داود بالسند إلى أبي هريرة نفسه، عن رسول الله قال: «لَا تُقَدِّمُوا صَوْمَ رَمَضَانَ بِيَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ صَوْمٌ يَصُومُهُ رَجُلٌ فَلْيَصُمْ ذَلِكَ الصَّوْمَ». ونحن نعلم أن الحديث إذا صدر عن الصحابي وهو صحيح، يعارضه حديث آخر صادر عنه لا يصل إلى مرتبة الصحيح، نعمل بمقتضى الحديث الصحيح. ونحن نحترم اجتهاد ابن القيم في محاولة الأخذ بمنع الصيام في النصف الثاني من شعبان، ولكننا لا نتابعه على رأيه لما ذكرناه. ويبدو لنا أن الرجل قد رأى أن لا يستمسك بمنع الصيام في النصف الثاني من شعبان في جميع الأحوال، إذ الإثم لا يلزم إلا من تعمد الصيام في النصف الثاني والإفطار في النصف الأول. وخلاصة القول: إن الأحاديث الصحيحة قد رغبت في كثرة الصيام في شهر شعبان إلا ما عسى أن يكون من يوم أو يومين في آخره، وحتى هذين اليومين إذا وافقا عادة الصائم أو كان يصومهما قضاءً صامهما. وعليه: فلا بأس أن يصوم الصائمون ما شاءوا أن يصوموه في شعبان في نصفه الأول أو الثاني أو كليهما، دون التفات إلى رواية العلاء لما ذكرناه. ولا معنى حتى للقول بالكراهة في صيام النصف الثاني؛ إذ لا دليل على ذلك يُعتمد. والله أعلم.