• الموقع الرسمي للدكتور طه حبيشي

أرشيف : أسس فكرية وتربوية

خواطر رمضانية النبي.. والإمامة العظمي

وجد النبي والمسلمون معه بعد هجرتهم إلي المدينة انهم امام مجتمع علي خلاف ما كان عليه المجتمع المكي وهو مجتمع قد فرضت تركيبته عليه ان يهتف بإمام ليس من اليهود ولاينتمي لطوائفهم. ولا هو من العرب النازحين من اليمن. لا من اوسهم ولا من خزرجهم ولا هو من العرب القادمين من مكة. انه مجتمع لتركيبته ظروف خاصة. وهو يحتاج إلي امام او رئيس دولة لم تصنعه الاحداث. وانما هو القادر علي صنع الاحداث. ولم يصنعه الناس وانما هو القادر علي تربية وصنع الناس. ومتطلبات المجتمع المدني لايستطيع ان يلبيها الا امام فذ. قادر علي صناعة الاحداث وتوجيه الناس. وهو احتياج يشير بكل الاصابع إلي هذا النبي المهاجر الذي جزء شخصيته انه قد اعدّ للسفارة بين الله وبين عباده. وهو جزء قد تسامع به الناس وسارت بميزته الركبان- والجزء الآخر في شخصيته هو انه: ثقف فطن لقن. ارتفع فوق الصدق والامانة. وهو بالناس رءوف رحيم. وهو بالاحداث بصير واع. لم ينقصه شيء في خلق ولاخلق. ولم يحتج إلي شيء يعوزه في مجال الفهم والادراك. ولا في مجال التعبير والبيان. كما لايعوزه شيء في مجال اسقاط الاحكام علي الاحداث لما قد توفر له من ملكات قادرة علي اسقاط الاحكام علي الاحداث. لقد اشارت الظروف المجتمعية جميعها بكل وسائل الاشارة إلي هذا القادم الجديد فتولي النبي من اول لحظة مقاليد الامامة. وتحمل مسئولية القيادة في مجتمع المدينة. إلي هنا واري الحديث يتوجه بنا وجهتين لكل وجهة طريقها. ولكل وجهة جاذبيتها. احداهما: ان نتحدث عن الممارسات العملية للنبي صلي الله عليه وسلم معتمدين علي سجلات السير والتاريخ. وهذا امرُ ُ قد ملئت به كتب السير. وازدحمت به رفوف خزائن الكتب. وثانيها: ان نتحدث عن الاحكام والتشريعات. وعن طبيعة هذه الاحكام وتلك التشريعات التي يحتاجها الامام. ولايستغني عنها كل امام. والطريق إلي هذا الحديث عسير لا لوعورة الطريق في حد ذاته. وانما عسره جاء من جفاف منابعه. حيث انه في كل عصر نجد المفكرين. والمشتغلين بالاحكام الشرعية يصدون عن السير في هذا الطريق. وبالتالي هم يصدون عن الحديث في مجال الاحكام والتشريعات المتصلة بالامامة العظمي. والمرتبطة برئيس الدولة. واذا جاز لنا ان نرتاد هذا الطريق ونسير فيه. فإنه يجب علينا بادئ ذي بدء ان نميز بين نوعين من الاحكام في الشريعة الاسلامية. واحد هذين النوعين: هو هذه الاحكام المنضبطة بالبلاغ والابلاغ عن الله. وهي احكام ارتبطت بالجزء الاول من شخصية النبي. وهي ان النبي صلي الله عليه وسلم يمتاز في جانب من جوانب شخصيته انه مبلغ عن الله. وقصاري القول في هذا المجال ان ما تلقاه النبي من الاحكام لايجوز بحال من الاحوال ان يغير او يبدل مهما كانت الشخصية التي تدعي انها قادرة علي التغيير. ومهما كانت الشخصية التي تدعي انها لها حق التغيير والتبديل. وثاني هذين النوعية: هو هذه الاحكام التي يضبطها اطار عام. واسس وضوابط محددة. لكنها متروكة في جزئياتها وتفاصيلها للامام يدبرها بشخصه او بمشورة غيره. وهذا النوع من الاحكام مرتبط في كثير من شأنه بالامام او برئيس الدولة. ومجموع هذه الاحكام تسمي في الفقه الاسلامي "بالاحكام السلطانية" كما تسمي "باحكام الامامة". وهي قد تسمي في عصرنا "بالاحكام السيادية" وهي احكام موجودة في كل نظام تقتضيها المصلحة المدنية. كما تقتضيها مصلحة الناس في كل نظام. والنبي صلي الله عليه وسلم لاول عهده بالمدينة المنورة. قد اسندت اليه قيادة الدولة. ومسئولية سياسة المجتمع من خلال احكام عرفت فيما بعد "بالاحكام السلطانية" او "السياسة الشرعية". وقد يتساءل بعض الناس عن هذه الاحكام. وعن علاقتها بالمشرع الاول سبحانه؟ والجواب ان نقول: ان هذه الاحكام لها علاقة وثيقة بالمشرع. خاصة في اطارها العام وقواعدها الضابطة لها. وتبقي هذه التطبيقات الجزئية ضمن هذا الاطار العام والمرتبطة بتلك القواعد الضابطة. وهو ما يمثل الميدان الذي تركه الله للامام يعمل فيه باجتهاده. شريطة الا يخرجه الاجتهاد عن الاطار العام. او ينأي به عن القواعد الضابطة. ومن هنا من هنا فقط نستطيع ان نقول: ان للامام في كل عصر ان يجتهد في هذا المجال منضبطاً بالاطار والقواعد. وبالمصلحة العامة للمجتمع. ثم لابأس ان يجتهد بنفسه فيما يتطلب الاجتهاد فيه السرية. او بمشورة غيره في كل مجال يسمح بالتشاور فيه. وانت اذا قرأت في سيرة النبي. وجدت كثيراً من هذه الامثلة التي تمثل الاحكام السلطانية او القرارات السيادية. ومنها: ان النبي قد عقد بينه وبين اليهود في المدينة معاهدة. ارساها الاول مرة علي مبدأ المواطنة. وهي مشهورة. ومنها: ان النبي صلي الله عليه وسلم قد شرع للمسلمين التوارث طبقاً لعقد الاخوة الذي ابرمه بين المهاجرين والانصار. ثم رفع هذا التشريع بعد ان استقرت الظروف الاقتصادية. ومنها: ان رسول الله صلي الله عليه وسلم قد منع تأجير الارض الزراعية. وقال للانصار: من كانت عنده ارض فليزرعها بنفسه. فإذا فاضت الارض عن قدرته الزراعية منحها لاحد اخوانه من المهاجرين يزرعها ويرزق منها حسبة الله. ثم عاد بعد ان تعافي الاقتصاد في المدينة فأباح تأجير الارض الزراعية. ومنها: ان النبي صلي الله عليه وسلم لما رأي من اليهود استعلاءً واستكباراً واستهتاراً بالمسلمين. اراد ان يريهم من المسلمين قوة. فأمر المسلمين الا يبدءوهم بالسلام لتحريف اليهود فيه. حيث كانوا يقولون للمسلمين: السام عليكم. والسام هو: الموت. ثم امر النبي المسلمين ان يجلئوا اليهود إلي اضيق الطرق. فلما استقر الامر. وساد مبدأ الندية هدد النبي المسلمين ان ينالوا من اهل الكتاب بغير حق. وتبرأ ممن يظلمهم. ومن الاحكام السلطانية: ما يتصل بالمسائل العسكرية التي يختص القائد بها. ومن امثلتها: انه فرض السرية علي خروجه يوم فتح مكة. واصطنع لذلك حصاراً شديداً قام به رجال علي رأسهم عمر بن الخطاب. ومن امثلتها: انه اختار للجند مواقعهم يوم بدر. فحين رأي بعض الخبراء العسكريين ان في بعض المواقع العسكرية يوم بدر قصوراً في بلوغ الهدف. سأل النبي قائلا: امنزل انزلكه الله. ام هو الحرب والمكيدة. فلما بين له النبي ان اختار المكان شأن من شئون القائد ابدي رأيه. واخذ النبي بمشورته. والامر مشهور. ومن الامثلة: ما حدث والمسلمون عائدون من ذات الرقاع من اخطاء ارتكبها زعيم المنافقين في حق النبي والمسلمين. واغتم المسلمون لذلك. وارادوا قتل ابن ابي حدًّا حيث آذي رسول الله. اتخذ النبي القائد والامام قراراً بمسامحة المخطئ. لان في قتله خطراً علي مجتمع المسلمين في الداخل والخارج. حيث ترعد لقتله انوف في الدخل. وينتشر بين الناس في الخارج ان محمداً يقتل اصحابه. امثلة كثيرة ومتعددة ولو شئنا لاتينا منها بالكثير. ويكفي ما سقناه لبيان الفرق بين احكام شأنها الدوام. واخري يتأتي فيها الاجتهاد الاولي: احكام البلاغ. والثانية: القرارات السيادية. بقلم/د. طه حبيشي