• الموقع الرسمي للدكتور طه حبيشي

أرشيف : جديد الأخبار

استقبال المسلم لشهر رمضان

صورة افتراضية

   

إن الإنسان هو صنعة خالقه أوجده وأمده، وخلق فيه الاستعداد للحياة يحياها حياة كريمة مطمئنة. والإنسان بغير الإيجاد والإمداد والاستعداد لا تتميز شخصيته، بل قل لن تكون له شخصية على الإطلاق. وفي جانب من جوانب شخصية الإنسان ووجوده يحتاج أن يخضع إلى منهج صارم كي يحقق ذاته الاجتماعية والأخلاقية جميعًا. والصيام جزء من أجزاء المنهج التربوي العام قد فرضه الله أ على آحاد الأمة الإسلامية شهرًا في العام. ونحن لا نستطيع أن نقف على كيفية الاستعداد لاستقبال هذا الشهر الكريم إلا إذا تأملنا أول شهر فرض الله ﻷ صيامه، لنعلم ما وقع فيه من الأحداث وما نزل فيه من الوحي. وقبل أن نتأمل العام الأول الذي فرض الله ﻷ فيه صيام شهر رمضان، وهو على التحديد العام الثاني للهجرة أحب أن أنبه كل مسلم إلى أن شهر رمضان كان محل عناية الوحي منذ أول لحظة، فهو الشهر الذي نزل فيه القرآن حيث نزل في ليلة من لياليه هي ليلة القدر، وهي الليلة المباركة التي هي خير من ألف شهر أيامها ولياليها، وهي ليلة سلام من كل أمر ضار، وهي ممتدة إلى مطلع الفجر. وفضلًا عن أن هذا الشهر هو محل عناية الوحي من هذه الجهة، فهو مع ذلك شهر يوم الفرقان، حيث فرق الله أ فيه بين الحق والباطل على ثَرَى بدر، وانتصر المسلمون وهم قلة، واندحر الباطل مع كثرة أتباعه. وفي شهر رمضان الذي صامه المسلمون لأول مرة كانت الزكاة قد فرضت فيه، وهي عبادة مالية، إذا فطنا إليها مع سابقتها أشرقت أمامنا هذه الآية القرآنية بضوء معانيها: ﴿نَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [التوبة:١١١]. وما هي إلا سنوات ست قد انقضت على فرض الصيام لأول مرة حتى شهد شهر رمضان استعلاء الحق حين فتحت مكة تحت شعار نبوي أطلقه رسول الله يوم الفتح، وهو: «اليَوْمَ يَوْمُ المَرْحَمَةِ» ليبطل به شعارًا قد تردد بين جَنَبَات المحاربين «اليَوْمَ يَوْمُ المَلْحَمَةِ، اليَوْمَ تُسْتَحَلُّ الحُرْمَةُ»(أخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (23/453)). لقد شهد شهر رمضان نزول القرآن وشريعة الزكاة، كما شهد يوم الفرقان على أرض بدر، إلى أن شهد في النهاية فتح مكة بشعار تحتاج الإنسانية اليوم إليه: «اليَوْمَ يَوْمُ المَرْحَمَةِ». وإذا كانت هذه مشاهد رمضان في عصر النبوة، فإنها ينبغي ألا تذهب عبثًا، بل إنها يجب أن تَمْثُلَ أمامنا حين يمتعنا الله بإدراك رمضان في كل عام. فالمسلم الصادق هو الذي يحقق هذه المشاهد في نفسه وفيمن يتبعونه من أبنائه وذويه، بحيث يحملهم على قراءة القرآن وتدبر معانيه، والاستجابة لأوامره ونواهيه، ثم عليه أن يتحمل القدر الذي يجب عليه أن يتحمله في سبيل نشر هذا الدين وما يتبعه من إعلاء كلمة الحق وخذلان الباطل ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، ثم هو يجب عليه أن يرق قلبه لبني نوعه فيطعمهم مما يطعم ويلبسهم مما يلبس، ويعينهم على شئون الحياة. ومما يجب على المسلم فعله وأخذ نفسه بهذا الفعل العمل على أن يسود بين المسلمين المودة والرحمة ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم﴾ [الفتح:٢٩] وأن يقلب بين يديه هذا الشعار القديم الجديد ويجعله شعار اليوم والليلة عملًا لا قولًا، وفعلًا لا لفظًا «اليَوْمَ يَوْمُ المَرْحَمَةِ». وعلى المؤمن أن يدير ظهره لهذه العادات التي استقرت من اعتبار شهر رمضان موسمًا للهو واللعب، والزينة والتفاخر، والإسراف والتسابق في مجالاته. وعليه كذلك ألا يلتفت لعوائد الناس في هذا الزمان، التي اسْتَلَبت من نفوس الأفراد حب العبادة، ورسخت في سويداء أفئدتهم حب الغناء والانصراف إلى التمثيل يمارسونهما أو يشاهدونهما. . إلى غير ذلك مما يعلم الناس قبحه، ومما يدرك الناس آثاره السيئة. ألا فليهب الناس إلى موسم العبادة بنشاط جاد أو بجد نشيط. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.