• الموقع الرسمي للدكتور طه حبيشي

أرشيف : أسس فكرية وتربوية

استقبال رمضان

صورة افتراضية

: اللواء الإسلامي                                           24 شعبان 1427هـ

أ / العارف بالله                                                       17/9/2006م


ـ

يأتي رمضان هذا العام وله مذاق جديد، يتذوقه جيل من المصريين على مذاقهم الخاص، فيعود بهم هذا المذاق عبر التاريخ إلى الوراء مدة ثلاثة وثلاثين عاما إلى التاريخ نفسه من سنة 1973م.

ويذكر بعض الناس شهر أكتوبر فيجدون له نفس المذاق ونفس العودة إلى ماضي الزمان، ويذكر فريق آخر من البشر على أرض شهري رمضان وأكتوبر معاً، فيجدون في أنفسهم شعوراً وتطلعاً، أما الشعور : فهو ذلك الشعور بزهو الانتصار على الأعداء، وحمل الإثم على التراجع إلى الوراء، ودمغ الباطل بالحق على يد نخبة من المسلمين دمغاً أشاع عزة الإسلام في أنفسهم، وبهجة صدق العقيدة في أفئدتهم، وأما التطلع: فهو هذا التطلع الذي يعلن عن الرغبة في استمرار هذه الروح التي أراد الله عز وجل أن تشيع في المسلمين حين التقى رمضان بشهر أكتوبر، أو حين تقابل أكتوبر مع شهر رمضان، وهو لقاء لا يتم عادة إلا بعد أن يمر على الناس ثلاثون عاماً في دورة معينة من دورات الأفلاك.

وحين أراد الله عز وجل أن يلتقي السادس من أكتوبر مع العاشر من رمضان في الدورة الفلكية السابقة على هذه الدورة منذ ثلاثة وثلاثين عاماً، كان ما كان من انتصار المسلمين على اليهود وإخراجهم من ديار مصر، تحت مؤثرين متقابلين إن شئت أن تقول ذلك، أو في خطين متوازين إذا أعجبتك فكرة التوازي، وهذان الخطان اللذان أرادهما الله هما خطي الحرب والتفاوض، فلقد فتح القتال للتفاوض باباً واسعاً دخل منه المسلمون في مصر مع اليهود ليستردوا باقي أرضهم بغير قتال، وهي مسألة لها في عصر المبعث نظائر وأشباه.

وحين التقى العاشر من رمضان بالسادس من أكتوبر، وبدأت لحظة الصفر تمثلا المسلمون يوم الفرقان يوم التقى الجمعان على أرض بدر في السابع عشر من رمضان المعظم، ويومها وفي عصر المبعث لم تكن القوة المادية متكافئة، حيث كان عدد المسلمين لا يجاوز ثلث عدد الكافرين، ناهيك عن التفاوت في العتاد وآلات الحرب، غير أن المسلمين يعلمون أن هناك بعداً آخر يحسم نتائج المعركة حين ينتهي البعد المادي الذي يجب على المسلمين أن يصطنعوه من غير أن يعلقوا عليه جميع الآمال.

وهذا البعد المضاف والذي يدركه المسلمون، إنما هو معية الله عز وجل ونصره لعباده الذين أخذوا في مجال الأسباب إلى أقصى ذرعه، ثم علموا أنه " وما النصر إلا من عند الله " .

وهذا البعد المضاف والذي يدركه المسلمون دائماً هو الذي يضيف إلى معنويات المسلمين قوة إلى قوتهم.

وما من مسلم إلا وهو يعلم صدق المقايضة وجدية المعارضة التي وضعها الله أمام عباده المتقين "إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم".

لقد كان يوم بدر في عصر المبعث في رمضان المعظم مثالاً صادقاً للنصر الذي حصله المؤمنون بعد أن وضع الله فيهم هذه الروح العالية التي تؤمن بالاستعداد المادي على أنه سبب من الأسباب التي تفتح باب النصر، ولكنه في جميع الأحوال ليس هو السبب الوحيد للنصر، فكم من أناس يملكون العتاد والقوة، وكم من أناس ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، وينفتح أمامهم المجال لإنفاقها، ولكنها في النهاية تكون عليهم حسرة، ولكنهم في آخر المطاف يكونون من المغلوبين، ولكن مصيرهم قبل هذا وبعده ليس له من سبيل إلا هذا السبيل الذي يلقي بهم إلى الجحيم.

تعلم المسلمون عبر التاريخ هذا البعد الإيماني، ودخل مكوناً من مكونات عقائدهم، فسمت روحهم، وارتفعت هممهم، وأقبلوا بهذا السمو وهذا الارتفاع يقتحمون بهما كل ميدان.

ودار الفلك دورته والتقى رمضان بشهر أكتوبر في سنة ثلاث وسبعين بعد الألف والتسعمائة من الميلاد، وفي العاشر من رمضان السادس من أكتوبر، كان نداء الحق لعباده يتكرر من جديد "إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله ... " وأُتخذ القرار وكانت لحظة الصفر بشعارها الذي ليس للمسلمين شعار سواه ( الله أكبر )، واقتحم المسلمون بروح عالية يقصدون رضا الله وحده ولا يلوون على شئِ، فانهارت أمام الروح العالية سدود التراب العملاقة، والقلاع الخرسانية المسلحة العاتية، وأنابيب النابلم المخالطة لمياه القناة تنتظر أن تسعِّر هذه المياه، والطيران الذي لا يقهر، والزواحف المصنوعة من الدبابات ... إلى غير ذلك مما رسم أمام العدو أسطورة أن معه آليات لا تُقهر.

لقد مزقت صيحة ( الله أكبر ) كل الحجب، وكان ارتفاع الروح المعنوية المؤسسَة على العقيدة هو السبب الحقيقي للنصر مهما انطلقت الحناجر بأسباب أخرى يعقلها العاقلون أو. لا يعقلونها، إذ المؤمن الحقيقي لو أنك سألته عما فعل يومها، فإنه لن يزيد على أن يقول لك: " وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب".

هذه هي روح أكتوبر حين التقى بشهر رمضان المعظم سنة 1973م، وجاء رمضان بعد هذا منفرداً عن شهر أكتوبر، فيحتفل الناس به كل على  طريقته ويتأمل الناس ذكراه في كل عام على ما تسمح لهم به قريحتهم، ويأتي أكتوبر في هذا العام بين أحضان شهر رمضان المبارك بعد مرور ثلاثة وثلاثين عاما، ويأتي السادس من أكتوبر هذا العام موافقًا للثالث عشر من شهر رمضان المعظم على ما تقوله التقاويم، فيكون المجيئ الشهرين في هذا العام مذاقاُ مختلفًا ، وعبقاً متميزا.

لكن مثلي ربما يقابل هذا اللقاء في هذا العام  وهو يضرب كفاً على كف حين يستحضر صورتي صورة اللقاء بين رمضان وأكتوبر قبل هذه السنين، وما كان يحمله هذا اللقاء من تعلق شديد بالله عز وجل وثقة به، وما يترتب على هذا التعلق وتلك الثقة من سمو في الروح، وعلوٍ  في الهمة، وما أراه اليوم من فتور في الأداء، وتراخي في الهمة، وإحجام في السلوك، الأمر الذي أثر على طموحنا، واخترق علينا وحدتنا، وغيبنا قليلاً أو كثيراً عن هذا الحضور الذي يميزنا بين الأمم.

وهذه الأمور وأمثالها تجعلني أهيب بأمتي شعباً وحكومة، ورؤساء ومرءوسين، ورعاة ورعية كل في موقعه، أن يعودوا إلى هذه الروح روح رمضان يوم بدر، وروح رمضان حين احتضنه أكتوبر، فدفع المسلمين إلى إجلاء اليهود عن أرض المسلمين في مصر.

أهيب بأمتي أن يعودوا إلى هذه الروح من جديد، وهي ليست روحاً اجتماعية مجردة، إنما هي روح اجتماعية مؤسسة على عقيدة صارمة تؤكد أن من أسند ظهره إلى الله في كل مجال عزَّ وارتقى، ومن أشرك مع الله غيره فلا أجد إلا هذا المثل مثل الرجل يخر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق.

وبين يدي أكتوبر رمضان في هذا العام ضوء كاشف قد أكد هذا المعنى على أرض لبنان.

ولعل الله عز وجل يفاجئنا بمثله قريباً على أرض فلسطين.

وما ذلك على الله بعزيز .

* * *

أ.د/ طه حبيشي

الأستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

بكلية أصول الدين ـ القاهرة