• الموقع الرسمي للدكتور طه حبيشي

أرشيف : أسس فكرية وتربوية

القرآن المجيد

صورة افتراضية

الأحد  10 صباحاً

14 مايو 2006م                                               16 ربيع ثاني 1427هـ

ـ

المكان : الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية ـ جنوب السرة بجوار هيئة المعلومات المدنية.

ملاحظة : ( نص هذه المحاضرة في كتاب نظرية النبوة )

القرآن المجيد

معجزة النبي الدائمة وأصل الشريعة الأول

          ما من دين سماوي يعرفه الناس إلا ويحتاج النبي الذي جاء به إلى ما يثبت صدق انتسابه إلى الله.

          وما من دين سماوي يعرفه الناس إلا ويجب أن يكون لشريعته أصل أو أصول يرجع إليها أصحابه أو أتباعه، يستخرجون الأحكام من نصوصه، ويضبطون سلوكهم على هذه الأحكام.

          والدين الإسلامي يأتي على أول القائمة من حيث ما يملكه من معجزة تثبت صدق نبيه.

          وهو يأتي على أول القائمة كذلك من حيث ملكيته لهذا الأصل الذي لم يثبت عقلاً ولا واقعاً أنه قد طرأ عليه تغيير بتبديل أو تزوير.

          ونحن سنحاول أن نتصدى إلى هاتين النقطتين في هذه المحاضرة معكم، لنكون على بينة من الأمر، وعلى يقين من القول.

القرآن معجزة :

          وأول ما ينبغي أن نتصدى إليه هنا هو أن نؤكد على أن القرآن الكريم هو معجزة النبي التي تثبت صدقه، وتؤكد نبوته.

          وكثيرون من الناس يؤكدون أن القرآن هو معجزة النبي الوحيدة.

          والناس يأخذون هذا القول عن أصحابه دون أن يدركوا ما الذي يقصدون إليه منه.

          والذي يقصد إليه أصحاب هذا القول ظاهر لا خفاء فيه.

          وبيان هذا الظهور أن نقول: إن الأنبياء الذين سبقوا النبي صلى الله عليه وسلم كانت معجزاتهم كونية، إنها تتصل بهذا الكون، وبالقوانين التي تحكم ظواهره، إن كل ظاهرة طبيعية لها قانونها الذي يحكمها، كقانون الفعل ورد الفعل، وكقوانين الطفو، وكقانون الاستطراق في الماء .. الخ.

          ومجموعة القوانين هذه قد بثها الله في الكون، فإذا ما توفرت لكل قانون أسبابه، وانتفت عنه الموانع أخذ يعمل من خلال إرادة الله عز وجل ومشيئته، كما هو واضح في قانون السببية الذي أكده المسلمون جميعاً، وأكده غير المسلمين من علماء الطبيعة من أمثال ـ ديفيد هيوم ـ .

          والأنبياء السابقون حين جاءوا لأممهم بالرسالات، احتاجت هذه الأمم إلى ما ثبت صدق نبوة هؤلاء الأنبياء، فكان الله يعطل لهم القانون مع وجود أسبابه وانتفاء موانعه.

          فالنار يدخلها إبراهيم لا يحترق، لأن قانون الاحتراق عُطل له، والسكين تمر على رقبة إسماعيل ولا تقطع، والماء في البحر يشوه الله لموسى وهو سائل ويجعله فِرْقين يكون كل فرق كالطود العظيم، وبين الفِرْقين طريقاً يبساً، ويؤمر موسى أن يسير بقومه في هذا الطريق لا يخاف دركاً ولا يغشى غرقاً.

          وقل مثل ذلك في إحياء الموتى لعيسى وإبراء الأكمه والأبرص له.

          والحديد يلين في يد داود عليه السلام ويفقد صلابته، والجبال تأوب معه....الخ.

          وهذه المعجزات وأمثالها يمكن لنا أن نصنفها على أنها معجزات مادية أو طبيعية.

          وهذه المعجزات يظهر فيها أمران بارزان:

          الأمر الأول: أنها معجزات لا تدوم، ولا يتكرر النوع الواحد منها، لأنه لو تكرر لكان أمراً معتاداً .

          واستناداً إلى هذه الخاصية، فإن المعجزة الطبيعة لا تلزم إلا هذا الجيل الذي رآه، وما يليه من الأجيال إنما يؤمن بها عن طريق التواتر إن وُجد، على أنها أمر له واقع تاريخي.

          والأمر الثاني الذي يظهر في هذه المعجزات: هو أنها شئ مستقل عن التشريع الذي جاء به النبي الذي وقعت هذه المعجزة لإثبات نبوته.

          وعلى ذلك فإن كل نبي من الأنبياء يكون ما يملكه من المعجزات شئ ومصدره الأول للتشريع شئ آخر.

          وهذه المعجزات بخواصها التي ذكرناها يمكن أن تصلح أن تقع على يد الأنبياء السابقين، لأنهم إذا ارتحلوا إلى ربهم وحدث خلل في رسالاتهم، أو وقع شئ من المراء حول معجزاتهم التي تثبت نبوتهم، أرسل الله نبيّاً آخر يصلح ما أفسده الناس في العقائد، ويصلح ما أفسده الناس عن طريق التشكيك في المعجزات أو في أوصل الشرائع.

          وهذا الأمر الممكن لم يعد كذلك ممكنا بعد إرسال النبي صلى الله عليه وسلم، لا لشئ إلا لأن الله قد حكم له أن يكون خاتم المرسلين في أمة قد ملكت رشدها، فكان من الحكمة الإلهية والحالة هذه أن يُمنح النبي معجزة تظل تتحدى الناس منذ أيام نزولها إلى آخر مخلوق يخلقه الله على هذه الأرض، وإلى آخر إنسانن يتنفس في هذا الوجود ما دام صالحاً للتكليف.

          وكان من الحكمة الإلهية أن يمنح الله للنبي معجزة يتحد بالعقيدة والشريعة اتحاداً تاماً ، لا يكاد ينفصل أحدهما عن الآخر.

          والله الذي لا يعجزه شئ في السموات ولا في الأرض، جعل لمعجزة النبي هاتين الخاصيتين، فكانت معجزة النبي هي القرآن، وهي قد انفصلت تكوينيا عن أن تكون طبيعتها مادية.

          وكانت معجزة النبي هي القرآن وقد اتحدت بالعقيدة والشريعة اتحاداً تاماً لا ينفل أحدهما عن الآخر.

          وبهاتين الخاصيتين علم النبي أن معجزته تلك ستكون ثرية على مدار السنين، عظيمة العطاء في كل عصر.

          ومن أجل ذلك أخبر النبي صلى الله عليه وسلم " أنه ما من نبي إلا وقد أعطاه الله ما مثله آمن عليه البشر أما الذي أعطاه الله إياه فكان وحيا يوحي (وهو القرآن) ".

          ومن أجل ذلك رجى النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون أكثر الناس تابعاً يوم القيامة.

تنبيه هام :

          وإذا كان كثيرون من العلماء قد لفتوا النظر إلى القرآن باعتباره معجزة النبي التامة، فإنني لم أرَ واحداً منهم قد قال: إن النبي  حرم المعجزات المادية، وإنما الذي قالوه: إن المعجزات المادية في أغلب الأحيان لم تكن لإثبات نبوته على مدار الزمان، وإنما كانت ولا تزال لإبراز مكانته.

          صحيح كان من بعض هذه الرسالات المادية ما وقع على يد النبي لتثبيت الإيمان في قلب رجل اهتز اليقين بين يديه.

          هذا صحيح، ولكنه لم يكن هو تلك القاعدة التي يعتمد عليها الناس على توالي العصور في إثبات نبوته صلى الله عليه وسلم.

          ومن هنا كانت معجزة النبي الدائمة العطاء هي القرآن.

          القرآن ولا شئ غير القرآن يمكن أن يقوم بهذا الدور.

معجزة محفوظة :

          ولما كانت معجزة النبي وقد تعلق بها هذا الخطر، وتعاظمت أهميتها إلى هذا الحد لم يشأ الله عز وجل أن يستحفظ عليها غيره، وإنما تولى هو بنفسه حفظها "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون".

          وإنه لمن العجب العاجب ـ ونحن لا نعجب من فعل الله ـ أن يكون الذين تولوا حفظ القرآن والمحافظة عليه يتبعون الأسباب الطبيعية التي لم تمكن لأحد من الناس أن يقوموا بتحريف القرآن، فيدخلوا عليه ما ليس منه، أو يحذفوا منه ما هو أصيل فيه.

          ومع حرص الكثير من أعداء الإسلام على أن يقوموا بهذا التشويش فإن أحداً منهم لم يستطع أن يقوم بهذه المهمة الهابطة.

          ومن أهم الوسائل التي حفظ الله بها القرىن أنه قد يسَّره للذكر، وجعله سهل الحفظ، محببا حفظه إلى النفس، قريب التناول، يغري الفرد والجماعة بأن يعكفوا على معانيه ويتدبروها في محبة وأُلفة.

          ومن الأشياء التي ظهرت في هذا العصر ـ وهي مدهشة كما قلت ـ أنه قد ربط الحفاظ على القرآن ببعض الممارسات الاقتصادية في يد الدول الكافرة.

          فأنت ترى أمة كالصين أو غيرها من الأمم تحاول أن تستخدم ما عندها من الفنون والمواهب في طبع القرآن الكريم، فبعضهم يضغطه كله في لوحة ورقية عليها آثار الفن والزركشة، وبعضهم يحاول أن يقتبس منه بعض الآيات على لوحات جزئية شكلها مبهر يسر الناظرين.

          وفي أيامنا هذه قد وضع القرآن الكريم على آلاف بل ملايين من الأجهزة الالكترونية، بأصوات منتقاة، وطرق متعددة.

          وهذه الشركات الكافرة تخشى الخشية كلها وهي تمارس هذا العمل الاقتصادي في طبع القرآن أن يقع منها خطأٌ واحد في حرف أو آية، أو حركة أو سكون، إذ لو حدث ذلك واكتشف أفراد الأمة الإسلامية هذا الخطأ، لاتخذوا قراراً مباشرة بمقاطعة هذا العمل الذي أخذوا في تسويقه، وتخسر هذه الشركة أو تلك بسبب خطأٍ مقصود أو غير مقصود سوقها في العالم الإسلامي.

          إنها طرق متعددة كلها على الأسباب المعتادة، يُسَخِر الله حتى بعض الكافرين أن يقوموا بها لتحقيق وعده " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون " .

معجزة مزدوجة الأهداف :

          ونحن نرى هذه المعجزة اليوم، وسيراها غيرنا بعد اليوم، وهي تحقق هدفين عظيمين:

          أحدهما: إثبات صدق نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتحقيق طبيعة العلاقة بينه وبين ربه من جهة باعتباره نبيا مرسلا هو خاتم المرسلين، وبينه وبين أمته من جهة أخرى باعتباره هو العنصر الهام، والذي يكاد يكون هو العنصر الوحيد الذي يشكل منظومة التعليم الإسلامي، والأخلاق الذي بُعث ليعلم الناس مكارمها.

          وهذا الغرض من أغراض تلك المعجزة إنما يشكل نسيج التعليم والأخلاق لُحمتها وسُداهما.

          وثاني هذين الهدفين: هو أن هذه المعجزة حين لم تنفصل عن التشريع والعقائد رأيناها وقد أصبحت واحدة وسط صحراء جدال البشر المضني حول قضايا العقيدة والتشريع، فهي الملجأ الآمن، والملاذ الدافئ لكل إنسان حارت به مسائله، أو بعض مسائله في العقيدة أو في التشريع.

          وكم من إناس ضلوا وحاولوا أن يضلوا غيرهم، فأشرق القرآن وأضاء وجه الأرض، وكأنه يقول للضالين ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً فضُرب بينهم بسور له باب، باطنه فيه الرحمة رحمة القرآن الذي صحح المسار، وظاهره من قبله العذاب عذاب الضلال والإضلال.

وجه إعجاز القرآن :

          والناس يتساءلون في زماننا وقبل زماننا عن الوجه الذي صار به القرآن معجزا.

          وقد يختلفون فيما بينهم عن هذا الوجه الذي ينتخبونه ليكون وجه إعجاز القرآن، وقد ينتخب الواحد منهم وجها واحدا، في حين أن غيره ينتخبون لذلك أكثر من وجه.

          ففي عصر المبعث وهو عصر نزول القرآن الكريم كان التحدي الظاهر يتصل أول ما يتصل بلغة القرآن في الأسلوب والتراكيب، وفي الجمل والألفاظ المختارة للدلالة على معانيها، ومتى يستعمل القرآن الكلمة فيما وضعت له، ومتى يتحول الاستعمال إلى استعمال بلاغي... الخ.

          وإذا كان أهل جزيرة العرب هم أصحاب البيان والفصاحة، وهم أهل اللغة وواضعوها، فإن أهل مكة بالذات قد اجتمع لهم من ذلك الشئ الكثير، ففي منطقة الحرم وما حوله كانت تقام الأسواق الثقافية، تُعقد فيها الندوات، والمسابقات، من خلالها يُحكم لأكثر الناس إتقاناً للغة شعراً ونثراً.

          وأهل مكة إقامتهم حول البيت الحرام، ورب البيت العتيق لم يكن محل جدل أو نزاع مهما تفرقت العقائد بأصحابها، وكثرت توجهاتهم بالعبادة، فإنك تراهم في النهاية لا يختلف بعضهم على بعض حول عبادة رب البيت، والتقرب إليه رغبة ورهبة.

          وليس العرب وحدهم هم أولئك النفر الذين كانوا ينجذبون إلى رب البيت العتيق، وإنما كان ينجذب إلى هذه البناية التي تنتسب إلى الله بعد أن أضافها لنفسه كثيرون من أهل الهند وغيرهم من جهات شتى كانت تطير أفئدتهم إلى هذا المكان لأغراض دينية، وأغراض دنيوية على السواء.

          ولما كانت مكة وأهلها يستقبلون هذه الوفود جميعاً ، فإن هذا الاستقبال نفسه قد أثر في لغة هؤلاء وفي طباعهم على السواء.

          فإذا جاء القرآن وتحدى القوم من أهل مكة، وعجز القوم عن أن يأتوا بمثل القرآن أو بعضه، دل ذلك على أن القرآن معجزٌ في لغته.

          وفي عصر المبعث كذلك كان القرآن يتحدث عن الغيب، والحديث عن الغيب حديث لا يطيقه مخلوق محكوم بقوانين الحياة والطبيعة، كما هو محكوم بقيود المكان والزمان.

          ولو سمع إنسان أن هناك حديث عن الغيب، فإنه سيدرك من معنى الغيب ذلك الشئ الذي يحول بينه وبين إدراكه حدود المكان، أو يدرك من معنى الغيب ذلك الشئ الذي يحول بينه وبين إدراكه حدود الزمان، أو هو يدرك من معنى الغيب ذلك الشئ الذي تخفيه الصدور ولا يطلّع عليه بعد الله إلا صاحبه الذي كتمه في صدره.

          إن معنى الغيب يفهم على حالة من هذه الحالات أو نظائرها إن كان لها نظائر.

          وفي القرآن تحدى بالإخبار عن الغيب على وجه صارم من نحو قوله تعالى "ألم* غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم " (الروم : 1 ـ5).

          ومن نحو قوله تعالى إخباراً عن هذه الصلة الدقيقة، وهذا الإعلام السريع في الخفاء المتمثل في علاقة يوسف بربه، أو علاقة ربه به في قوله تعالى: " فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون" (يوسف: 15).

          فلما تقدم الزمان قليلاً أو كثيراً وبدأت الكشوف العلمية على يد العرب، وانتقلت من العرب إلى غيرهم مع بداية عصور النهضة، بدأ التحدي في مجال العلم.

          فالعلم يُكتشف بأدوات الكشف، والقرآن يتحدث عن قوانين العلم أو ثمرة تلك القوانين غير أدواتها للكشف العلمي.

          وكثيرون من العلماء اطلعوا على هذا في القرآن الكريم في عالم الأجنة، وعالم الطبيعة، وعالم الجيولوجيا، وفي علوم البحار ... إلخ من هذه الإشارات العلمية التي امتلأت بها آيات القرآن وأدركها العلماء كلٌ في مجاله، فأخذتهم الدهشة، وسيطرت عليهم الحيرة، فمنهم من آمن واهتدى، ومنهم من استولى عليه الشيطان، فظل على ما هو عليه من الضلال والإضلال.

          وحين طرحت المسألة الاجتماعية في العالم كله نفسها تبتغي الحل الأمثل على يد المصلحين الاجتماعيين، نزل إلى الميدان فلسفات اجتماعية وشرائع ودساتير، الكل يريد أن يصل إلى الحل الأمثل ويقتلع المشكلة الاجتماعية من جذورها، وكان من ذلك شريعة الإسلام نزلت هي الأخرى حلبة السباق.

          والشئ المتوقع أن هناك كثرة من العلماء في الغرب والشرق قد التفتوا إلى شريعة الإسلام ووقفوا على مميزاتها، فاستسلم إليها منهم من استسلم، وكثيرٌ منهم قد ملأ إيهابهم ما ملأه من الشنآن.

          وخلاصة القول إلى الآن أن العلماء الباحثين حين رصدوا ما رصدوه، من وجوه رأوها صالحة لكي تعبر عن وجه إعجاز القرآن الكريم، كان كل منهم قد انتقى لنفسه وجهاً واحداً، وذكر أنه هو الوجه اللائق للتعبير عن وجه إعجاز القرآن الكريم.

كلمة نراها :

          أما الذي نراه فهو أن هؤلاء الذين رصدوا وجوه إعجاز القرآن أصابوا فيما رصدوه، ولكنهم في نفس الوقت قصروا في الحكم حين قالوا: إن هناك وجها واحدا حدده كل واحد منهم بطريقته يكون هو من وجهة نظره هو الوجه الحقيقي لإعجاز القرآن الكريم.

          أما أنا فأرى أننا نبحث في مجال حل المشكلة الاجتماعية، وتسيير الإنسان على الأرض في حالة أشبه ما تكون بحالة الكمال.

          والمسائل  الاجتماعيةُ على كل حال لا تفسر ولا تحل بعامل واحد، ومن أجل ذلك فإني أقول: بوجوب ضم هذه المسائل التي رصدت بعضها إلى بعض لتكون معاً معبرة عن وجه إعجاز القرآن الكريم.

          وسوف أكون مقصراً إذا لم أضع هذه القاعدة العامة التي مؤداها: إن القرآن الكريم سيفاجئ كل عصر بما يُعجز أهله، ثم يتيح المجال للناس كي يأخذوا هذا المعجز الجديد ويضعون مع ما سبق رصده ليتمم ثغرات تحتاج إلى الإتمام.

          ويظل القرآن على طول الزمان جديداً كل الجدة لا يخلق على كثرة الرد، غضاً طرياً كأنما نزل الآن.

          ألا يا أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته تواضعوا بين يدي القرآن، واعلموا أنه سيأتي الوقت الذي يُقال فيه لقارئ القرآن : اقرأ وارتقي ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها.

          رزقنا الله وإياكم حسن توفيقه وأدخلنا في أهل القرآن.

* * *

                                                د/ طه حبيشي

أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة

بكلية أصول الدين ـ القاهرة