• الموقع الرسمي للدكتور طه حبيشي

أرشيف : جديد الأخبار

اجتماع الجمعة والعيد الصلاة .. الكيفية .. والحكم

صورة افتراضية

   

اجتماع الجمعة والعيد الصلاة .. الكيفية .. والحكم ------ من الأمور الخطرة في المجتمع المسلم أن يعمد بعض الناس إلى القضايا الشاذة فيذيعها في الأمة، مع العلم أن فيها مخالفة لجمهور العلماء. ومن الأمور الملفتة للنظر أن هذا الأسلوب صار منهج حياة وأسلوب تفكير لبعض الجماعات الظاهرة على الساحة في هذه الأيام. ومن هذه المسائل الشاذة مسألة الحديث عن الصلاة حين يجتمع في يوم واحد العيد والجمعة. واجتماع العيد والجمعة ليس من الأمور الهامة التي تحتاج إلى الوقوف عندها والبحث فيها في هذه الأيام؛ لأن السبب الذي يحمل على التفكير فيها ليس موجودًا. واجتماع الجمعة والعيد في يوم واحد لا يعني شيئًا أكثر من أن يجمع الإمام الناس مرتين للصلاة في جماعة، إحداهما في أول النهار حين ترتفع الشمس قدر رمح، والثانية بعد الزوال على ما قاله جمهور العلماء، وصلاة أول النهار هي صلاة العيد وهي سنة، يصلي الإمام للناس ركعتين على هيئة مخصوصة، يخطب لهم بعدها خطتين على الأظهر، ثم ينصرف الناس إلى منازلهم، وينصرف كلٌ إلى وجهته، فإذا زالت الشمس صلى الإمام للناس ركعتين يخطب قبلهما خطبتين على شروط الخطبتين المذكورة في كتب الفقه وهي صلاة الجمعة. إنهما صلاتان في يوم واحد، الأولى منهما سنة، والثانية منهما فرض عين لا يسقط إلا عن أصحاب الأعذار، ويسقط عن غيرهم بالأداء. وهاتان الصلاتان – على ما ذكرناه – لا يلتفت إليهما عقل عاقل إلا بمقدار استشعار النعمة، وهي : أن الله قد منّ عليهم بأن جمع لهم عيدين في يوم واحد. وأداء الصلاتين في يوم واحد لا يشعر أحدًا ممن يؤديها بعنت أو إجهاد فالمدينة واحدة، والألفة موجودة، والمسجد قريب، إذًا فلا غرابة في أن يجتمع العيدان في يوم واحد، ونؤدي صلاتهما. وفي عصر المبعث، كانت صلاة العيدين والجمعة تقام في المدينة، ويأتي إليها على سبيل الوجوب من يُبْلُغُهم النداء، ولا تجب على من وراءهم من الذين تجب عليهم الجمعة لو توفر شروطها ، غير أنهم لو حضروها لقامت في حقهم مقام صلاة الظهر. وهذه الحال كانت كل نظر من الشارع حين اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد، فرخص لغير أهل المدينة، وسمح لهم إذا عادوا إلى منازلهم قبل الزوال أن يصلوا الظهر في منازلهم إن أرادوا إذا كانوا ممن يبلغهم النداء، أما الذين لم يسمعوا النداء فلا جمعة عليهم أصلاً ، وأما الذين قد أدركهم الزوال في المدينة فقد وجب عليهم أن يصلوا الجمعة مع الإمام لانتفاء العذر، وغياب سبب الرخصة. هذا هو الأمر الشرعي الذي نعرف إجماع الأمة عليه (مالك ، والشافعي، وأبو حنيفة، وأصحاب المذهب الظاهري ..... الخ) ، وقد خالف في ذلك لبعض الحنابلة ونسبوا مخالفتهم للإمام أحمد في بعض أقواله. وفيما شاغبوا به نظر. ثم طرحت المسألة بعد ذلك بشيء من التطرف المدهش عند الشوكاني الذي أداه وهمه إلى إسقاط الجمعة والظهر في يومها إذا جاءت الجمعة والعيد في يوم واحد، مخالفًا بذلك قواطع النصوص، وسار على منهجه من ألمحدثين: الصنعاني، وهو زيدي مثله، ونسب أتباعهما الرأي الذي ارتأوه إلى الإمام زيد الذي هم من شيعته. ومن الكتب التي تروج لهذا الرأي – وهو موجود في كل بيت – (كتاب فقه السنة للشيخ سيد سابق). ولقد قلت: إن المسألة فوق أنها من الشواذ، فإن رأي الجمهور فيها واضح لا سترة به. وكان من الممكن أن نسجل اعتراضنا على الشوكاني ومن تابعوه، وندفع في وجهه بأنه قد خالف الجمهور، لولا أن كثيرين ممن هم في مراحل المراهقة العلمية قد شاءت لهم غرائزهم أن يتعلقوا بكل شاذ وغريب رغبة في التميز وادعاء المعرفة. وسنحاول هنا أن نذكر الرأي المخالف، ونبين مستنده ونناقشه فيما قال، رغبة منا في حمل العقلاء على التبصر في شريعتهم، والبعد عن مثيرات الجدل طلبًا للسلامة، وطمعًا في هذا القصر في ربض الجنة، قد ضَمِنَه رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل من ترك المراء ولو كان محقًا . الرأي المخالف : ـ حين تجتمع الجمعة والعيد نرى بعض المراهقين علميًا قد رفعوا أصواتهم بمخالفة جمهور الأمة في صلاة الجمعة بعد صلاة العيد. أ ـ وأخف هؤلاء ضررًا – وإن لم تعد رأيهم في الصحيح – هؤلاء القائلون بأن صلاة الجمعة حين تكون في يوم عيد تتحول تلقائيًا من أنها فرض عين على رجال الأمة الذين تتوفر فيهم وجوب شروط الجمعة عليهم إلى فرض كفاية، إذا فعله البعض سقط الحرج عن الباقين. وليست البعضية هنا مطلقة وإنما أرادوا بالبعض الإمام وثلاثة معه. والذين يسقط عنهم الحرج بفعل الإمام ومن معه يشملهم هذا السقوط دون فرق من أن يكون هؤلاء الذين سقط عنهم الحرج من أهل المدينة أو من أهل البوادي، ودون فرق من أن يكون هؤلاء ممن يبلغهم النداء أو لا يبلغهم. وخلاصة القول عند هذا الفريق أنه إذا اجتمعت الجمعة والعيد فلا كلام في صلاة العيد ، وإنما الكلام في صلاة الجمعة، إذ يتحول حكمها من أن يكون أداؤها فرض عين إلى أن يصير فرض كفاية. وهذا الفريق من الناس يقولون : إن من لم يصلِ الجمعة فإنه يجب عليه صلاة الظهر حتمًا، فهو سقوط إلى بدل " . وهذا الفريق التزم الصمت حين سُئل عن تحول حكم صلاة الجمعة حين تجتمع مع العيد، هل هو خاص بمن يصلون العيد أم هو حكم عام شامل، صلته بخصوص اليوم الذي اجتمع فيه عيدان ، بصرف النظر عن أن يكون ذلك متعلقًا بالأشخاص ، فسواء صلى المرء العيد أو لم يصله، فإن حكم صلاة الجمعة بالنسبة للجميع قد تحول من أن يكون فرض عين إلى كونه فرض كفاية. لقد صمت الكثيرون منهم فلم يجيبوا عن هذا السؤال، ولم يحسموا القول فيه. هذا فريق من الناس على كل حال ربما يقبل النقاش، وربما يحمل أفراده أنفسهم على الأخذ والرد طبقًا لما يظهر لهم من الدليل. ب ـ وهناك فريق ممن يعارضون الجمهور قد امتلأ شططًا، وارتفعت حرارة غضبه على مخالفيه لا يطفئها كثرة الماء البارد المسكوب عليها من قبل أولئك النفر الذين يحاولون أن يلتزموا بدوران هوى الأمة مع هوى الشرع ونصوصه حيث يدور هوى الشرع وتدور نصوصه. ومن هؤلاء : الشوكاني محمد بن علي بن محمد المتوفي سنة 1255هـ الذي ذهب – رغم اضطراب الأدلة بين يديه – إلى أنه إذا اجتمع عيدان في يوم واحد سقطت صلاة الجمعة عن كل الناس، وأصبحت الصلوات المفروضة في هذا اليوم أربع صلوات لا خمس، فهو حكم شامل لمن صلى العيد ومن لم يصله على السواء، ولمن يبلغه النداء ومن لم يبلغه على السواء، ولمن سكنوا المصر ومن لم يسكنوه على السواء . وتوجه إلى من يخالفه الرأي باللوم والتأنيب، وأنه ممن يلزمهم العار والشنار (1) لنقصهم في العلم، ولتراجعهم عن مرتبة العلماء. قال الشوكاني في كلام طويل بعد أن نقل الروايات الواردة في ما يجب على المسلمين فعله عندما تجتمع الجمعة والعيدين في يوم واحد " .... وحكى في البحر عن الشافعي في أحد قوليه وأكثر الفقهاء أنه لا ترخيص لأن دليل وجوبها لم يفصل وأحاديث الباب ترد عليهم. وحكى عن الشافعي أيضًا أن الترخيص يختص بمن كان خارج المصر. واستدل له بقول عثمان من أراد من أهل العوالي أن يصلي معنا الجمعة فليصل ومن أراد أن ينصرف فليفعل . ورده بأن قول عثمان لا يخصص قوله صلى الله عليه وسلم (قوله) لم يزد – يعني عبد الله بن الزبير – عليهما حتى صلى العصر، ظاهره: أنه لم يصل الظهر وفيه أن الجمعة إذا سقطت بوجه من الوجوه المسوغة لم يجب على من سقطت عنه أن يصلي الظهر وإليه ذهب عطاء حكى ذلك عنه في البحر والظاهر أنه يقول بذلك القائلون بأن الجمعة الأصل فأنت خبير بأن الذي افترضه الله تعالى على عباده في يوم الجمعة هو صلاة الجمعة فإيجاب صلاة الظهر على من تركها لعذر أو لغير عذر محتاج إلى دليل ولا دليل يصلح للتمسك به على ذلك فيما أعلم " (1). وما ذكره الشوكاني مسترشدًا ، قول عطاء حمل الصنعاني على أن يكون أكثر وضوحًا في حكايته لرأي عطاء في المسألة قال الصنعاني (وذهب عطاء إلى أنه يسقط فرضها عن الجميع لظاهر قوله: " ابن الزبير" " من شاء أن يصلي فليصل". ولفعل ابن الزبير فإنه صلى بهم في يوم عيد صلاة العيد يوم الجمعة قال عطاء ثم جئنا إلى الجمعة فلم يخرج إلينا فصلينا وحدانا قال وكان ابن عباس في الطائف فلما قدم ذكرنا له ذلك فقال: أصاب السنة وعنده أيضًا أنه يسقط فرض الظهر ولا يصلي إلا العصر) (2). وهذا ما أغرب به صاحب فقه السنة قال بعد أن أثبت حديث زيد بن أرقم الآتي : " .... ويستحب للإمام أن يقيم الجمعة ليشهدها من شاء شهودها، ومن لم يشهد العيد لقوله صلى الله عليه وسلم : " وأنا مجمعون" . وتجب صلاة الظهر على من تخلف عن الجمعة لحضوره العيد عند الحنابلة والظاهر عدم الوجوب لما رواه أبو داود عن ابن الزبير أنه قال : بالبعض الإمام وثلاثة معه. والذين يسقط عنهم الحرج بفعل الإمام ومن معه يشملهم هذا السقوط دون فرق من أن يكون هؤلاء الذين سقط عنهم الحرج من أهل المدينة أو من أهل البوادي، ودون فرق من أن يكون هؤلاء ممن يبلغهم النداء أو لا يبلغهم. وخلاصة القول عند هذا الفريق أنه إذا اجتمعت الجمعة والعيد فلا كلام في صلاة العيد، وإنما الكلام في صلاة الجمعة، إذ يتحول حكمها من أن يكون أداؤها فرض عين إلى أن يصير فرض كفاية. وهذا الفريق من الناس يقولون: إن من لم يصل الجمعة فإنه يجب عليه صلاة الظهر حتمًا ، فهو سقوط إلى بدل. ب ـ وهناك فريق ممن يعارضون الجمهور قد امتلأ شططًا، وارتفعت حرارة غضبه على مخالفيه لا يطفئها كثرة الماء البارد والمسكوب عليها من قبل أولئك النفر الذين يحاولون أن يلتزموا بدوران هوى الأمة مع هوى الشرع ونصوصه حيث يدور هوى الشرع وتدور نصوصه. وأصحاب هذا الرأي يقولون : إذا اجتمعت الجمعة والعيد فليس لنا في العيد كلام وإنما كلامنا في الجمعة وهو كلام حاسم ذلك أن الجمعة تسقط بيقين عن من صلى العيد وعن من لم يصل، ولا يصلي أحد الظهر في ذلك اليوم إذ الصلوات المكتوبة في ذلك اليوم صارت أربعًا وليس هناك صلاة مكتوبة بين الصبح والعصر. وقد اجتمع على هذا الرأي أربع من المشاهير لا تعرف الأمة في تاريخها الفكري والفقهي سواهم وهم عطاء بن رباح والشوكاني صاحب نيل الأوطار، والأمير الصنعاني صاحب سبل السلام، وتابعهم على غير هدى الشيخ سيد سابق صاحب فقه السنة. ولقد حاول الشيخ سيد سابق أن يخفف الوطأة قليلاً فقال : إن الإمام يجوز له أن يقيم الجمعة ندبًا لا فريضة بتعليلٍ واهٍ لا يعتد به . أما الشوكاني والصنعاني فهما معروفان بقلة البضاعة في العلم خاصة الحديث والفقه ونقص الكتب لديهما واضطرابهما في المنهج بين أن يكونا على منهج الشيعة أو على منهج أهل السنة، ولتعلقهما بشواذ المسائل تعلق بهما المراهقون من الشباب علميًا . والمسألة لم يرد فيها من الروايات التي يمكن التعلق بها فيما رفع إلى النبي إلا روايتان . - إحدهما : ما أخرجه أبو داود عن : ياسر بن أبي رملة بسند طويل قال: "شهدت معاوية بن أبي سفيان وهو يسأل زيد بن أرقم قال: أشهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عيدين اجتمعا في يوم واحد ؟ قال: نعم. قال: فكيف صنع. قال: صلى العيد ثم رخص في الجمعة فقال: من شاء أن يصلي فليصل. وفي هذه الرواية أكثر من راوي توقف العلماء أمامهم فإياس بن أبي رملة الشامي مجهول العين والصفة، ولا يغرنك توثيق ابن حبان له فهو متابع لشيخه ابن خزيمة وهو متساهل في توثيق المجاهيل. وفي رواية هذا الحديث إسرائيل بن يونس ضعفه ابن المديني ، وابن حزم وغيرهما . ولا يغرنك انتقاء الشيخين بعض أحاديثه فإن هذا الحديث على كل حال لم يكن مما انتقياه واقرأ إن شئت في رد هذا الحديث أقوال جهابذة المحدثين. - أما الرواية الثانية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي المروية بالسند إلى أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " قد اجتمع في يومكم هذا عيدان فمن شاء أجزأه من الجمعة وإنا مجمعون ، قال عمر عن شعبة وفي هذه الرواية محمد بن المصفي قال عنه العلماء يروي المناكير أما بقية وهو من رواة هذا الحديث فقال العلماء يحذرون منه (أما بقيه فأحاديثه غير نقية فكن منها على تقية كما يقول أبو مسهر). وفي سند هذه الرواية : "المغيرة الضبي" وهو معروف بالتدليس أيضًا. وعلى الجملة : فقد جاءت هذه الرواية مرسلة وهي علة أخرى لا تقل حدة عن العلل السابقة. وليس في كتب الحديث في المسألة عن رسول الله غير هاتين الروايتين ويبقى رواية في قصة مشهورة عن عبد الله بن الزبير وفيها اضطراب ظاهر، واحتمال يسقط به الاستدلال عند أهل العلم . وإجمال القول : أن هذه المسألة مغرقة في الشذوذ. ومن الأمور الملفتة للنظر أن مصر قبل ظهور الجماعات فيها كانت في مأمن من الترويج لهذا الشذوذ البغيض فلقد كان فيها الأحناف والشافعية والمالكية وهم جميعًا لا يُرَوِّجُون لمثل هذه المسائل ولا يعينون مبتغيها. والمسألة تحتاج إلى حزم وحسم من صانعي القرار وعلى رأسهم فضيلة الإمام شيخ الأزهر المسئول عن كعبة العلم في هذا العالم الإسلامي. ولا تُخلي من المسئولية وزارة الأوقاف ودار الإفتاء في مصر؛ فالمسألة علم والعلم له مؤسساته. والمسألة دين، والدين له رجاله الذين يفقهون أحكامه ويملكون إنزالها على الوقائع . والله يقول الحق وهو يهدي السبيل . * * * (1)الشنار :الأمر المشهور بالقبح والشُّفْعَة –ابن منظور (2)الشوكاني: –نيل الأوطار– ج3 ص 283 ط دار الجيل بيروت الأولى 1421هـ/1994م. (2)الصنعاني ـ سبل السلام ـ ج2 ص 112 ، ص 113 بدون.